
ابن أخويا اللي عنده ست سنين زحف لحد باب بيتي ورجله مكسورة، وأخته اللي عندها تلات سنين كانت متعلقة في قميصه وبتعيط وهي بتقول:
-
ضرتى خلفتها بناتمنذ 36 دقيقة
-
عشر فتياتمنذ 40 دقيقة
-
حسن الكوري للكاتب/ أحمد محمود شرقاويمنذ 40 دقيقة
-
تظاهري بانك زوجتي حكايات محمد نورمنذ 42 دقيقة
“أرجوك يا عمو، ما ترجعناش لماما.”
أبوهم، أخويا، كان لسه متوفي من تلات شهور بس، ومراته كانت فاكرة إن عيالُه ما بقاش ليهم حد يحميهم.
لكنها كانت غلطانة في حاجة واحدة بس…
العم اللي هربوا له كان أخطر رجل مافيا في القاهرة.
لقيت ياسين واقع قدام بوابة بيتي.
وشه كان شاحب، ورجل واحدة منه كانت بتتسحب وراه من غير ما يقدر يحركها، بينما كانت أخته الصغيرة ليان واقفة حافية جنبه، ماسكة في قميصه المتسخ بكل قوتها.
همس بصوت ضعيف:
“عمو محمود…”
شلت ليان الأول، وبعدها انحنيت بحذر وشلت ياسين بين إيديا.
سألته وأنا بحاول أسيطر على خوفي:
“إيه اللي حصل؟”
دفن وشه في صدري.
وقال بصوت مكسور:
“سارة حبستنا تحت تاني.”
تاني.
الكلمة دي غيرت كل حاجة.
أخويا أحمد مات بأزمة قلبية مفاجئة من تلات شهور.
كان ياسين عنده ست سنين، وليان لسه عندها تلات سنين.
بعد وفاة أبوهم، فضلوا مع سارة، مرات أبوهم، لأن ده كان باين إنه الاختيار الأرحم.
ده بيتهم.
أوضتهم لسه موجودة.
وسريرهم لسه مكانه.
وصور أبوهم لسه معلقة على الحيطان.
في جنازة أحمد، سارة كانت شايلة ليان وبتعيط على كتفي.
وقالت لي:
“أنا هحميهم كأنهم ولادي.”
وصدقتها.
وده كان أكبر غلطة عملتها.
اسمي محمود المنصوري.
بالنسبة للأطفال، أنا عمو محمود.
أما بالنسبة لباقي الناس، فأنا الراجل اللي مجرد مكالمة منه كانت كفيلة إنها تفتح أبواب، ناس كتير بتفضل تفضل مقفولة.
أحمد كان بيكره العالم ده.
وقبل ما يموت، خلاني أوعده إن ولاده عمرهم ما هيدخلوا العالم ده.
وعشان كده، لما سارة بدأت تمنعني من زيارتهم، بعدت.
كنت بقول لنفسي:
“العيال لسه في حالة حزن.”
“ياسين مش بينام.”
“ليان كل شوية تسأل على أبوها.”
كنت فاكر إني كده باحترم وصية أخويا.
لحد ما ليان شافت رغيف عيش على ترابيزة المطبخ.
أكلت بطريقة خلت قلبي يتقبض.
كأن حد ممكن ياخده منها في أي لحظة.
كان ياسين بيرتعش من شدة الألم، ومع ذلك مد إيده ناحية أخته وهمس لها:
“براحة يا ليان… هتتعبي.”
بصيت له.
طفل عنده ست سنين كان بقى هو الحامي الوحيد لأخته الصغيرة.
اتصلت بالإسعاف فورًا.
لكن ياسين مسك في كم قميصي.
وقال بخوف:
“سارة قالت إن محدش هيصدقنا.”
نزلت على ركبتي قدامه، وبصيت في عينيه.
وقلت:
“أنا مصدقك.”
في المستشفى، الدكاترة عالجوا ليان من الجفاف، بينما أخدوا ياسين بسرعة عشان يعمل أشعة.
كنت متوقع إن الدكتور يقول إن رجله اتكسرت وهو بيحاول يهرب من القبو.
لكن بدل كده، الدكتور قفل باب غرفة الكشف.
وقال لي:
“يا أستاذ محمود، لازم تفهم حاجة مهمة.”
وحط أشعة ياسين قدامي.
بصيت للصورة.
الدكتور أشار لمكان الكسر.
وقال:
“الكسر ده ما حصلش النهارده.”
اتجمدت مكاني.
سألته:
“بقاله قد إيه؟”
قال:
“كام أسبوع.”
وبعدين أشار لمكانين تانيين في الأشعة.
في اللحظة دي، موبايلي بدأ يرن.
كان واحد من رجالي واقف قدام بيت سارة.
رديت:
“أيوه.”
جالي صوته هامس:
“يا باشا…”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“الشرطة فتحت القبو.”
استنيت.
لكن صوته اتغير فجأة.
وقال:
“لازم تشوف بنفسك اللي لقيناه تحت هنا.”
القصة طويلة ومش هتنفع تتكتب كلها في الكابشن…
لو عايز تعرف إيه اللي كان مستخبي في قبو سارة، اكتب “نعم”، والقصة كاملة هتكون في التعليقات.
حكايات شروق خالد
وصلت بيت سارة بعد حوالي نص ساعة.
طول الطريق، كان دماغي بيعيد كلام الدكتور:
“الكسر ده بقاله كام أسبوع.”
كام أسبوع؟
يعني ياسين كان بيتوجع قدامي وأنا كنت فاكر إنه طفل حزين محتاج وقت؟
كنت غلطان.
غلطان بشكل عمري ما هسامح نفسي عليه.
العربية وقفت قدام بيت أخويا.
الشارع كله كان مليان عربيات شرطة، والناس واقفة بعيد بتتفرج.
نزلت، وأول ما شافني واحد من رجالي قرب مني.
قال:
“يا باشا، الشرطة لسه جوه.”
“فين سارة؟”
“مش موجودة.”
بصيت له بحدة.
“يعني إيه مش موجودة؟”
“اختفت من ساعة ما عرفوا إن العيال هربوا.”
شدّيت فكي.
أكيد كانت عارفة.
دخلت البيت.
كل حاجة كانت زي ما هي.
نفس الانتريه.
نفس صور أخويا.
نفس الألعاب الصغيرة اللي كانت ليان بتحطها على الأرض.
لكن البيت اللي كان زمان مليان ضحك، دلوقتي كان مليان رجال شرطة وأصوات أجهزة لاسلكية.
ضابط قرب مني.
“حضرتك محمود المنصوري؟”
“أيوه.”
مد إيده.
“أنا المقدم حسام.”
صافحته.
قال:
“إحنا محتاجين نتكلم معاك.”
“بعد ما أشوف القبو.”
بص لي لحظة، وبعدين قال:
“تمام.”
نزلنا السلم.
كل خطوة كنت باخدها كانت بتخلي صدري يضيق أكتر.
القبو كان تحت المطبخ.
باب حديد تقيل.
اتفتح.
وأول حاجة شفتها كانت سرير أطفال صغير.
بعده كرسي.
وبعدين طاولة عليها أطباق فاضية.
لكن ده ما كانش أسوأ شيء.
على الحيطة كانت فيه علامات محفورة.
واحد.
اتنين.
تلاتة.
أربعين علامة تقريبًا.
قلت:
“دي إيه؟”
المقدم حسام قال:
“مش عارفين لسه.”
قربت.
لمست واحدة بإصبعي.
علامات طولية، معمولة بحاجة حادة.
سألت:
“مين كان بيعمل العلامات دي؟”
الضابط سكت.
واحد من رجالي كان واقف ورايا قال:
“يا باشا…”
لفيت.
كان ماسك كيس بلاستيك شفاف.
جواه سلسلة صغيرة.
سلسلة أخويا أحمد.
عرفتها فورًا.
كانت السلسلة اللي كان بيلبسها كل يوم.
قلت:
“إزاي وصلت هنا؟”
الضابط بص لي.
“لقيناها تحت السرير.”
قلبي دق بعنف.
“أحمد كان هنا؟”
“إحنا مش متأكدين.”
مسكت السلسلة.
كانت عليها بقعة دم قديمة.
فضلت باصص لها وأنا مش قادر أتنفس.
أخويا مات من تلات شهور.
أزمة قلبية.
ده اللي قالوه.
لكن لو سلسلته كانت هنا…
يبقى ليه؟
مين جابها؟
وليه؟
وفجأة سمعت صوت من ورايا.
“محمود.”
كان صوت ست.
لفيت.
كانت نوال، مديرة بيت أخويا.
وشها كان أبيض.
قالت:
“أنا لازم أقول لك حاجة.”
قربت منها.
“قولي.”
بصت للضابط.
ثم لي.
“أحمد ما ماتش زي ما إنت فاكر.”
حسيت الدنيا بتلف بيا.
“إنتِ بتقولي إيه؟”
بدأت تعيط.
“أخوك قبل ما يموت بأسبوع جه لي وقال إنه اكتشف حاجة.”
“إيه؟”
“قال لي إن سارة مش هي اللي بتأذي العيال.”
سكتت.
“أمال مين؟”
نوال بصت ناحية باب القبو.
وقالت:
“هو كان خايف من حد تاني.”
“مين؟”
هزت رأسها.
“معرفش.”
مسكت كتفها.
“نوال، متلعبيش معايا.”
صرخت:
“أنا مش بلعب!”
وبعدين قالت:
“أحمد قال لي لو حصل له حاجة، ما أثقش في أي حد في البيت.”
وقتها سمعت صوت ضابط الشرطة:
“يا جماعة!”
جرينا ناحية آخر القبو.
كان فيه باب صغير مستخبي خلف دولاب.
الضابط شاله.
وظهر ممر ضيق.
قلت:
“الممر ده بيروح فين؟”
الضابط قال:
“لحد بره البيت.”
نظرت إلى رجالي.
“مين يعرف بالممر ده؟”
ولا واحد رد.
دخلت.
كان المكان ضيق ومظلم.
بعد حوالي عشرين متر، وصلنا لباب خلفي.
الباب كان مفتوح.
وعلى الأرض كانت فيه آثار أقدام صغيرة.
آثار طفل.
اتنين.
واحدة أكبر.
وواحدة أصغر.
قلت:
“دي آثار ياسين وليان؟”
الضابط هز رأسه.
“ممكن.”
لكن قبل ما نخرج، لمحت حاجة على الحيطة.
ورقة مثبتة بمسمار.
نزعتها.
كانت مكتوب عليها بخط أخويا.
“محمود، لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنا فشلت أحميهم.”
وقفت عن التنفس.
كملت القراءة.
“ما تثقش في سارة.”
تحتها:
“وما تثقش في الشرطة.”
رفعت عيني ببطء ناحية المقدم حسام.
هو كمان كان بيبص لي.
قلت:
“إنت قريت الورقة دي قبل كده؟”
قال:
“لأ.”
ضحكت بسخرية.
“يبقى ليه اسمك موجود في آخرها؟”
اتغير وجهه.
لأن تحت كلام أخويا كان فيه اسم مكتوب.
“حسام.”
وفجأة المقدم حسام سحب سلاحه.
رجالي رفعوا أسلحتهم في نفس اللحظة.
صرخ:
“ولا حد يتحرك!”
ثبت عيني عليه.
“إنت كنت عارف.”
قال:
“محمود، الموضوع أكبر منك.”
ضحكت.
“إنت عارف أنا مين؟”
قال:
“وعشان كده بالذات لازم تموت.”
وقبل ما حد يطلق رصاصة، انفتح الباب الخلفي بعنف.
دخلت سارة.
كانت لابسة هدوم سوداء، وشعرها مبعثر، وفي إيدها مسدس.
لكنها ما وجهتهوش ليا.
وجهته للمقدم حسام.
وقالت:
“ارمي سلاحك يا حسام.”
الكل اتجمد.
بصيت لها.
“إنتِ؟”
كانت بتبص لي ودموعها نازلة.
قالت:
“أنا اللي خليت العيال يهربوا.”
“إنتِ حبستيهم!”
صرخت:
“كنت بحاول أحميهم!”
ضحكت بغضب.
“حماية؟ ياسين رجله مكسورة!”
صرخت:
“أنا ما كسرتش رجله!”
سكت المكان.
قالت:
“كل اللي عملته إني كنت بحاول أخليهم يفضلوا عايشين.”
نظرت إلى المقدم حسام.
“اسأله هو.”
حسام رفع سلاحه.
لكن سارة كانت أسرع.
أطلقت رصاصة.
الرصاصة أصابت كتفه.
وقع على الأرض.
رجالي اندفعوا عليه.
أما أنا، فقربت من سارة.
“قولي الحقيقة.”
بصت لي.
وقالت:
“أخوك ما ماتش بأزمة قلبية.”
اتجمدت.
“إيه؟”
“اتقتل.”
“مين قتله؟”
اقتربت مني وهمست:
“اللي قتله هو نفس الشخص اللي بيحاول يقتل ولاده.”
سألت:
“مين؟”
سارة فتحت فمها.
لكن قبل ما تتكلم…
جاء صوت من خلفنا.
صوت طفل.
“عمو محمود.”
لفيت بسرعة.
كان ياسين واقف عند آخر الممر.
لكن ليان كانت مش معاه.
جريت عليه.
“ليان فين؟”
بص لي بخوف.
وأشار خلفه.
“خدها.”
“مين؟”
بدأ يبكي.
وقال:
“الراجل اللي كان بييجي كل ليلة.”
“مين الراجل ده؟”
ياسين رفع عينه لي.
وقال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
“بابا.”
سكت.
“إيه؟”
“بابا كان بييجي.”
بصيت لسارة.
كانت بتعيط.
قلت:
“أحمد مات.”
هز ياسين رأسه.
“لأ.”
ثم قال:
“بابا مش ميت.”
وفي اللحظة نفسها، رن موبايلي.
رقم مجهول.
رديت.
مافيش كلام.
بس سمعت نفسًا هادئًا من الطرف التاني.
ثم صوت رجل أعرفه جيدًا.
صوت أخويا.
“محمود… متصدقش سارة.”
وقعت الموبايل من إيدي.
لأن الصوت كان صوت أحمد فعلًا.
أخويا اللي دفنته بإيدي من تلات شهور.
أخويا اللي شفت جثته.
أخويا اللي قالوا إن قلبه وقف.
وفجأة جاء صوت صرخة ليان من بعيد.
صرخة واحدة.
ثم ساد الصمت.
جريت ناحية الباب.
وسمعت صوت أحمد مرة تانية من الموبايل على الأرض:
“لو عايز بنت أخوك تعيش…”
ثم توقف لحظة.








