
كانوا بيسخروا مني بلغة كانوا متأكدين إني مستحيل أفهمها، واليقين ده بالذات هو اللي خلّى خداعهم ليا سهل جدًا.
لمدة تلات سنين، عشت في القاهرة وأنا بحاول أبقى شخص محدش يفتكره.
-
ضرتى خلفتها بناتمنذ 19 ساعة
-
عشر فتياتمنذ 19 ساعة
-
حسن الكوري للكاتب/ أحمد محمود شرقاويمنذ 19 ساعة
-
تظاهري بانك زوجتي حكايات محمد نورمنذ 19 ساعة
حين طرقت التوأم باب كوخه في العاصفة… حكايات شروق خالد
في مطعم «الهدوء» في وسط القاهرة، كنت بلبس صديري أسود مكوي بعناية، وأربط شعري الأشقر ورا بشكل مرتب، وأبتسم وقت ما يكون مطلوب مني، وأسيب الرجالة الأغنياء يبصوا من خلالي كأني قطعة من أثاث المطعم.
والأهم من كده…
كان بيخليني عايشة.
لحد ما دخل ياسين الشافعي.
أي حد شغال حوالين فلوس القاهرة، أو الموانئ، أو النقابات، أو بعض الأعمال اللي محدش بيتكلم عنها بصوت عالي، كان عارف الاسم ده.
كان ياسين عنده أربعة وتلاتين سنة، أنيق، وسيم، وتدور شائعات إنه وريث إمبراطورية إجرامية ممتدة من الموانئ لحد علاقات في الجمارك بالإسكندرية.
اقتربت من الترابيزة رقم أربعة وأنا شايلة زجاجة نبيذ فوق فوطة قماش مطوية.
كان ياسين قاعد بين صابر البدري، راجل ضخم عنده ندبة فوق حاجبه، ومراد المنشاوي، اللي كان هدوؤه المقلق يفكرني بمطواة مقفولة.
بدأت أصب النبيذ.
وفجأة…
غيروا اللغة.
مش إنجليزي.
ولا حتى عربي عادي.
كانت لهجة صعيدية قديمة.
لهجة خشنة ومختصرة قضيت سنين بحاول أمحيها من ذاكرتي.
شدت أصابعي على الزجاجة.
لاحظ صابر.
قال وهو بيبص لي:
«ملهاش لازمة.»
ثم كمل باللهجة القديمة:
«بصوا لها. عيون ميتة، وعقل فاضي. أراهن إن البنت دي حتى مش عارفة إمتى الرجالة بيضحكوا عليها.»
ابتسم مراد.
«غالبًا فاكرة إننا بنتكلم عن الأكل.»
فضلت أصب النبيذ.
ثم رفع ياسين عينيه وبص لي مباشرة.
قال باللهجة الصعيدية القديمة:
«سيبوها في حالها. هي بتشيل الأطباق، وبتصب النبيذ. هي تنتمي للجزء الهادئ من الدنيا.»
فضلت عيناه ثابتتين على وشي.
ثم أضاف:
«الغباء رفاهية… سيبوها محتفظة بيه.»
حسيت بحاجة جوايا بردت فجأة.
ومع ذلك، نزلت الزجاجة وابتسمت.
«تحبوا فلفل طازج مع الأكل يا فندم؟»ريحة الأكل اتحولت لدخان.
ضوء الشموع اتحول لنار.
وفجأة…
ما كنتش آية سامح، النادلة اللي عايشة في المعادي.
كنت كاترينا البدرية من جديد.
أمي، هالة سامح، كانت مترجمة مصرية سافرت إلى الصعيد بسبب قضية تخص تزوير تحف وآثار، وهناك وقعت في حب رجل قوي لدرجة إنه كان قادر يخلي الخطر يبدو كأنه حماية.
قضيت عشر سنين في فيلا كبيرة خارج الأقصر.
كنت بتعلم اللغة العادية من أمي، واللهجة الصعيدية من العاملين في البيت، وحاجة أكثر ظلمة من رجال كانوا فاكرين إن الأطفال ما بيسمعوش.
كانوا بيسموها:
لغة الدم.
كانت اللغة اللي بيستخدموها لما الشغل يبطل يبقى شغل.
تعلمت أميز بين وقع خطوات معناها إن الرجال جايين يشربوا، وخطوات معناها إن العنف قرب، وخطوات معناها إن شخصًا ما مش هيشوف الصبح.
ثم احترقت فيلا عائلة البدرية.
ماتت أمي جواها.
وأنا هربت.
في سن التاسعة عشرة، وصلت القاهرة وأنا معايا أوراق مزورة، واسم عائلة أمي قبل الجواز، وقاعدة واحدة هي اللي خلتني عايشة لحد دلوقتي:
ممنوع العالم القديم يعرفني.
التزمت بالقاعدة دي سنين.
لكن وأنا واقفة خلف الستارة المخملية، وبسمع ضحكة صابر وهو بيسخر مني تاني بنفس لغة طفولتي، أدركت فجأة حاجة مرعبة.
ياسين الشافعي ما كانش بيتكلم كراجل صعيدي وبس.
كان بيتكلم كأنه شخص…
كان يعرف عيلتي.
ولما رجعت ناحية الترابيزة رقم أربعة، كنت عارفة بالضبط اللهجة اللي هرد عليه بيها.
حكايات شروق خالد
رجعت ناحية الترابيزة رقم أربعة بخطوات هادية، كأني ما سمعتش ولا كلمة.
لكن جوايا، كل حاسة كانت صاحبة.
حطيت طبق المقبلات قدام مراد، وبعده حطيت طبق صابر، ولما وصلت قدام ياسين، وقفت ثانية أطول من اللازم.
رفع عيني لي.
كان مستنيني.
قلت بالمصري:
«حضرتك طلبت حاجة تانية؟»
ابتسم ابتسامة صغيرة.
ثم قال باللهجة الصعيدية القديمة:
«إنتِ لسه بتسألي؟»
اتجمدت إيدي فوق الطبق.
الصوت.
النبرة.
الكلمة الأخيرة.
كان بيستخدم نفس الطريقة اللي كان بيستخدمها واحد من رجال البدرية زمان، رجل اسمه سالم، كان مسؤول عن الحرس الداخلي للفيلا.
سالم كان ميت.
أنا شفته وهو بيموت.
أو على الأقل كنت فاكرة إني شفته.
رفعت عيني لياسين.
وقلت بالمصري:
«مش فاهمة حضرتك.»
صابر ضرب كفه على الترابيزة وهو بيضحك.
«يا ياسين، البنت دي فعلًا ولا على بالها.»
مراد ما ضحكش.
كان بيراقبني.
ثم قال لياسين بنفس اللغة:
«عيونها مش عيون واحدة مش فاهمة.»
ساد الصمت.
ابتسم ياسين.
وقال:
«عارف.»
الكلمة وقعت على صدري زي حجر.
حطيت الزجاجة على الترابيزة.
ولأول مرة، قررت أجرب.
قلت باللهجة الصعيدية القديمة، بنبرة منخفضة ما يسمعهاش غير اللي قاعدين:
«واللي عارف… بيقولش.»
اختفت الابتسامة من وش صابر.
مراد ثبت عينيه عليّ.
أما ياسين…
فما تحركش.
بس عينيه تغيروا.
لأول مرة، شفت فيهما شيئًا غير الثقة.
دهشة.
قال بصوت خافت:
«كاترينا.»
توقفت أنفاسي.
الاسم اللي دفنته من سبع سنين.
الاسم اللي ما كانش موجود على أي ورقة معايا.
الاسم اللي حتى أنا بطلت أكتبه لنفسي.
ابتلعت ريقي.
رد بهدوء:
صرّت أصابعي.
صابر مد إيده تحت الجاكيت.
لكن ياسين رفع إصبع واحد.
فتوقفت إيده.
قال ياسين:
«لو كنت عايز أؤذيها، ما كنتش ناديتها باسمها.»
ضحك مراد ضحكة قصيرة بلا فرحة.
«إنت متأكد إنها هي؟»
رد ياسين:
«محدش في مصر كلها يعرف الجملة دي غير ثلاثة أشخاص.»
ثم مال إلى الخلف.
«اتنين منهم ماتوا.»
نظرت إليه.
«والتالت؟»
قال:
«قدامي.»
حسيت إن المطعم كله اختفى.
الأصوات.
الموسيقى.
ضحكات الزباين.
حتى رائحة الطعام.
ما بقاش فيه غير هو وأنا.
قلت بهدوء:
«إنت عايز إيه؟»
رد فورًا:
«الحقيقة.»
ضحكت رغم الخوف.
«بعد سبع سنين؟»
«الحقيقة ما بتبطلش تبقى حقيقة عشان الوقت عدى.»
«وأنا مالي؟»
اقترب قليلًا.
«إنتِ أكتر واحدة ليها علاقة.»
صمت.
ثم أخرج هاتفه وحطه على الترابيزة.
فتح صورة.
دفعت عيني نفسي غصب عني ناحية الشاشة.
كانت صورة قديمة.
فيلا البدرية.
وأمام البوابة، كان واقف رجل أعرفه.
أبي.
لكن بجواره…
كانت أمي.
حية.
تجمدت.
همست:
«الصورة دي مستحيل تكون موجودة.»
قال ياسين:
«ليه؟»
رفعت عيني له.
«لأن أمي قبل بيومين.»
ساد الصمت.
قال ياسين:
«دي أول كذبة اتقالت لك.»
شهقت.
«إيه؟»
قرب الهاتف مني.
تراجعت خطوة.
«إنت بتكدب.»
«نفسي.»
«مين قال لك؟»
فتحت فمي.
لكن ما خرجش صوت.
لأني فجأة فهمت.
الشخص الوحيد اللي أكد لي موت أمي…
كان سالم.
والشخص الوحيد اللي كان موجود معايا وقت هروبي…
كان سالم.
نفس الرجل اللي كنت متأكدة إنه مات.
رفع ياسين عيني لي وقال:
«سالم كان عايش.»
ارتعشت.
«إنت تعرفه؟»
«أعرفه كويس.»
ثم أضاف:
«وهو اللي بعتني أدور عليك.»
قبل ما أقدر أتكلم، اهتز هاتف ياسين.
نظر للشاشة.
ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
رفع رأسه نحوي.
«لازم تمشي دلوقتي.»
«ليه؟»
«لأنهم عرفوا إنك هنا.»
تجمدت.
«مين؟»
قال:
«الناس اللي حرقت الفيلا.»
ثم وقف.
«والليلة دي…»
نظر ناحية باب المطعم.
«جايين ينهوا الحاجة اللي فشلوا ينهُوها من سبع سنين.»
حكايات شروق خالد
ما لحقتش أسأله مين اللي جاي.
صوت طلقة مكتومة خرج من ناحية باب المطعم.
اتكسرت واحدة من كاسات الترابيزة القريبة، وصرخة واحدة شقت المكان.
في ثانية، المطعم كله اتحول لفوضى.
الناس قامت تجري.
الكراسي اتقلبت.
والعاملين اختفوا خلف البار.
أما ياسين، فمسكني من معصمي وشدني لتحت.
«انزلي!»
وقعت على الأرض قبل ما أفهم.
تانية خبطت في الحائط فوقنا.
صابر سحب .
مراد كان بالفعل واقف عند المدخل الخلفي، بيبص ناحية الشارع.
قال بصوت منخفض:
«اتقفل علينا.»
ياسين بص له.
«كام واحد؟»
«ستة… يمكن سبعة.»
ثم بص لي.
«هي لازم تخرج.»
قلت بعصبية:
«أنا مش هخرج معاكم.»
نظر لي كأنني فقدت عقلي.
«لو خرجتي لوحدك، هتموتي.»
«وأنت ليه مهتم؟»
سكت.
ثانية واحدة.
ثم قال:
«لأني وعدت أبوكي.»
الكلمة أصابتني أقوى من الرصاص.
«أبويا؟»
أمسكني من كتفي.
«أيوه. أبوكي عايش.»
ما قدرتش أتنفس.
«إنت بتقول إيه؟»
«أبوكي عايش، وأمك عايشة، والاتنين كانوا مختفين طول السنين دي.»
هززت رأسي.
«لا… لا، ده مستحيل.»
اقترب مني وقال:
«كانوا بيهربوا منك.»
شهقت.
«بيهربوا مني؟ ليه؟»
صمت.
ثم قال:








