
انا عندى سلفتي سكر من النوع الفرفوش اوي بتخلينا كلنا نموت من الضحك كل دقيقه مخليه البيت عباره عن بهجه في يوم كان فيه مناسبه في العيله قالتلي تعالي بدل ما انتي مقشفه كده اظبطك ورحنا الكوافيره ظبتنا من حنه لكله وهي دفعت الحساب وقالت وآلله ابدا علي حسابي
-
ضرتى خلفتها بناتمنذ ساعة واحدة
-
عشر فتياتمنذ ساعة واحدة
-
حسن الكوري للكاتب/ أحمد محمود شرقاويمنذ ساعة واحدة
-
تظاهري بانك زوجتي حكايات محمد نورمنذ ساعة واحدة
مقالات ذات صلة
سلفتي سكر حكايات رومانى مكرم 3
منذ ساعة واحدة
سلفتي سكر حكايات رومانى مكرم 2
منذ ساعة واحدة
أبويا طول عمره كلمته هي اللي تمشي
روحنا الفرح بقت ترقص وتتمايل عليا وعلي جوزي شويه وجوزها حتي حماها مسبتوش فى حاله وكلنا كنا بنضحك اخدت مني ابني الصغير وقالتلي قومي انتي وجوزك اتمشو كده واتصوري سلفي
حمايا مره حب يهزر راح زاققني وانا عملت اني وقعت وزعلت
زعلت من تصرفه واسبوع متكلموش وتقوله انت عمرك مكنت قليل القيمه تعامل ستات البيت كده
قالها وآلله بنهزر معلش حقك عليا
ولو حد اشترى اى حاجه فى البيت
تزغرط لولولولولولولولولوي حتى لو شفشق بلاستيك
انا اشتري عبايه تروح واخدها علي بؤقها وتزغرط دي طريقتها في قوله مبروك
هي اشترت تلاجه جديده انا روحت جبتلها خزين التلاجه ومنظمات تلاجه ودخلت رصتلها الفاكهه والجبن والمربات والخضار وعملتلها فيونكه كده علي التلاجه مع بنتها وابنها هما كبار ما شاء الله
ولما دخلت تفتح التلاجه لقيت المفاجاءه وكانت مبسوطه بيها وزغرطت برده
ولما عرفت اني انا اللي عملتها قالتلي اردهولك وانتي جايه من الحجاز وحضنتني
قولتلها ده نقطه من بحر خيرك
لغايه اليوم النحس الى سلفى الصغير اتجوز واحده وقعت بينا وخربت البيت
البدايه
كانت “سعاد” هي السكر الدايب في العيلة، من النوع الفرفوش اللي يقلب أي قاعدة حزن لضحك وفرفشة. مفيش حد يدخل البيت وهو متضايق إلا وتخرج منه ضحكته مسموعة للشارع. كانت تحب العمار والبهجة، ولو حد جاب أبسط حاجة في البيت—حتى لو شفشق بلاستيك أصفر بلمعة—تقف في نص الصالة وتطلق زغروطة ترج الحيطان: “لولولولولولولولولوي! مبروك يا حبيبتي، ربنا يجعله بعامر!”
في يوم مناسَبة العيلة، جاءتلي وغمزت بعينها: “تعالي يا بت بدال ما انتي مقشفة وقاعدالنا شبه العمة زبيدة كده، تعالي أما أظبطك!” أخدتني من إيدي ودخلنا الكوافير، عملتلي من الحنة للماسكات وللمكياج، ولما جيت أدفع، حطت إيدها على جيبها وحلفت: “والله أبدًا! على حسابي يا أختي، الفرح فرحنا واللمة تجمعنا.” وفي الفرح، كانت هي نجمة القاعة؛ ترقص وتتمايل شوية عليا وشوية على جوزي وشوية على جوزها، وحتى حمايا مسبتوش في حاله، شدته من إيده وقعدت تهزر معاه، والبيت كله كان متجمع وبيموت من الضحك. بل ومن كتر جدعنتها، طمعت في راحتي؛ أخدت مني ابني الصغير وقالتلي بصوت واطي: “قومي يا بت انتي وجوزك اتمشوا شوية وسيبولي الواد، خدي سيلفي نضيف كده وافتكري أيام الشقاوة!”
