تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

سلفي حكايات روماني مكرم

ركض محمود نحوي، وعندما رأى حالة ملابسي والدم المتجلط على جبهتي، أظلمت عيناه بالكامل:

 

— مين اللي عمل فيكِ كده يا شيماء؟ إبراهيم؟

 

زمجر سيد صديق محمود:

 

— طلق مين واتهم مين؟ والله ما نزل من هنا إلا على نقالة! اطلع يا محمود!

 

نظر إليّ محمود بغضب عارم، لكن كلامي أوقفه عن الاندفاع.

 

— يعني نسيب حقك؟ نسيبك مطرودة في الشارع شرفك ملوث؟

 

التفت محمود إلى عم أحمد، وقال بتهديد أخوي:

 

— عم أحمد، أنت راجل كبير وتعرف ربنا، هل هتصهد بالحق في النيابة إن أختي ما خرجتش من البيت وإنهم هم اللي جم عليها؟

 

هز عم أحمد رأسه بثبات وقال:

 

— شهدت ربي قبل ما أشهد للعبد يا أستاذ محمود. الست شيماء مظلومة، وحسن بيه طالع ونازل من الصبح وشكله مش مضبوط. أنا هاجي معاكم وأشهد باللي شفته وسمعته!

 

في هذه الأثناء، كان إبراهيم يجلس في صالون شقته بباب مغلق، يمسك برأسه بين يديه. كانت أمه تتجول في الشقة تتظاهر بتنظيف ما زعمته “فوضى شيماء”، بينما حسن يجلس على الأريكة، يفرك يديه ببعضهما وعيناه تتجهان نحو ربطة الفلوس التي وضعت على الطاولة أمامهما.

قال حسن بصوت خفيض خبيث لإبراهيم

— خلاص يا إبراهيم، قدر ولطف. المهم إن الفلوس معاك. هاتها بقى أدفع منها العشرين ألف بتوع الكمبيالة، وبكرا الصبح أبقى أردها لك لما البيعة بتاعتي تمشي، عشان ما أتحبسش يا أخويا.

 

رفع إبراهيم رأسه ببطء. كان وجهه شاحبًا كالأموات. نظر إلى أخيه، ثم إلى ربطة الفلوس، ثم إلى الكيس الأسود الملقى على الأرض.

 

شيء ما في عقله بدأ يصحو من صدمة المفاجأة.

 

بدأت التساؤلات المنطقية تتجمع في ذهنه كقطع البازل:

 

إذا كانت شيماء تلم ملابسها وذهبها لتهرب، كيف أعدت الكيس الأسود وضعت فيه ملاءات السرير؟ ومن أين جاء هذا الكيس وهو نفس نوع أكياس البقالة التي تشتري منها أمه من السوبر ماركت الأسفل؟

 

ولماذا لم تأخذ الفلوس في حقيبة يدها بدلاً من تركها على الطاولة ليأخذها حسن بيده؟

 

ولماذا كانت تبكي بحرقة وتطلب منه الاتصال بصاحب العمارة والشركة لتأكيد الأمانة؟

 

التفت إبراهيم إلى أمه وقال بصوت هادئ ومريب:

 

— يا أمي… هو الكيس الأسود ده كان فين لما طلعتوا؟

 

ارتبكت الأم للحظة، وحاولت التغطية:

 

— كان… كان محطوط جنب الباب يا ابني! البت كانت جهزته عشان تجري بيه!

 

— جنب الباب؟ — سأل إبراهيم وهو يقف ويمشي نحو الكيس — بس حسن قال إن الكيس كان جنب الدولاب في الأوضة جوة!

 

تجمّد حسن في مكانه، وصمتت الأم، وتبادلا نظرة قلقة سريعة.

 

تابع إبراهيم وهو يشير إلى الفلوس:

 

— وبعدين يا حسن، أنت عرفت منين إن الفلوس دي معايا وفي الشقة هنا؟ أنا ما قلتش لحد إني سايب فلوس القسط مع شيماء غير لك أنت في التليفون وأنا مسافر، وقلت لك ما تقولش لأمي عشان ما تطلبش منها سلفة! عرفت منين إنها مع شيماء في الدولاب؟

 

تحثم حسن وقال بلعثمة:

 

— ما… ما هي اللي قالت لي! لما خبطت عليها عشان أستلف، قالت لي معايا فلوس القسط ومش هديك منها!

 

صاح إبراهيم بحدة مفاجئة جعلت الأم تقفز من مكانها:

 

— شيماء تقولك معايا فلوس القسط وتفتح لك الدولاب وتوريك مكانها؟ شيماء اللي بتخاف من خيالها وتفتحش الباب لدبانة وأنا مسافر؟

 

في هذه اللحظة بالذات، انطلق صوت جرس الباب برنات متتالية وقوية، يتبعها خبط عنيف على الباب الخشبي كأنه يوشك على !

صاح صوت محمود من الخارج، يعلو فوق كل شيء:

ارتجف حسن، واصفر وجه الأم.

 

مشى إبراهيم بخطوات ثابتة نحو الباب وفتحه، ليرى أمامه محمود وسيد والبواب عم أحمد، وخلفهم تقف شيماء، ملتفة بعباءة سوداء استعارتها من جارتهم، ووجهها يحمل إصرارًا ناريًا لم يره فيها طوال سنوات زواجهما.

 

قال محمود وهو يدفع إبراهيم للداخل ويدخل الشقة بالقوة:

 

— أنت طردت أختي واتهمتها في شرفها وأمانتها عشان خاطر شوية تمثيل من أخوك وأمك؟

 

صاح إبراهيم وهو يحاول التماسك:

تقدم عم أحمد البواب ووقف في منتصف الصالة، ورفع إصبعه وقال بصوت جاف أمام الجميع:

 

— اتقِ الله يا أستاذ إبراهيم! أنا البواب ومسؤول عن العمارة دي أمام ربنا وأمام القانون. الست شيماء ما خرجتش من الشقة ولا خطت خطوة برة من يوم ما سافرت. أستاذ حسن هو اللي طلع خبط عليها من ساعة، ولما رفضت تديله الفلوس، نزل جاب والدتك وطلعوا زقوا الباب ودخلوا بالعافية، وأنا سمعت صوت صريخها وهي بتقول “الفلوس أمانة”، وأستاذ حسن نزل بعد كده وهو ماسك الكيس الأسود ده في إيده وطالع بيه تاني فوق!

ساد صمت زلزل أركان الشقة.

 

توسعت عينا إبراهيم كأنه ضرب على رأسه بهراوة من حديد. اتجه بنظره فورًا نحو حسن.

 

كان حسن يتراجع إلى الخلف نحو نافذة الصالة، ووجهه يقطر عرقا، بينما بدأت حماتي بالصراخ والتظاهر بالإغماء:

 

— يا لهوي! البواب المبصوم المأجور جاي يتبلى علينا؟ أنت قبضت كام يا أحمد عشان تقول الكدب ده؟

 

سار إبراهيم نحو أخيه حسن ببطء، خطوة بخطوة، والدموع تحبس في عينيه من هول الصدمة والخذلان.

 

— الكيس الأسود… أنت اللي طلعته معاك يا حسن؟ أنت وأمي اللي خططتم للتمثيلية دي عشان تاخدوا الفلوس؟

 

— يا إبراهيم اسمعني… — تلعثم حسن وهو يحاول التراجع — الكمبيالة كانت هتحبسني… أنا كنت هرد الفلوس أول ما أبيع البيعة… والله العظيم كنت هردها! والبت دي كانت هتقولك إني استلفت منها فقلنا نعمل كده عشان ما تزعلش مني!

 

لم يكمل حسن كلمته.

 

اندفع إبراهيم كالمجنون، صرخة وحشية خرجت من أعماقه وهو يطباق بيطش على رقبة أخيه! سدّد له ضربة مدوية في وجهه أطارت حسن على الطاولة الخشبية لتنكسر تحت جسده، والفلوس تطايرت في أرجاء الصالة كالأوراق الخريفية!

صاحت الأم وولولت وهي تحاول إبراهيم عن أخيه:

 

— لحقوني! أخوه عشان خاطر الغريبة! حوشوا عنه يا ناس!

 

لكن محمود وسيد وقفا يحميان إبراهيم من تدخل الأم، ليدعاه يفرغ غضبه في الخائن الذي غدر به وبزوجته. ضرب إبراهيم أخاه بقسوة وحسرة، وهو يصرخ:

 

— أخويا؟ أنت أخويا؟ تبيع عرضي وشرفي وتتهمني في مراتي عشان عشرين ألف جنيه؟ تعمل فيا كده وأنا شقيان في الغربة عشان أعملكم قيمة؟

 

استمر الضارب والجر لعدة دقائق حتى أغمي على حسن تقريبًا والدم يسيل من أنفه وفمه. تنفس إبراهيم بصعوبة ووقف، وجسده كله .

 

نظر إلى الفلوس المتناثرة على الأرض، ثم نظر إلى أمه التي كانت تجلس عند قدمي حسن تبكي وتلعن.

 

قال إبراهيم بصوت مكسور، خافض، لكنه يحمل نهايات لا رجعة فيها:

 

— أنتِ مش أمي… اللي تعمل في ابنها كده عشان تداري على ابنها التاني مش أم. اطلعوا برة بيتي… أنتِ وهو… اطلعوا برة ومش عايز أشوف وشكم لحد ما أموت!

 

رفعت الأم رأسها بذهول:

 

— بتطرد أمك يا إبراهيم؟ بتطرد اللي ربتك؟

 

سحبت الأم ابنها المصاب من دراعه وشداه للخارج وهو يئن من الألم، وخرجا يجران أذيال الخيبة والفضيعة في العمارة، وسط نظرات الجيران الذين تجمعوا على السلم بعد سماع الفوضى.

 

خلت الصالة إلا مني، ومن أخي محمود، وسيد، والبواب، وإبراهيم الملقى على الأرض بين الفلوس المتناثرة، يبكي بأعلى صوته كطفل صغير فقد كل شيء في لحظة.

 

استدار إبراهيم على ركبتيه أمامي، وزحف نحو قدميّ، يحاول الإمساك ب طرف عباءتي تنزل من عينيه:

 

سحبت طرف عباءتي من تحت يده ببطء وثبات، وقلت بصوت خالي من أي عاطفة:

 

— الفلوس أهي يا إبراهيم… كمل قسط شقتك وسلمها بكرا. لكن أنا… أمانتك رجعتلك، ويمينك اللي رميته عليا في السلم سمعته المنطقة كلها.

 

التفتُّ نحو أخي محمود وقلت بجمود:

 

— يلا يا محمود… خدني على بيت أبايا.

خرجتُ من البيت بخطوات ثقيلة، لكنها كانت أصلب وأثبت من كل مرة. لم ألتفت ورائي مطلقًا، رغم صرخات إبراهيم ونحيبه الذي كان يتردد صداه في منور العمارة، وهو يتوسل إليّ كي أقف وأسمعه. سحبتني يد أخي محمود بحنو حازم، وكان سيد يسير أمامنا ليفسح الطريق وسط الجيران الذين تجمعوا على درجات السلم، يتهامسون وينظرون بذهول إلى الدراما التي في وجه الجميع.

 

نزلت السلم وأنا أشعر أن كل خطوة تباعد بيني وبين ذلك البيت، تقتطع جزءًا من قلبي الذي تنكّر له أقرب الناس. ركبت السيارة القديمة بجوار محمود، وجلست في الخلف صامتة تمامًا، ينعكس ضوء مصابيح الشارع المتراقصة على زجاج النافذة، وأنا أرمق الشارع بعيون جافة لم تعد قادرة على إفراز دمعة واحدة. لقد استُنزفت تمامًا.

 

وصلنا إلى بيت أبي في الحي القديم. كان بيتنا دافئًا برائحة الشاي بالنعناع والبساطة التي طالما حمتني في طفولتي. بمجرد أن فتحت أمي الباب ورأت وجهي الشاحب، وجرح جبهتي الصغير، والعباءة الغريبة التي أرتديها، سقطت صينية الشاي من يدها لتتحطم على الأرض.

 

— شيماء! يا لهوي يا بنتي! في إيه؟ مالك يا ضنايا؟

 

انهمر محمود في الحديث، وروى لأمي وأبي — الذي خرج يترنح على عكازه من غرفته — كل ما حدث بالتفصيل. كانت أمي تلطم خدودها بذهول وتشهق مع كل كلمة، بينما كان أبي يصمت صمتًا رهيبًا، وتتحول عيناه الهادئتان إلى قطعتين من الجمر.

 

عندما أنهى محمود كلامه، رفع أبي عكازه وضربه بالأرض بقوة جعلت أركان الغرفة ترتج:

 

— طلقها بالثلاثة في السلم؟ واتهمها في شرفها وأمانتها عشان خاطر كلام أمه وأخوه الحرامي؟ والله لو جثته اتفرشت على باب البيت ده ما هتلمس أيده تاني! البت دي هنا في حمايا وفي بيتي، والشرع والقانون بيننا وبينه!

 

في تلك الليلة، لم أذق طعم النوم. كنت أستلقي على سريري القديم في غرفة طفولتي، أسترجع شريط الأحداث. كيف يتحول الحب والاستقرار في لحظة واحدة إلى ركام؟ كيف يستطيع إبراهيم، الذي حارب الدنيا ليقنع أهله بالزواج مني، أن يصدق في لحظة طيش أنني خائنة وسارقة؟ لقد أدركت أن الشك حين يدخل قلب الرجل يطمس عقله، لكن الشك المترافق مع الخفة وقلة الحيلة أشد فتكًا من الموت.

مع تباشير الصباح الأولى، وبينما كانت الشمس تشرق ببطء لتعلن عن بداية يوم جديد — اليوم الذي كان مفترضًا أن يُسدد فيه قسط الشقة وتكتمل فيه فرحتنا — اهتز البيت على صوت طرقات متواصلة ومتلهفة على باب الشارع الأسفل.

 

تسلل محمود إلى النافذة وتطلع إلى الأسفل، ثم قال بصوت غاضب:

 

— إبراهيم تحت… واقف في الشارع زيك المجنون، ومعاه ناس كبار من العيلة!

 

قفزت أمي من مكانها:

 

— أوعى تفتح له يا محمود! خليه ينحرق في ناره!

 

لكن أبي وقف بصلابة وقال بصوت جاف:

 

— افتح يا محمود. خليهم يطلعوا. حق أختك يتاخد عيني عينك قدام الكبار، عشان يعرفوا إن لها رجالة ما بياكلوش الضيم!

 

صعد إبراهيم، وخلفه خاله الحاج عبد التواب، وهو رجل كبير في السن وله كلمة مسموعة في العائلة، وأحد كبار المنطقة. كان إبراهيم يبدو كأنه خرج من مجزرة؛ عيناه منتفختان أحمرتان كأنه لم ينم، ووجهه مصفر ومجهد، ويرتدي ملابس أمس ذاتها.

 

بمجرد أن دخل المجلس، عيناه عليّ وأنا أجلس بجوار أبي، انهار جثوًا على درجات السلم الداخلي للمجلس، وقال بصوت مبحوح ومكسور:

 

— عمي… يا حاج مصطفى… أنا جاي أقطع لساني وأقطع إيدي قدامكم… أنا عملت في حق مراتي وفي حق نفسي، وجاي تقولوا عليا اللي أنتم شايفينه!

 

وقف الحاج عبد التواب، وضرب جبهته بيده وقال بأسف حقيقي:

 

— اتقِ الله يا إبراهيم! اللي سمعته من البواب ومن الناحية التانية خلاني مش قادر أرفع عيني في عين الحاج مصطفى! بقى تعمل في بنت الأصول كده؟ طالع من الخليج بعقلك طار عشان مسرحية هبلة من حسن وأمك؟

 

رد أبي ببرود كالجليد، دون أن يتحرك من مقعده:

 

— أهلاً بيك يا حاج عبد التواب، البيت بيتك. لكن الراجل اللي واقف جمبك ده، ملوش كلام عندي. هو طلق أخت محمود بالثلاثة في السلم، ورمى شرفها قدام الجيران، واليمين وقع يا حاج! أختي ملهاش رجعة له، والنهاردة المأذون يثبت الكلام ده، وحقها بالقانون وبالمؤخر وبالقيمة يوصل لحد عندها، وإلا والله العظيم لأرفع عليه قضية رد شرف وتشهير بالبواب والجيران!

 

قفز إبراهيم ونزل على ركبتيه يحبو نحو أبي، يمسك بيده ويقبلها :

 

— لا يا عمي! عشان خاطر ربنا ما تقولش كده! أنا كنت غايب عن الوعي! السفر والتعب والصدمة طيروا عقلي! حسن وأمي ضللوني، عملوا لي كمين يا عمي! أول ما دخلت لقيت الفلوس في إيد حسن والكيس الأسود معبأ هدوم وذهب، وأمي بتلطم وتقول لي لحقنا عرضك! أنا أتعمييت! أول ما أكتشفت الحقيقة ضربت حسن لما بغى ، أمي وأخويا من البيت وقطعت بيهم للأبد!

نظر إليه محمود بعيون تشتعل غضبًا وصاح فيه:

 

— وضربك لحسن يرجع شرف أختي اللي اترمى في السلم؟ طردك لأمك يمسح نقطة الدم اللي نزلت من راس شيماء لما خبطتها في الكومودينو؟ أنت مش راجل يا إبراهيم! اللي يصدق في مراته كلمة من غير ما يسمعها ويفتش وراها، ما يلتأمنش على ولية!

 

بكيت بصوت خافض وأنا أسمع محمود يدافع عني. رفعت رأسي ونظرت لإبراهيم بصلابة جديدة لم يعهدها فيّ من قبل:

 

— إبراهيم… أنت ضربت حسن لما حسيت إنك اتغفلت، مش عشان اتظلمت أنا! أنت اتعصب لكبرياءك وكرامتك لما عرفت إنهم اشتغلوك، لكن لما أنا كنت بترجاك وبقولك اتصل بالبواب وتأكد، زقيتني ورميتني حافية في السلم! أنت ما دافعتش عني ولا لحظة… أنت حكمت عليّ وأعدمتني في خمس دقايق!

أمسك إبراهيم برأسه وبكى بصوت عالٍ كالأطفال، يضرب صدره بقبضته:

 

— والله العظيم بحبك يا شيماء! والله العظيم أنتِ جزمتك على راسي! أنا مستعد أكتب لك الشقة باسمك! مستعد أكتب لك كل حيلتي! بس ما تسبنيش… أنا من غيرك ضايع! القسط تدفع الصبح، وأنا واصل الشركة والورق أهو باسمك، خذي الشقة وخذي كل حاجة بس ارجعي لي!

 

تدخل الحاج عبد التواب بصوت هادئ، وقال بوقار:

 

— يا حاج مصطفى، يا أم محمود… أنا عارف إن الجرح كبير، واللي عمله إبراهيم خيبة ثقيلة وما تترفعش بها الراس. لكن الراجل عرف غلطه، وقطع دابر الشر وطرد أهله اللي ظلموا البت، وجاي يشتريها ويحط كل حيلته تحت رجليها. واليمين اللي رمى ده كان في لحظة غضب شديد وإغلاق عقل، ونطلع للمفتي نسأل في فتوى اليمين ده هل يقع أم لا تحت طائلة الغلق والذهول!

 

رد أبي بنبرة لا تقبل الفصال:

 

— المفتي يسأل فيه الشرع يا حاج عبد التواب. لكن قلبي أنا وعقل بنتي هم اللي يحكموا. البت مش لعبة، كل ما حسن يحرمها من حاجة تطرد، وكل ما إبراهيم يزعل يطلق!

 

هنا وقفت أنا. التفت الجميع إليّ. كنت أحمل في داخلي كبرياء جريحًا، وفي الوقت نفسه كنت أرى أمام عيني إبراهيم وهو يحترق ندماً. لم أكن أريد العدودة له بسهولة، ولا كنت أريد أن أكون الضحية التي تسامح بمجرد كلمة آسف.

 

قلت بصوت واضح جليّ يفرز الحروف بصرامة:

 

— يا طنط… يا عمي الحاج عبد التواب… إبراهيم طلقني، ولو الفتوى قالت إن اليمين ما يقعش لأن عقله كان مقفول، أنا ليا شروط ما تتغيرش، ولو رفض شرط واحد منها، يبقى المأذون هو الحل بيننا، حتى لو دفع حياته ثمن!

قفز إبراهيم بلهفة وشوق وقال وعيناه بريقتان بالأمل:

 

— شروطك أوامر يا شيماء! لو طلبتِ رقبتي وأديهالك! قولي عايزة إيه؟

 

نظرت إليه ببرود وقلت:

 

— أولاً: الشقة اللي اتدفعت فلوس قسطها النهاردة، تتكتب باسمي بيع وشراء نهائي وبشكل رسمي في الشهر العقاري. مش عشان طمعانة في شقة، لكن عشان المكان ده شهد إهانتي وطرُدي، وعشان أضمن إن ما حدش من أهلك يحط رجله فيه أو يتجرأ يرفع عينه فيا تاني!

 

هز إبراهيم رأسه بسرعة جنونية:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى