
صحيت على صوت خبط جامد على الباب.
فتحت عيني لقيت نفسي لسه بفستاني، نايمة على زي ما أنا. والكنبة فاضية، ومترتبة، كأنه ماكانش نايم عليها حد. جبل صحي بدري.
-
ضرتى خلفتها بناتمنذ يومين
-
عشر فتياتمنذ يومين
-
حسن الكوري للكاتب/ أحمد محمود شرقاويمنذ يومين
-
تظاهري بانك زوجتي حكايات محمد نورمنذ يومين
بصيت في المراية.. كحل سايح وطرحة مايلة. مسحته وقمت لابسة عباية سودة من شنطتي، قلت يا بت يا قمر اثبتي.. انتي مش جاية .
نزلت تحت.. البيت الكبير كان صاحي. الحاجة صفية قاعدة على الكنبة العالية وحوليها نسوان العيلة بتفطر، وسعاد مرت أخو جبل اللي مات بتبصلي من فوق لتحت.
أول ما شافوني سكتوا كلهم.
الحاجة صفية قالت وهي بتصب الشاي
صباح الخير يا عروسة.. أخيرا صحيتي؟ احنا في بيت الراوية بنصحى قبل الطير ما يقوم.. بس الظاهر بيت النجار معلمكيش.
سعاد ضحكت.
بلعت ريقي وقلت صباح النور يا حاجة.. قوليلي المطبخ حبيبكم اللي شبهكم!
وشه اتحول. الحنية اللي كانت فيه من ثانية اتمسحت وبقى جبل اللي النجع كله بيخاف منه. وقف مرة واحدة.
قال بصوت واطي يخوف
انتِ بتقولي ايه؟
صرخت فيه بقول طلقني! انت عايز تتجوز عليا! بعد ما قلتلي خايف أحبك! كنت بتضحك عليا؟ كنت بتتسلي بيا لحد ما تتجوز مرات أخوك!
قرب مني خطوة، عينه حمرا من الغضب والقهر
أنا؟ أنا أضحك عليكي؟ انتي اللي وعدتيني امبارح.. وعدتيني يا قمر! قلتيلي عمري ما هسيبك.. وعدتيني يا بنت النجار! وأول ما سمعتي كلمة من ورا باب جاية تقوليلي طلقني؟ فين وعدك؟ فين كلامك عن إني جوزك قدام ربنا؟
سكتت من كتر العياط.
قال وهو بيحاول يمسك نفسه عشان ميزعقش اكتر أنا لسه مردتش على فين عشان أساعدكم.
صفية ضحكت ضحكة ناشفة تساعدي؟ لا يا حبيبتي انتي ضيفة.. ضيفة.. اقعدي على جنب لحد ما نعرف هنعمل فيكي ايه.
قعدت. وهم بياكلوا ويتكلموا عني كأني مش موجودة.
شايفة البت؟ جاية بشنطة واحدة..
أبوها بخيل حتى في جهازها..
ربنا يصبر جبل على بلوته..
كنت هقوم أقلب عليهم الطبلية، بس الباب الكبير اتفتح ودخل جبل.
كان لابس جلابية بيضا وشال، وعطره مالي البيت ، جاي من برة. أول ما دخل كلهم سكتوا. حتى الحاجة صفية اتعدلت في قعدتها.
عينه جت عليا ثانية، شافني قاعدة لوحدي على الكرسي الصغير بعيد عنهم، والفطار محطوط للكل إلا أنا. فهم.
ماتكلمش معايا، راح قعد جنب أمه وقال وهو بياخد رغيف
ايه مش هتفطروا العروسة ولا الصلح كان كلام وخلاص؟
الحاجة صفية قالت أصلها لسه صاحية يا ولدي..
جبل بص لسعاد وقال بنفس البرود اللي يرعب يا سعاد.. قومي هاتي فطار لمرت أخوكي.. واعملي شاي تقيل.. قمر بتحب الشاي التقيل.
اتصدمت. هو عرف منين إني بحب الشاي التقيل؟
سعاد قامت غصب عنها. وجبل قام وقف وقال قمر.. لما تخلصي فطار اطلعي أوضتك، محدش له عندك حاجة.
وطلع.
أكلت لقمتين بالعافية وطلعت. حسيت إني كسبت أول جولة.. مش بسببي، بسببه هو.
العصر كنت قاعدة في البلكونة اللي بتطل على غيط الدرة. سمعت صوت زعيق تحت.
نزلت أجري لقيت واحد من عمال الأرض بيشد حمار محمل قصب، والحمار واقع من التعب والراجل بيضربه. والغيط كله بيتفرج.
من غير ما أفكر نزلت جري بالعباية البيتي وسط الطين ووقفت قدامه وصرخت
بتضربه ليه يا عديم الرحمة! هو عشان حيوان ومش عارف يتكلم!
الراجل اتصدم يا ست قمر ده شغلي و…
شغلك؟ شغلك تعذب مخلوق ضعيف !
في اللحظة دي سمعت صوت من ورايا يهد الحيط
إييه اللي بيحصل هنا!
جبل. كان راجع من برة على فرسه، ونزل من عليه مرة واحدة. الرجالة كلها اتسمّرت.
الراجل قال بسرعة يا كبير أصل الست هانم…
جبل مقاطعوش، بص للحمار الواقع، وبصلي وأنا واقفة وسط الطين وعبايتي كلها تراب وعيني بتدمع على الحمار.
قرب مني، كنت فاكراه هيزعقلي عشان نزلت وسط العمال، بس هو قلع الشال بتاعه من على كتفه ولفه على كتافي فجأة.
وقال بصوت واطي ليا أنا بس الطين بهدل هدومك.. خشي جوه.
وبعدين لف للراجل وقال بصوت عالي خلّى الكل يترعش
الحمار ده تاخده توديه الزريبة تأكله وتشربه.. وانت مخصوم منك شهر.. اللي ميرحمش حيوان عندي ميرحمش بني آدم.. واللي يزعق لمرتي مرة تانية هقطع لسانه.
العمال كلهم وطّوا راسهم.
مسكني من دراعي.. أول مرة يلمسني من ساعة الجواز .. ودخلني البيت. إيده كانت خشنة وقويه.
دخلني المطبخ، جاب كوباية مية بإيده واداهاني.
قلتله وانا لسه بترعش أنا.. أنا آسفة نزلت من غير إذنك.. بس مقدرتش..
بصلي بصة غريبة، لأول مرة عينه مش باردة، فيها حاجة بتلمع.
قال انتي مجنونة.. كيف بنات النجار بقيتي مجنونة وقلبك خفيف؟
ضحكت غصب عني بدموعي.
قال أول مرة أشوفك تضحكي.. خليكي كده.
وسابني وطلع، بس المرة دي أنا اللي فضلت باصة على ضهره لحد ما اختفى.
تاني يوم. كنت بطبق هدومي في الأوضة، الباب خبط ودخلت الحاجة صفية. كنت فاكراها جاية تتخانق، لقيتها رمت على السرير جلابية حرير غالية.
قالت جبل قال إنك ممعكيش هدوم عدلة.. البسي دي بكرة وانتي نازلة.. عشان شكلك يبقى يليق ببيت الراوية.
عرفت إنها مش جاية من قلبها، جاية عشان جبل أمرها.
بعد ما خرجت، الباب اتفتح تاني، كان جبل. شاف الجلابية على السرير.
قلتله شكرا على الفطار.. وعلى الشال.. وعلى الجلابية..
قال وهو بيقلع ساعته وبيحطها على التسريحة ماتشكرينيش.. انتي شايلة اسمي.. اللي يهينك يهين اسمي.. واني ماسمحش لحد يهين مراتي ولو كانت أمي.
قربت منه خطوة، لأول مرة آخد الخطوة أنا
عشان شايله اسمك بس؟ يعني لو واحدة غيري شايلة اسمك كنت هتعمل كده برضه؟
سكت. وبصلي أوي. قرب خطوة كمان بقي بيني وبينه شبر واحد.
قال بصوت واطي أوي لا.. انتي حاجة تانية.. انتي من ساعة ما دخلتي وانتي عاملة زي الشوكة.. لا عارف أبلعك ولا عارف أطلعك.
قلبي دق جامد. كنت مستنياه يكمل، بس مرة واحدة سمعنا صوت صراخ من تحت.. صوت سعاد بتصرخ يا كبير.. يا كبير الحقنا!