حتى لما حمايا مرة حب يهزر وزقني زقة خفيفة، وأنا عملت فيها زعلانة ووخداها بجد، سعاد مقبلتش. قاطعت حمايا أسبوع كامل متكلموش، ولما جاء يطيب خاطرها، قالتله بجدية متتغيرش فيها النخوة: “انت عمرك ما كنت قليل قيمة يا عمي عشان تعامل ستات البيت كده!” حمايا احترق دمه واعتذرلها قدامنا: “والله بنهزر يا سعاد، حقك عليا يا بنتي.”
ولما ربنا فتح عليها واشترت ثلاجة جديدة، قلت لازم أردلها ولو نقطة من بحر جدعنتها. نزلت السوق وجبت خزين الثلاجة كله، منظمات وألوان، ورصيت الخضار والجبن والمربى والفاكهة بطريقة تفتح النفس، وجبت بنتها وابنها—ما شاء الله كبار وعقلين—وعملنا فيونكة ستان حمراء كبييييرة على باب الثلاجة. لما دخلت المطبخ وفتحت الباب، عيونها وسعت من الفرحة ولفت البيت كله زغاريط! حضنتني جامد وقالتلي: “يا حبيبتي يا أختي! اردهالك وانتي جاية من الحجاز إن شاء الله!” ردت عليها وروحي في سماها: “ده نقطة من بحر خيرك يا سعاد.”
كانت العيلة زي السمن على العسل، لغاية ما جه اليوم اللي اتقلب فيه كل شيء.
“شريف”، سلفي الصغير، خطب ومشي في جوازة بسرعة. البنت كانت اسمها “نرمين”. من أول يوم قدمت فيه رجلها البيت، كانت نظراتها بتلف المكان بشر وغيرة مكتومة. سعاد أخذتها بالحضانة وزغرطت أول ما دخلت، لكن نرمين سحبت إيدها ببرود وقالت بتكشيرة: “معلش أصل الصوت العالي بيكركبلي دماغي.”
بدأت الحرب الباردة. نرمين كانت بتستغل فرفشة سعاد وطيبتها عشان تقلب المعاني. لو سعاد هزرت مع حمايا، تروح نرمين تتكلم مع سلفتها التانية في السلالم وتقول: “شفتي الدلع؟ هي الست دي ملهاش كبير؟ ازاي تتكلم مع حماها كده ومن غير حد حاسم؟” ولو سعاد أخدت معايا صورة أو هزرت مع جوزي في لمة العيلة، تنقل الكلام لشريف بالقطارة: “أخوك مراته ملهاش شخصية، وسعاد مسيطرة على البيت وبتمشي الكل على عجين ماليخبطهوش، حتى جوزك يا شريف ملهوش كلمة قصادها!”
سمعت نرمين بتشتل في النفوس يوم بعد يوم، والشرخ بدأ يتسع. شريف بدأ يبص لأخواته وحمايا بنظرات شك، وبدأت القعدة اللي كانت مليانة ضحك وزغاريط تحول لسكوت متوتر وحذر. سعاد كانت تحس بالغيرة والغل اللي طالع من عين نرمين، بس كانت تطنش وتقول: “معلش يا بت، بكره تتعود على طبعنا وتفك.”
لكن نرمين مكنش قصدها تتعود، كان قصدها تهد المعبد على اللي فيه.
قبل الفرح بأيام، عملت نرمين الحركة اللي ولعت المطبخ والبيت كله. جابت غويشة دهب من حاجتها، وراحت خبيتها في المطبخ ورا منظمات الثلاجة اللي أنا وسعاد بنستخدمها، وخرجت تصرخ وتبكي في الصالة قدام حمايا ورجالة البيت كلهم: “دهبي اتسرق! محدش دخل المطبخ غير سعاد وفلانة!”
البيت اتقلب في ثانية. سعاد وقفت مصدومة والضحكة
#الكاتب__رومانى__مكرم__
اختفت من وشها لأول مرة، وشريف دخل زايغ العينين يزعق ويغلط في أخوه وفي سعاد، وحمايا واقف مش عارف يلم مين ولا مين. وقف سلفي الصغير وهو ماسك إيد نرمين وقرب من سعاد وقال بكلام زي السم: “البيت ده ميبقاش فيه عزيز من النهاردة، والضحك اللي بتضحكوه ده كان غطاء على القرف!”
