تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

تظاهري بانك زوجتي حكايات محمد نور

الجزء الأول

تظاهري بأنكِ زوجتي.

مقالات ذات صلة

قالها رجل الجبل بهدوء جعل سارة ترفع عينيها إليه وكأنها لم تسمع جيدًا.

كانت جاثية على ركبتيها تنظف أرضية خان صغير رخيص في أحد أطراف الجبل. كانت في السابعة والعشرين من عمرها، أرملة منذ ثلاث سنوات، وورثت عن زوجها المتوفى ديونًا لم تكن لها يد فيها. ومنذ ذلك اليوم وهي تعمل ليلًا ونهارًا حتى تشققت يداها من الصابون والماء.

أما الرجل الواقف أمامها، فلم يكن يبدو كزبون عادي.

كان طويلًا، عريض المنكبين، يرتدي عباءة داكنة وجزمة جلدية مغطاة بالطين، وعلى رأسه عمامة ابتلت أطرافها من رذاذ المطر.

قالت وهي تعود إلى تنظيف الأرض

عفواً؟

أجاب دون أن يغير تعبير وجهه

أحتاج إلى زوجة بشرع الله وقانون الدولة قبل نهاية الشهر.

ضحكت سارة ضحكة قصيرة خالية من الفرح.

إذا كنت محتاج زوجة، فالقرى مليانة بنات. روح اخطب واحدة منهم.

وضع الرجل ورقة قديمة على الطاولة.

أنا جاسم شاهين.

توقفت يد سارة عن الحركة.

كانت تعرف الاسم.

كل أهل المنطقة يعرفون عائلة شاهين، أكبر ملاك الأراضي والمراعي والغابات في أعالي الجبل.

فتح جاسم الورقة وقال

هذه وصية والدي، الحاج إسماعيل شاهين.

نظرت سارة إلى الورقة دون أن تقترب.

كان الرجل قد توفي قبل ستة أشهر، وترك وراءه أملاكًا هائلة، لكن الوصية تضمنت شرطًا غريبًا.

حتى تنتقل الملكية كاملة إلى جاسم، يجب أن يكون متزوجًا ويقيم مع زوجته في بيت العائلة وقت حضور الوصي لإجراء معاينة الربيع.

قال جاسم بضيق

والدي قضى حياته يحاول التحكم في قراراتي. والآن، حتى بعد موته، ترك لي شرطًا يحدد كيف أعيش.

قالت سارة

وماذا تريد مني أنا؟

توقّعين عقد زواج رسمي، وتعيشين معي حتى تنتهي المعاينة.

رفعت حاجبها.

وبعدها؟

ينتهي الاتفاق.

ساد الصمت لحظات.

ثم أضاف

ستحصلين على عشرين ألف درهم الآن، وعشرين ألفًا أخرى بعد انتهاء الإجراءات.

اتسعت عينا سارة رغمًا عنها.

كان المبلغ كافيًا لسداد كل الديون التي تطاردها، وربما يتبقى منه ما تبدأ به حياة جديدة.

لكنها لم تكن مستعدة لأن تثق برجل غريب لمجرد أنه عرض عليها المال.

سألته

ولماذا أنا؟

نظر جاسم إلى يديها المتشققتين.

لأنني رأيتكِ ترفضين الشفقة أكثر من مرة.

ثم تابع

رأيت رجلًا مخمورًا يسكب الماء عليكِ ويضحك، فعدتِ لتنظيف المكان دون أن تشتكي. ورأيت آخر يحاول مضايقتك، فضربتِ قدمه بفرشاة التنظيف وأخرجته من الخان.

لأول مرة، ظهر شيء يشبه الاحترام في عينيه.

أنتِ لا تنتظرين أحدًا لينقذك.

شعرت سارة بوخزة في صدرها.

لأنها كانت تعرف أن كلامه صحيح.

قالت

وما شروطك؟

أجاب

زواج رسمي. تعيشين في بيتي حتى تنتهي المعاينة. تهتمين بالبيت والموقد، وأنا أتكفل بالطعام والحطب وكل ما تحتاجينه.

ثم أضاف بوضوح

ولا أريد منكِ شيئًا آخر.

نظرت إليه بحذر.

يعني إيه؟

يعني أن لكل واحد منا حياته. لن أتدخل في حياتك، ولن تتدخلي في حياتي.

سكت لحظة ثم قال

والأهم… لن أتجاوز حدودكِ، وأنتِ لا تتجاوزين حدودي.

أخذت سارة نفسًا عميقًا.

كان العرض غريبًا، لكنها لم تجد فيه ما يهينها.

قالت

أريد عشرة آلاف الآن.

أخرج جاسم المال ووضعه أمامها.

مقابل توقيع العقد؟

مقابل أن أستطيع النوم الليلة دون أن أخاف من أن يأتي أحد ليطالبني بدين.

لم يجادلها.