جبل نزل جري وأنا وراه…. يتبع في الجزء الثالث
الفصل الثالث
الكاتبة ملك إبراهيم
الحقنا يا كبير.. الحاجة واقعة!
الجملة لسه ما خلصتش من بوق سعاد،
وكان جبل نزل السلم نط في تلات خطوات.
أنا نزلت وراه جري.
الحاجة صفية واقعة على الأرض، ماسكة صدرها ووشها أزرق وبتحاول تاخد نفسها. النسوان حواليها بتصوت وتلطم.
جبل زعق زعقة واحدة خلت البيت كله يسكت
بس! ولا واحدة تصوت! اللي هتصوت هكسر دماغها!
الكل سكت كأنه داس على زرار. شال أمه على دراعه كأنها عيلة صغيرة، مع إنها ست مليانة، وشالها وطالع بيها. وبصلي أنا اللي واقفة متخشبة
هاتي طرحتك وتعالي ورايا.
ملحقتش أفكر، لفيت طرحة بسرعة وجريت وراه. العربية الجيب الكبيرة كانت دايرة قدام الباب كأنها مستنياه على طول. هو ليه هيبته كده؟ حتى العربية بتحس بيه.
ساق هو بنفسه. أنا قعدت ورا وأمه جنبي. طول الطريق وهو سايق زي المجنون في مدقات النجع، بس إيده ماسكة الدركسيون بحديد، وعينه في المراية كل ثانية يبص على أمه وعليا.
أمه كانت بتهلوس عاطف.. ولدي عاطف..
جبل سمعها، وشه بقى حجر تاني، بس قال بصوت واطي
يا اما احنا معاكي.. عاطف في الجنة يا اما.. اجمدي عشان خاطر ولدك الكبير.
وصلنا مستشفى المركز. أول ما دخل شايل أمه، الممرضين والدكاترة كلهم جريوا عليه.
دكتور صغير قال بتوتر يا كبير لازم تدخل عناية و…
جبل قاطعه ما تقولش لازم ايه.. اعمل اللي لازم.. دي أمي.. لو حصلها حاجة المستشفى دي هقفلها بطوبها.
قالها ببرود، مش بزعيق، وده اللي يخوف أكتر. الدكتور دخلها جري.
فضلنا واقفين في الطرقة. أنا واقفة بعيد. هو واقف ساند ضهره على الحيطة، مربع إيديه، بس شايفة إيده بتترعش. جبل الراوي اللي الكل بيعمله ألف حساب.. بيترعش على أمه.
قربت منه من غير ما أفكر، لمست كتفه
هتبقى كويسة.. والله هتبقى كويسة.. الحاجة صفية قوية.
بصلي، عينه كانت حمرا بس مفيش دمعة نازلة.
قال
أنا لو أمي جرالها حاجة.. أنا هقع يا قمر.. أنا واقف على رجل واحدة من ساعة ما عاطف أخويا مات.. وهي الرجل التانية.
أول مرة يتكلم معايا كده. أول مرة يقول اسمي من غير لقب.. قمر.
قلتله أنت مش هتقع.. انت جبل.. حتى الجبل لما بيميل بيسند على اللي حواليه.. وأنا حواليك.
سكت وبصلي نظرة طويلة خلتني أتكسف وأبص في الأرض.
بعد شوية ، الدكتور طلع وقال أزمة قلبية خفيفة من الزعل والضغط، ولازم راحة ومتزعلش.
جبل دخل لها. أنا فضلت برة. سمعته بيقول لها بصوت عمري ما سمعته منه.. صوت ابن صغير
سلامتك يا حبيبتي.. يا اما قومي.. البيت وحش من غيرك..
شوفت جبل مع امه غير جبل إللي كل البلد بتخاف منه.
رجعنا البيت بالليل وامه معانا بعد ما الدكاتره طمنوه عليها.
البيت كله كان مليان رجالة عيلة الراوية مستنيين الكبير يطمنهم. أول ما دخل وهو شايل أمه لحد أوضتها، كلهم قاموا وقفوا.
حط أمه في سريرها، وغطاها، وباس راسها. وبعدين طلع الصالة، وقف في نصها.
الكل بصله.