سعاد بصتله والدموع اتجمعت في عينها لأول مرة من يوم ما دخلت البيت، والكل واقف مشدوه من الهول.. والشرارة اللي رماتها نرمين كانت خلاص ولعت في قلب العيلة.
وقف الجميع في الصالة كأن على رؤوسهم الطير، والصمت الذي حلّ في المكان كان أثقل وأبشع من أي صراخ. سعاد—التي لم يعرف البيت طوال سنوات عمرها فيه إلا ضحكتها الرنّانة وزغاريدها التي تملأ الأركان فرحًا ودعاءً بالعمار—كانت تقف مذهولة، تجمدت الدماء في عروقها، والدموع حبست نفسها في عينيها متسائلة عن الفجيعة التي هبطت عليها بغتة.
وقف شريف يتطاول وينفخ في نار الفتنة، ونرمين تقف خلفه تبتلع ابتسامة خبيثة، تتظاهر بالبكاء والانهيار وتضع يدها على قلبها كأنها الضحية البريئة التي أُكِل حقها. صاح شريف في وجه الجميع بصوت هز جدران البيت: “أنا دهب مراتي مش هيضيع! اللي خادته تطلعه بالذوق بدل ما أطلب الشرطة وأفضح اللي ما يتفضاحش في العيلة دي!”
هنا خرج حمايا عن صمته، ضرب بعصاه على الأرض بصوت كالهزيم، وجاءت نبرته صارمة تشق التوتر: “اثبت مكانك يا شريف! واعرف أنت بتهبّب إيه وبتقول إيه لمرات أخوك الكبير! البيت ده طول عمره بالحب والعز، عمر ما دخلته سرقة ولا مشيت فيه خيانة، والكلمة دي ما تتقالش هنا أبداً!”
ردت نرمين بصوت متهدج ومتمسكن، وهي تصطنع الذهول: “يا عمي أنا ما تبليتش على حد! الغويشة كانت في علبتها في الأوضة، ودخلت المطبخ أحضر عصير، ولميت عيني لقيت سعاد وفلانة بيتهامسوا عند التلاجة، ولما دخلت أوضتي بعد ما مشيوا ملقتش الغويشة! مين غيرهم يدخل ويخرج؟ ومين غير سعاد اللي مسيطرة على المطبخ وعارفة دخلة البيت وخرجته؟”
كلام نرمين كان كالبنزين المسكوب على النار. سعاد رفعت رأسها ببطء، والذهول بدأ يتحول في عينيها إلى جرح عميق وألم لا يوصف. سعاد التي كانت تشتري القلوب بطيبتها، وتدفع من جيبها في أفراحهم قبل أفراحها، تُتهم اليوم في أمانتها وشرفها! خطت سعاد خطوة للأمام، وكانت يدها ترتجف خفية، لكنها قالت بصوت ثابت يحمل وجعًا يفتت الصخر: “أنا يا شريف؟ أنا اللي أمد إيدي على حاجة مش بتاعتي؟ أنا اللي البيت ده ياما شاف مني الفرحة والخير تتهموني في أمانتي؟ دا أنا لو شفت القشرة في الأرض بأشيلها وأحطها في عينيا لحد ما أصحابها يأخدوها!”
تدخلتُ أنا في التو واللحظة، ولم أستطع السكوت، فدمي كان يغلي من الظلم الفج. وقفت بين سعاد وبين شريف وزوجته وقلت بصوت عالٍ هز القاعة: “اتقي الله يا نرمين! اتقي الله في التهمة اللي ترميها دي! سعاد دي أطهر من الذهب اللي بتتكلمي عنه، وإحنا يدنا ما تمدتش على حاجة حد. التلاجة دي إحنا رصيناها ونضفناها بحب، وأنتِ دخلتي وخرجتي ميت مرة! بتتبلي على ستاير البيت اللي ساتراكي ليه؟”
لكن شريف، الذي كان قد تعبأ قلبه بالغل والشك طوال الأسابيع الماضية بتلقين مستمر من نرمين، لم يستمع لصوت العقل. دفع الموقف للهاوية وقال بقسوة: “الكلام ده ما يمشيش معايا! المطبخ يتفتش دلوقتي، ولو ملقتش الدهب، حسابكم معايا هيكون كبير، ولو لقيته.. مش هبقى أخو حد فيكم!”
نزل الكلام على زوج سعاد—سلفي الكبير—كالصفعة على الوجه. دخل الصالة وجهه يربدّ بالغضب من تطاول أخيه الصغير، وقرب من شريف وقبض على تليبابه: “أنت اتجننت يا شريف؟ بتفتش في أمانة مراتي وشرف بيتي عشان حتة ذهب؟ اقفل بقك بدل ما أعمل معاك تصرف ما يعجبكش!”
تعالت الأصوات، واختلط حابل العيلة بنابلها. الرجالة تصرخ، والحما يحاول السيطرة، ونرمين تبكي بتمثيل متقن. وفي وسط هذا العاصوف، رفعت سعاد يدها وفجأة سكت الجميع. كانت عيناها تطافان بوجوهنا جميعاً، ثم قالت بنبرة هادئة كهدوء السكون الذي يسبق الإعصار: “سيبهم يفتشوا يا أبو العيال. خليه يفتش المطبخ حتة حتة. اللي بطنه نظيفة ما يخافش من التفتيش، بس أعرف يا شريف.. لو فتشتم وما لقيتوش حاجة، أو لو طلعت الحركة دي ملعوبة، البيت ده مش هيجمعني بيك ولا بمراتك تحت سقف واحد تاني أبداً.”
تحرك الجميع نحو المطبخ كجنازة صامتة. نرمين كانت تمشي بثقة خبيثة، تتظاهر بالاضطراب لكن عينها كانت ترصد الزاوية خلف منظمات الثلاجة التي أعدَدناها أنا وسعاد بدموع الفرح من قبل. وقفت نرمين مدعية العفوية، ومدت يدها مباشرة نحو الرف الأخير خلف منظم الجبن والزيتون، وسحبت الغويشة بسرعة وهي تصيح بتمثيليتها الحقيرة: “أهو! أهو الدهب! أهو مستخبي ورا المنظمات اللي سعاد حطتها بنفسها!”
هبط الخبر كالصاعقة! شريف نظر لسعاد بنظرة تشفي وشماتة، وظن أن حقده قد تثبت بالدليل. أما أنا، فشهقت ووضعت يدي على فمي، وأحسست والأرض تدور بي. كيف وصلت الغويشة إلى هناك؟ سعاد لم تلمس شيئاً غريباً، ونحن كنا نرتب الثلاجة مع أولادها الكبار!
سعاد لم تتكلم. سقطت دمعة واحدة حارة على خدها، ثم نظرت لنرمين ونظرت لشريف وقالت بصوت مكسور لكنه مليء بالكبرياء: “حسبنا الله ونعم الوكيل.. حسبنا الله ونعم الوكيل في اللي يفتري على مظلوم.” ثم التفتت وغادرت المطبخ، ومشت بخطوات ثقيلة نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بمفتاح.
في تلك الليلة، لم ينَم أحد في البيت. انقلب السمن والعسل إلى سم ذعاف. شريف أخذ زوجته وصعد إلى شقته وهو يهدد ويتوعد، وحمايا جلس في الصالة يضرب كفاً بكف، وعيناه ممتلئتان بالحزن على ما آلت إليه عيلته التي كانت مثلاً في الترابط.
أما أنا، فلم يهدأ لي بال. كانت هناك غصة في حلقي وتأكيد في قلبي أن سعاد بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب. كيف لامرأة تشتري الخاطر، وتدفع مهر الفرح من جيبها، وتزغرد لأبسط الأشياء، أن تدنس يدها بزرع غويشة في مطبخها؟
جلست مع ابنة سعاد الكبيرة—وكانت صبية عاقلة وذكية—في الشقة بالأسفل بعدما نام الجميع. كانت البنت تبكي على أمها التي رفضت الأكل والشرب وأغلقت على نفسها. قالت لي البنت وهي تمسح دموعها: “يا مرت عمي، أمي مظلومة. أنا كنت معاها في المطبخ لما كانت نرمين بتتحرك حوالين التلاجة قبل ما تصرخ بساعة. نرمين دخلت بحجة إنها بتشرب مية، وكانت واقفة عند التلاجة ومدت إيدها لجيب روبها وأنا شفتها بعيني بس ما حطيتش في بالي إنها بتعمل مصيبة!”
قفزت من مكاني وقلت لها: “أنتِ شفتيها يا بنتي؟”
ردت البنت: “أيوة، شفتها بتمد إيدها ورا المنظمات، ولما بصيت لها ارتبكت وقالتلي: ‘هو أنتوا حاطين المربى فين؟’ وسابت المطبخ وخرجت بسرعة.”
هنا أضاءت الشرارة في عقلي. الحق لا بد أن يظهر، والسكر الذي حلا حياتنا لا يجوز أن يتدنس بمرارة الغل. لكني كنت أعلم أن الكلام الشفهي لن يقنع شريف الذي أعمته نرمين. كان لا بد من دليل قاطع يقطع دابر هذه الفتنة من جذورها.
تذكرت شيئاً هاماً للغاية! حمايا، خوفاً على البيت وعلى مدخل العمارة والمطبخ الخارجي المطل على السلم، كان قد ترك كاميرا مراقبة صغيرة كان ابن عمي قد ركبها له فوق زاوية السقف القريبة من باب المطبخ لتأمين الشقة بعد حادثة سرقة قديمة في الشارع. لم يكن أحد يتذكر وجود هذه الكاميرا لأنها كانت صغيرة ومغطاة بفرع ديكور بلاستيكي زاهي، حتى نرمين نفسها لم تكن تعلم بوجودها!
ركضت فوراً إلى حمايا في ساعة متأخرة من الليل. وجدته قاعداً على سجادة الصلاة يدعو الله أن يظهر الحق ويؤلف بين القلوب. جلست عند قدميه وقلت له بنبرة محترقة: “يا عمي، سعاد مظلومة، والبيت ده هيتخرب لو سكتنا. افتكر معايا.. الكاميرا اللي فوق باب المطبخ الشغالة على تليفونك.. هي لسة شغال؟”
رفع حمايا رأسه وفجأة أضاءت في عينيه أمل حذر. مسك هاتفه بيدين ترتجفان، وظل يفتح التطبيق الخاص بالكاميرا المربوطة بالذاكرة الداخلية. كنا نقتطع الثواني والدقائق والوقت يمر كأنه دهر. فتح حمايا تسجيلات اليوم، وبدأنا نرجع الشريط إلى الساعة التي سبقت الصراخ.
وهناك.. ظهرت الحقيقة كاملة في مقطع فيديو واضح كالشمس!
ظهرت نرمين وهي تتسلل إلى المطبخ بخطوات خفيفة كالثعلب، تنظر حولها يميناً وشمالاً للتأكد من خلو المكان. أخرجت الغويشة الذهب من جيب روبها الداخلي، ودسّتها بانتفاء ودقة خلف منظمات الثلاجة التي وضعناها بحب، ثم نظرت إلى المكان برضا خبيث، وخرجت مسرعة لتستعد لإطلاق مسرحيتها الحقيرة أمام الجميع!
أجهش حمايا بالبكاء من هول ما رأى، ليس فقط فرحاً ببراءة سعاد، بل صدمة من حجم الغل والشر الذي دخل بيته في جلباب عروس جديدة. قال بصوت يرتجف من الغضب: “الله أكبر.. ظهر الحق وزهق الباطل. تعالي معايا يا بنتي.”
في الصباح الباكر، وقبل أن تشرق الشمس بضيائها الكامل، أمر حمايا بجمع العيلة كلها في الصالة الكبيرة. أرسل في طلب شريف ونرمين للنزول فوراً، ودعا سلفي الكبير وسعاد لتخرج من غرفتها. خرجت سعاد ووجهها شاحب، والدموع جفت على خديها، لكنها كانت تضع شالها على رأسها بعزة نفس وكبرياء.
جلس شريف بدلف وجفاوة، ونرمين بجانبه تتصنع الحزن والكسرة وتلعب بالغويشة في يدها. قال شريف بقلة صبر: “خير يا أبا؟ جمعنا على الصبح ليه؟ الموضوع وانتهى والدهب اتقبض عليه!”
وقف حمايا، ولم يقل كلمة واحدة. أخذ هاتفه المحمول، وربطه بشاشة التلفزيون الكبيرة في منتصف الصالة، وأعرض الفيديو أمام أعين الجميع.
انكشفت الشاشة، وظهر المطبخ.. وظهرت نرمين!
رأى الجميع—شريف، وسلفي الكبير، وسعاد، وأنا، والجميع—كيف أخرجت نرمين الغويشة من جيبها وكيف خبأتها بنفسها وراء منظمات الثلاجة، ثم كيف اصطنعت الخوف والدموع.
ساد القاعة صمت كصمت القبور.
نرمين تحول وجهها في ثوانٍ من اللون الأبيض إلى اللون الأصفر ثم الأسود، وتجمدت حركتها كأنها ضُرِبت بالكهرباء. الغويشة سقطت من يدها على السجادة بصوت رنان. أما شريف، فبدأت عيناه تتسعان بالهول والصدمة، ينظر إلى الشاشة ثم ينظر إلى زوجته التي وثق بها وباع لأجلها أهله وأخاه وسعاد.
قام شريف من مكانه كالكهرباء، ونظر إلى نرمين بنظرة مليئة بالاحتقار والذهول، وقال بصوت يرتجف: “أنتِ.. أنتِ تعملي كدة؟ تتبلي على مرات أخويا وتوسخي سمعة البيت عشان غلك وغيرتك؟”
بدأت نرمين تتلعثم وتصرخ بالبكاء الهستيري: “يا شريف أفهمك.. والله كنت بحس إنهم بيكرهوني.. كانوا بيعاملوني بقلة قيمة وسعاد مسيطرة..”
لم يدعها حمايا تكمل. وقف بعنف وقال بصوت هز أركان البيت: “اسكتي خالص! أنتِ دخلتي البيت ده بالخير والأصول، لكن طلعتي أفعى عاوزة تبخي سمك في السمن والعسل اللي كنا عايشين فيه! البيت ده الشريف المليان بالحب والعمار ما يشيلش واحدة خاينة ومفتريّة زيك!”
التفت شريف إلى سعاد، وجثا على ركبتيه أمامها وهو يبكي بدموع الندم والتقصير، ويداه ترتجفان: “سامحيني يا سعاد.. سامحيني يا أختي الكبيرة.. الشيطان أعمى عيني وصدقت الفتنة.. اركبي على راسي وحقك عليا قدام الكل!”
سعاد، التي كانت تحمل قلباً كالصفاء، نظرت إلى شريف، ثم نظرت إلى نرمين المنهارة، والدموع انهمرت من عينيها مجدداً، لكن هذه المرة كانت دموع الارتياح ورد الاعتبار. رفعت شريف من الأرض وقالت له بقلب الأم والأخت: “مسامحاك يا شريف.. أنت ابن البيت ده ومتربي فيه، بس اعرف إن الظلم ظلمات، وإن الفرفشة والضحك اللي كنا بنضحكهم كانوا بصفاء نية، مش بتغفيل لحد.”
أما نرمين، فقد صدر القرار الحاسم بشأنها في نفس اللحظة؛ أخذها شريف من يدها وردها إلى بيت أهلها مجرورة بالخيبة والعار، معلنين أن هذا البيت لا يدخله إلا صاحب النية الطيبة والقلب النظيف.
وبعد أيام قليلة، وبعدما زالت الغمة وتطهرت النفوس من السموم، رجع الهدوء لبيتنا. اجتمعنا كلنا في المطبخ من جديد حول التلاجة الكبيرة. أخرجت سعاد من جيبها زغرودة رجت حوائط الشارع كله: “لولولولولولولولولوي! ربنا يكفينا شر النفوس الخبيثة ويجعل بيتنا ديماً عامر بالضحك واللمة الحلوة!”
ضحك الجميع من قلوبهم، وعادت البهجة تملأ أركان البيت، وأيقن الجميع أن السكر الفرفوش لا يمكن لمرارة الغل أن تفسده، وأن الحق مهما أظلمت عليه الأيام، لا بد أن يشرق بنوره ليحمي القلوب الصافية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
مرّت الأيام بعد تلك الليلة الفاصلة، وخرجت نرمين من البيت مجرورة بجريرة فعلتها، وظن الجميع أن الصفحة أُغلقت للأبد وأن العاصفة استكانت. لكن النفوس المتروسة بالغل لا تترك ساحة المعركة بسهولة، خاصة إذا كان كبرياؤها قدُحِق أمام عائلة كاملة.