عدّ المال ووضعه أمامها.

وبعد أقل من ساعة، كانا يقفان أمام القاضي.

لم تكن هناك زهور.

ولا أهل.

ولا احتفال.

فقط عقد رسمي، وشاهدان، ورجل وامرأة قررا أن يبدآ حياة مشتركة لا يعرف أي منهما إلى أين ستنتهي.

بعدها بساعات، صعدت سارة إلى العربة المتجهة نحو الجبل.

كانت تجلس في صمت، بينما كان جاسم يقود أمامها.

كلما ارتفعت العربة، اختفت البيوت خلفهما، وبدأت الأشجار تزداد كثافة، حتى أصبحت السماء نفسها بالكاد تظهر من بين الأغصان.

استغرقت الرحلة يومين.

وفي مساء اليوم الثاني، بدأت الثلوج تتساقط.

قالت سارة وهي تنظر حولها بقلق

لسه بعيد؟

أجاب جاسم

وصلنا تقريبًا.

وبعد دقائق، ظهر بيت خشبي ضخم وسط الوادي.

كان محاطًا بالأشجار من كل جانب، وبجانبه مربط للدواب وحظيرة صغيرة، وخلفه تمتد الغابة لمسافة لا تستطيع العين الوصول إلى نهايتها.

ترجلت سارة ودخلت البيت.

كان المكان بسيطًا لكنه مرتب.

موقد حديدي كبير.

طاولة خشبية.

رفوف مليئة بالأدوات.

ومطبخ صغير.

وخلف ستار سميك، كان هناك فراش واحد.

توقفت سارة عند الباب.

فين هنام؟

أشار جاسم إلى الفراش.

أنتِ هنا.

ثم اتجه إلى الجهة الأخرى من الغرفة، وأشار إلى دكة خشبية قرب الباب.

وأنا هنا.

نظرت إليه باستغراب.

فأخذ قطعة فحم ورسم خطًا أسود على الأرض يفصل بين الجانبين.

قال

ده الحد بين مساحتنا.

رفعت سارة رأسها وقالت بثبات

ممتاز.

ثم أضافت

بس

 

قبل ما تدخل ناحيتي، نظف جزمتك.

نظر جاسم إلى حذائه المليء بالطين.

ظل صامتًا لثوانٍ.

ثم أومأ برأسه.

ومنذ ذلك اليوم، بدأ الاتفاق الغريب.

كان جاسم يخرج قبل الفجر، ويعود مع غروب الشمس.

أما سارة، فكانت تهتم بالبيت، وتخبز الخبز، وتجهز الطعام، وتحاول أن تتعلم كيف تعيش في مكان لا يشبه أي شيء عرفته من قبل.

في البداية، كان الصمت يخيفها.

لكن مع مرور الأيام، بدأت تعتاد عليه.

واكتشفت أشياء لم تكن تتوقعها.

جاسم كان يترك لها أفضل قطعة من اللحم.

وكان يتأكد من وجود الحطب بجوار الموقد قبل أن ينام.

وكان يغلق باب البيت بنفسه كل ليلة ويتفقد النوافذ.

ولم يكن يدخل إلى جانبها أبدًا.

حتى عندما كانت تترك شيئًا في المكان المشترك، كان يناديها من بعيد بدلًا من أن يأخذه بنفسه.

مرت ثلاثة أسابيع.

وبدأت سارة تشعر أن حياتها الجديدة، رغم غرابتها، أصبحت أكثر أمانًا من حياتها القديمة.

لكن في إحدى الليالي، تغيّر كل شيء.

كانت الرياح تعصف بالخارج بقوة، والثلوج تضرب النوافذ.

جلست سارة أمام الموقد تصلح قطعة من ملابسها.

وفجأة…

دوّى صوت ارتطام عنيف بالباب.

رفعت رأسها.

ثم جاء صوت آخر.

فتح الباب بعنف، وسقط جاسم على ركبتيه عند المدخل.

كان مغطى بالثلج.

عباءته ممزقة.

ويده تضغط على جانبه.

تجمدت سارة في مكانها.

قال جاسم بصوت ضعيف

ما تقتربيش.

لكن سارة لم تستمع إليه.

اقتربت بحذر، فرأت الدماء تسيل من تحت عباءته.

قالت بصرامة

أنت مصاب.

أنا كويس.

أنت مش كويس.

ساعدته على الجلوس قرب الموقد، ثم أحضرت الماء الساخن والضمادات.

قال جاسم

سيبيني.

ردت

لو سيبتك، هتنزف.

لم يرد.

وبدأت سارة تعالج جرحه من دون أن تتجاوز حدودها أو تقترب منه أكثر مما يلزم.

كان الجرح عميقًا، لكنه لم يكن قاتلًا.

وبعد أن انتهت من تضميده، قالت

إيه اللي حصل؟

ظل جاسم صامتًا.

رفعت عينيها إليه.

مين ضربك؟

وقبل أن يجيب…

جاء صوت طرقات من خارج البيت.

ثلاث طرقات متتالية.

ثم صمت.

نظر جاسم إلى الباب.

وتغير وجهه تمامًا.

قال بصوت منخفض

اطفي النار.

تجمدت سارة.

ليه؟

اقترب جاسم من الباب دون أن يفتحه، ثم همس

لأن الشخص اللي بره… عارف إنك هنا لم تتحرك سارة.

كانت عيناها معلقتين بالباب، بينما كانت الرياح تعصف بالخارج وتدفع الثلوج في كل اتجاه.

همست

يعرف إني هنا؟ إزاي؟

لم يجبها جاسم.

أشار إليها فقط أن تبتعد عن النافذة.

ثم اقترب من الباب، وأطفأ المصباح القريب منه، حتى غرق البيت في ظلام شبه كامل.

مرّت ثوانٍ ثقيلة.

ثم جاء الطرق من جديد.

هذه المرة…

طرقتان فقط.

وبعدهما صوت رجل من الخارج

يا جاسم… افتح.

تجمدت سارة.

كان الصوت هادئًا، لكنه يحمل نبرة تهديد واضحة.

اقتربت من جاسم وهمست

مين ده؟

قال دون أن ينظر إليها

واحد ما كانش المفروض يعرف مكان البيت.

عاد الصوت

أنا عارف إنك جوه.

سكت الرجل لحظة.

ثم أضاف

وعارف إن مراتك الجديدة معاك.

اتسعت عينا سارة.

نظرت إلى جاسم بصدمة.

مراتي الجديدة؟

وضع إصبعه على فمه، طالبًا منها الصمت.

ثم قال بصوت مرتفع

ارجع من حيث جيت يا فارس.

جاء الرد سريعًا

واضح إنك لسه فاكر اسمي.

تراجعت سارة خطوة.

كان هناك شخص يعرف جاسم جيدًا.

والأسوأ من ذلك…

كان يعرف تفاصيل زواجهما.

قال فارس من خلف الباب

افتح يا جاسم. جاي أقولك حاجة تخص والدك.

لم يتحرك جاسم.

اتفضل قولها من بره.

ضحك الرجل.

والدك مات من ست شهور، ولسه بتستخبى ورا الوصية؟

شد جاسم قبضته.

ثم قال إيه اللي عايزه؟

المفتاح.

صمت جاسم.

رفعت سارة رأسها.

مفتاح إيه؟

لكن جاسم لم يجبها.

تابع فارس

المفتاح اللي أبوك خباه قبل ما يموت.

قال جاسم

مش عندي.

عندك.

قلت لك مش عندي.

يبقى اسأل زوجتك.

تغير وجه سارة.

شعرت ببرودة تسري في جسدها.

فارس يعرف أنها موجودة.

لكن كيف عرف؟

ولماذا قال اسألي زوجتك وكأنه متأكد أن لديها شيئًا لا تعرفه؟

اقترب جاسم من سارة وقال بصوت منخفض

ما ترديش عليه مهما قال.

ثم عاد إلى الباب.

امشِ يا فارس.

ساد صمت طويل.

ثم جاء صوت خطوات تبتعد فوق الثلج.

ظل جاسم واقفًا مكانه حتى اختفى الصوت تمامًا.

بعد دقائق، أعاد إشعال المصباح.

قالت سارة

دلوقتي هتفهمني؟

لم يرد.

مين فارس؟

ظل صامتًا.

وإيه المفتاح اللي بيتكلم عنه؟

جلس جاسم قرب الموقد، وأسند ظهره إلى الحائط.

ثم قال

أبوكِ…

توقفت سارة.

أبويا؟

أقصد والدي.

خفض عينيه.

والدي ما كانش مجرد مالك أراضي.

نظرت إليه باهتمام.

أمال كان إيه؟

قال

كان بيخزن أسرار ناس كتير.

شعرت سارة أن القصة أكبر من مجرد وصية ورث.

قالت

وفارس واحد منهم؟

فارس كان شريكًا قديمًا لأبي.

في إيه؟

لم يجب.

نهض جاسم ببطء، ثم اتجه إلى صندوق خشبي قديم في زاوية البيت.

أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.

فتحت سارة عينيها.

إنت عندك مفتاح!

التفت إليها.

ده مش المفتاح اللي بيدور عليه.

ثم فتح الصندوق.

كان بداخله دفتر جلدي قديم، وبعض الأوراق، وخريطة للجبال.

مد جاسم يده إلى الخريطة.

قبل وفاة أبي بأسبوع، طلب مني أروح له.

وقالك إيه؟

قال لي إن في حد من رجاله خانه.

سكت لحظة.

وقال إن لو حصل له حاجة، ما أثقش في أي حد… حتى أقرب الناس.

ابتلعت سارة ريقها.

السابق1 من 9
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى