
لكن اللي حصل بعدها… محدش كان يتخيله.
من أول ما دخلت، البنت الجديدة ما حاولتش تلفت نظر حد. كانت هادية، بتنفذ التعليمات من غير نقاش، وما دخلتش نفسها في أي مشكلة، ولا وقفت في صف حد ضد حد.
لكن كان فيه حاجة واحدة كل الموجودين عرفوها بسرعة…
في المكان ده، الأخبار بتنتشر في ثواني، خصوصًا لما حد جديد يوصل. ورغم إن الكل حاول يعرف هي مين وجاية بسبب إيه، إلا إنها ما حكتش كلمة عن نفسها، ولا ادت فرصة لحد يقرب منها.
وفي نفس المكان، كان فيه اسم يخلي أي واحدة تسكت أول ما يتقال.
فريدة.
أقوى شخصية في المكان كله.
مجرد ظهورها كان كفاية يخلي الأصوات تختفي، والكل يطأطئ راسه ويبعد من طريقها.
كانت طويلة، قوية، وعندها هيبة كبيرة. بتحب تفرض سيطرتها على الكل، وما كانتش بتسيب أي واحدة جديدة إلا لما تحاول تقلل منها قدام الجميع.
ومحدش عمره اتجرأ يعترض عليها.
في وقت الغدا، كانت البنت الجديدة قاعدة لوحدها في آخر الترابيزة، بتاكل في هدوء وكأن اللي حواليها ما يخصهاش.
فريدة شافتها من بعيد، وقامت تمشي ناحيتها بخطوات واثقة.
وقفت قدامها وقالت:
ـ هاتي صينية الغدا.
البنت رفعت عينيها بهدوء وقالت:
ـ دي أكلتي… لو عايزة تاكلي روحي هاتي أكلك.
كل اللي قاعدين حواليهم بصوا لبعض بصدمة.
محدش قبل كده رد على فريدة بالطريقة دي.
فريدة ابتسمت ابتسامة كلها استهزاء وقالت:
ـ أنا لسه جعانة… هاتيها.
البنت ردت بكلمة واحدة:
ـ لأ.
الرد كان هادي، وواضح، ومن غير أي خوف.
كأن الست اللي واقفة قدامها مش أخطر واحدة في المكان.
المكان كله سكت.
كل واحدة كانت مستنية تشوف النهاية.
وش فريدة اتغير في لحظة.
هي متعودة إن الكل ينفذ كلامها من غير نقاش.
وعمرها ما سمعت كلمة «لأ».
قالت وهي بتجز على سنانها:
ـ انزلي من على الكرسي… وإلا هتندمي.
لكن البنت ما اتحركتش.
فضلت قاعدة مكانها، وبصت لفريدة بنفس الهدوء اللي بدأ يعصب كل اللي بيتفرج.
ساعتها فريدة فقدت أعصابها.
مدت إيدها ناحية كتف البنت، وحاولت تجبرها تقوم.
كل الموجودين كانوا متأكدين إن خلال ثواني البنت هتستسلم وتطلب منها تسامحها.
لكن بعد لحظات قليلة…
الكل هيعرف إن الوافدة الجديدة مش زي أي حد دخل المكان قبل كده.
فريدة ما كانتش تتوقع إن اللحظة دي هتقلب كل الموازين.
أول ما حاولت تمسك كتف البنت، حصل اللي محدش استوعبه.
البنت لفّت جسمها بسرعة، وفلتت نفسها من إيد فريدة بحركة هادية، وكأنها متدربة عليها مية مرة.
وفي نفس الثانية…
إيد فريدة اتثبتت بطريقة خلتها عاجزة عن الحركة.
شهقة واحدة خرجت من كل اللي قاعدين.
واحدة من الموجودين همست وهي فاتحة بوقها:
ـ مستحيل…
فريدة حاولت تفلت، لكن كل ما تزود قوتها، كانت البنت تسيطر على الموقف أكتر.
ولا ملامح وشها اتغيرت.
ولا حتى نفسها اتقطع.
قالت بهدوء:
ـ قلتلك دي أكلتي… وأنا مابحبش حد يمد إيده على حقي.
فريدة لأول مرة في حياتها حسّت إنها فقدت السيطرة.
حاولت تتحرك بعصبية، لكن البنت كانت متوقعة كل خطوة.
بعدت خطوة، وسابت فريدة تفقد توازنها وتقعد على الأرض قدام الترابيزة.
الصواني وقعت على الأرض.
وصوتها دوّى في المكان كله.
كل الموجودين وقفوا مكانهم.
فيه اللي حط إيده على بوقه.
وفيه اللي كان بيبص لفريدة ومش مصدق إنها فقدت توازنها.
أما فريدة…
فقامت بسرعة ووشها كله غضب وإهانة.
صرخت:
ـ إنتِ هتندمي!
واندفعت ناحيتها.
لكن البنت تعاملت مع الموقف بهدوء، وتفادت حركتها من غير ما تصيبها.
محاولة تانية اتفادت.
ومرة ثالثة انتهت من غير نتيجة.
ومن غير ما تستخدم البنت أي قوة إضافية.
كانت بس بتحافظ على نفسها.
وده كان أغرب حاجة.
المسؤولون جريوا على الصوت.
فتحوا الباب بسرعة.
دخل المسؤول وهو بيقول:
ـ إيه اللي بيحصل هنا؟!
كل الموجودين سكتوا.
وفريدة كانت لسه في حالة غضب.
لكن أول ما المسؤول شافها…
وشاف البنت واقفة بهدوء، من غير أي إصابة، وفريدة هي اللي كانت حالتها مضطربة…
استغرب.
قال للبنت:
ـ إنتِ اللي حصل منك كده؟
ردت بكل هدوء:
ـ أنا بس حافظت على نفسي… وهي اللي بدأت.
قبل ما المسؤول يرد…
اتكلمت واحدة كبيرة في السن، كانت طول عمرها بتخاف من فريدة.
قالت بصوت عالي:
ـ والله يا باشا دي الحقيقة… فريدة هي اللي راحت لها وبدأت المشكلة.
وفجأة…
واحدة ورا التانية بدأوا يقولوا نفس الكلام.
لأول مرة…
محدش خاف من فريدة.
لأنهم شافوا بعينهم إنها مش مستحيلة.
المسؤول بص لفريدة بحزم وقال:
ـ هتتحاسبي على اللي حصل.
اعترضت فريدة:
ـ دي بتكدب!
لكن محدش صدقها.
اتاخدت بعيد عن المكان وهي بتبص للبنت الجديدة بنظرة كلها غضب.
أما البنت…
رجعت قعدت على الكرسي.
رفعت صينية الغدا من على الأرض، ومسحتها بالمنديل، وكملت أكلها كأن اللي حصل كله ما كانش يعنيها.
وده كان أكتر منظر خوّف الموجودين.
لأن اللي يقدر يوقف فريدة…
ويرجع يكمل أكله بمنتهى البرود…
أكيد مخبي وراه حكاية أكبر بكتير من اللي أي حد يتخيله.
بعد اللي حصل، محدش عرف ينام.
كل واحدة كانت بتبص للتانية وتسأل نفس السؤال:
«مين دي؟»
لكن البنت الجديدة فضلت ساكتة.
لا اتباهت باللي عملته، ولا حاولت تكسب احترام حد.
تاني يوم الصبح، وهي واقفة في طابور العدد، كانت حاسة إن كل العيون عليها.
الهمس بقى في كل ركن.
ـ دي أكيد كانت ظابطة.
ـ لأ… شكلها تبع جهة مهمة.
ـ أنا سمعت إنها دخلت في قضايا كبيرة قبل كده.
لكن ولا إشاعة كانت قريبة من الحقيقة.
…
بعد أسبوع.
رجعت فريدة للمكان.
وشها كان مليان غضب، وعينيها كلها رغبة في الانتقام.
أول ما دخلت، كل الموجودين بعدوا عن طريقها.
لكن هي ما بصتش غير على شخص واحد.
الوافدة الجديدة.
كانت قاعدة تقرأ كتاب قديم، وكأن فريدة مش موجودة أصلًا.
ابتسمت فريدة ابتسامة غامضة.
وقالت بصوت عالي:
ـ الجولة اللي فاتت خلصت… لكن الحساب لسه.
البنت قفلت الكتاب بهدوء.
وقالت:
ـ أنا ماعنديش حساب مع حد.
ـ بس أنا عندي.
فريدة كانت اتعلمت من غلطها.
المرة دي ما حاولتش تواجهها بنفسها.
كانت مجهزة مجموعة من اللي بيمشوا وراها.
وفي وقت الفسحة…
أول ما المسؤولين بعدوا شوية، المجموعة حاصرت البنت من كل ناحية.
واحدة حاولت تشدها من هدومها.
والتانية حاولت تخوفها.
لكن قبل ما الموقف يتطور…
صوت قوي دوّى في المكان.
ـ كفاية!
الكل لف.
لقوا مدير المكان بنفسه داخل.
وخلفه اتنين من المسؤولين.
الغريب…
إن المدير أول ما شاف البنت الجديدة، وقف مكانه.
وبعدين عمل حاجة عمرهم ما شافوه يعملها مع أي واحدة موجودة.
وقف قدامها وقال باحترام:
ـ صباح الخير يا أستاذة ليلى.
الصدمة ضربت المكان كله.
واحدة همست:
ـ أستاذة؟!
حتى فريدة اتجمدت.
المدير كمل كلامه:
ـ وصلنا الإذن الرسمي النهارده… المهمة انتهت.
البنت رفعت عينيها لأول مرة بابتسامة خفيفة.
وقالت:
ـ أخيرًا.
فريدة كانت مش فاهمة أي كلمة.
قالت:
ـ مهمة إيه؟!
المدير لف ناحيتها وقال بحزم:
ـ إنتِ وكل اللي معاكي تحت التحقيق من النهارده.
بدأت علامات القلق تظهر على وشها.
ـ تحقيق؟ أنا عملت إيه؟
رد المسؤول وهو بيطلع ملفات كبيرة:
ـ من فترة وإحنا بنتابع شبكة بتدير أعمال ممنوعة من داخل المكان.
وكان لازم حد يدخل من جوه علشان يجمع الأدلة.
كل الموجودين بصوا للبنت الجديدة.
هي… كانت السبب؟
المدير هز راسه وقال:
ـ الأستاذة ليلى مش واحدة عادية هنا…
دي ضابطة متخفية.
السكوت اللي نزل على المكان كان مرعب.
واحدة من الموجودات وقعت منها إزازة المية من الصدمة.
أما فريدة…
رجعت خطوة لورا.
ولأول مرة، القلق الحقيقي ظهر في عينيها.
قالت بصوت متقطع:
ـ مستحيل…
ليلى فتحت جيب ملابسها، وطلعت بطاقة رسمية كانت مخفية بعناية.
وقالت بهدوء:
ـ كنت مستنية توصلي بنفسك.
لأن أكبر غلطة عملتيها…
إنك افتكرتي إن كل الناس بتخاف منك.
المسؤولون بدأوا يفتشوا المكان.
وخلال دقائق، لقوا أجهزة ممنوعة، ومستندات، ودفاتر فيها حسابات بمبالغ ضخمة.
وكل الأدلة كانت بتوصل لشخص واحد.
فريدة.
حاولت تهرب.
لكن المسؤولين أوقفوها.
وهي بتتبعد، كانت بتبص لليلى بغضب شديد.
وقالت:
ـ الموضوع لسه ما خلصش!
ليلى بصتلها بثبات، وقالت:
ـ وأنا مستعدة لأي حاجة جاية.
واتقفلت مرحلة فريدة الأخيرة…
لكن ليلى كانت عارفة إن القضية دي أكبر بكتير من مجرد شخصية متسلطة.
كان فيه اسم أخطر… لسه ما ظهرش.
واسمه، بمجرد ما يتقال، كان بيخلي حتى المسؤولين يراجعوا حساباتهم.
بعد يومين، تم نقل فريدة لمكان آخر شديد الحراسة، لكن التحقيقات ما وقفتش.
ليلى فضلت في المكان بأمر رسمي.
مش كجزء من الموجودين…
لكن علشان تكمل آخر جزء من المهمة.
لأن الأدلة اللي اتجمعت كشفت إن فريدة ما كانتش الرأس الكبيرة.
كانت مجرد حلقة.
أما اللي بيدير كل حاجة…
فكان حد محدش يتوقعه.
—
في مكتب المدير، كان المسؤولون قاعدين قدام خريطة كبيرة للمكان.
ليلى كانت واقفة قدامهم.
قال أحد المسؤولين:
ـ كل الاعترافات بتقول إن فيه شخص اسمه «الحاج»… لكن محدش شافه.
ردت ليلى:
ـ لأنه مش بيظهر بنفسه.
ـ يعني؟
ـ يعني فيه حد بينقل أوامره من جوه.
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
ـ والشخص اللي بيساعده… مش واحدة من الموجودين.
المسؤول رفع حاجبه.
ـ تقصدي إيه؟
ليلى بصت في عينيه وقالت:
ـ فيه موظف هنا… هو اللي بيدخل الأشياء الممنوعة، وهو اللي بيطلع الرسائل.
المكتب كله سكت.
الكلام كان خطير.
ولو صح…
يبقى الخطر جوه المكان أكبر بكتير.
—
في نفس الليلة…
كان عامل النظافة بيلم الأكياس من الممر.
عدّى جنب ليلى وهمس بسرعة من غير ما يبصلها:
ـ خلي بالك… بيراقبوكي.
وبعدين كمل شغله كأن مفيش حاجة حصلت.
ليلى استغربت.
لكنها ما ردتش.
بعد نص ساعة، وهي راجعة لمكانها، لقت تحت البطانية ورقة صغيرة.
مكتوب فيها:
«لو عايزة تعرفي مين الحاج… روحي للمخزن القديم الساعة اتنين بعد نص الليل… لوحدك.»
بصت للخط.
مش معروف.
ومفيش توقيع.
كانت عارفة إن ممكن يكون فخ.
لكن لو تجاهلت الرسالة…
يمكن تضيع فرصة الوصول للرأس المدبر.
—
الساعة اتنين إلا ربع.
المكان كله كان هادي.
ليلى خرجت بخطوات محسوبة.
وصلت للمخزن القديم.
الباب كان موارب.
أول ما دخلت…
سمعت صوت بيقول:
ـ كنت عارف إنك هتيجي.
لفت بسرعة.
لكن قبل ما تشوف المتكلم…
الباب اتقفل بقوة من وراها.
واتسمع صوت قفل حديد.
النور انطفى.
وبقى المكان غارق في الضلمة.
وفجأة…
اتسمع صوت تاني من آخر المخزن.
صوت راجل كبير في السن، هادي بشكل يخوف.
ـ الضابطة الشاطرة…
أخيرًا بقينا لوحدنا.
ليلى ثبتت مكانها، وحافظت على هدوئها.
وقالت بثبات:
ـ إنت الحاج؟
ضحك الرجل ضحكة قصيرة.
وقال:
ـ لا…
أنا مجرد اللي بيشتغل عنده.
أما الحاج الحقيقي…
فإنتِ بتشوفيه كل يوم.
الكلمات دي خلت قلب ليلى يدق بسرعة.
لأن معناها إن الشخص اللي بتدور عليه…
موجود داخل الإدارة نفسها، وبيتحرك قدام الجميع من غير أي شك.
وفي اللحظة دي…
اشتغل النور فجأة.
لكن المكان كان فاضي.
والرجل اختفى…
وساب على الأرض ملفًا أحمر مكتوبًا عليه بخط كبير:
«افتحيه… لو مستعدة تعرفي الحقيقة.»
ليلى ما نطقتش ولا كلمة بعد المكالمة.
بصت للرقم…
كان «رقم مجهول».
لكن فريق التقنية قدر يحدد حاجة غريبة.
المكالمة خرجت من داخل المكان نفسه.
رغم إن كل الهواتف كانت متصادرة.
قال أحد المسؤولين بدهشة:
ـ مستحيل… مفيش أي جهاز شغال هنا.
ردت ليلى وهي بتبص حوالين المكان:
ـ يبقى فيه حد لسه بيساعدهم… ولسه ما انكشفش.
—




