تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

أمانى السيد عاجز

رفعت راسي وبصيت لإيديا المجهدة، للجلد اللي اتجرح والضفر اللي  من كتر الشيل والتعب، وقلت لنفسي:

ـ “أنا الغلطانة… أنا اللي رخصت نفسي لما افتكرت إن التضحية زيادة عن اللزوم بتعلم الأصالة. أنا اللي نسيت إن اللي بيسلم ضهره للناس للدرجة دي، طبيعي يتداس عليه. هو ما خادعنيش لوحده، أنا اللي غميت عيني عن كل علامة… لما كان بيتهرب من حكاية الحادثة، لما كان يبصلي ببرود والدكاترة بتقول ده خطر عليها… أنا اللي كنت بطبطب على خيانته وأسميها عذر!”

قمت وقفت قدام المراية، وبصيت لوشي الشاحن، للهالات السودة تحت عيني، ولحسرتي اللي بقت باينة في ملامحي. مسحت دموعي بإيدي بحدة، ولأول مرة أحس إن النار اللي جوايا مش نار حزن، دي نار يفوق منها الواعي.

ـ “بس خلاص… الكابوس ده لازم يخلص. الضهر اللي انحنى عشان يشيلك يا فلان، هو نفس الضهر اللي هيتسند بيه على ربنا ويقوم من جديد. الفلوس اللي كنت بتشحتها عشان تعالج رجلك اللي اتكسرت وأنت رايح لفجرِك، مش هتشوف منها جني تاني من عرق إيدي ولا من كرامتي. خليهم ينفعوك… وخلي اللي فديتها بعمرك تيجي تشيلك وتغسلك.”

مسكت شنطة هدوم قديمة، وبدأت ألم فيها حاجتي البسيطة. ما كانش يهمني آخد إيه ولا أسيب إيه، المهم إن المكان ده باللي فيه، بالذكريات المزيفة والمرارة اللي شربتها، يتقفل عليه الباب للابد.

مشيت في الشارع والشنطة في إيدي، خطوتي كانت سريعة وكأني بهرب من المكان ومن السنين اللي ضاعت فيه. دموعي اللي حبستها جوة الأوضة بدأت تنزل تاني، بس المرة دي ما كانتش دموع حزن على الفراق… كانت دموع قهر على العبط والنعمة اللي كنت عامية عنها.

وفجأة، وقف في دماغي شريط قديم زي الصدمة… افتكرت الحباية اللي كان بيدهاني كل يوم الصبح بإيده، وهو بيبتسم ابتسامة هادية ويقولي:

ـ “خذي يا نسمة يا حبيبتي، مش عايزين نستعجل على الخلفات دلوقتي، لما نؤم نفسنا الأول ونقف على رجلين ثابتة… أنتِ عارفة الظروف وأنا مش عايز أظلمك ولا أظلم العيل معانا.”

ياااااه على الغفلة! يااااه على العبط اللي كنت عايشة فيه!

وقفْت في نص الشارع ومسكت راسي بإيديا الاثنين، كنت عايزة أصرخ بعالي صوتي. أتاريه ما كانش خايف عليا ولا على العيل… أتاريه ما كانش عايز يربط نفسه بيا بعيل! كان بيضمن إن السكة تفضل فاضية للي في باله، كان بياخد احتياطاته عشان لما يخف ويرمي الخدامة اللي شالته، يخرج من غير أي التزام ولا نقطة دم تربطه بيا!

افتكرت لما كنت بتحايل عليه وأقوله: “يا عمر النفس مشتاقة لحتة عيل يملا علينا البيت”، كان يزعق ويتحجج بالظروف، وأنا بحبني وعقلي الصغير أصدقه وأقول “معلش، خايف على مستقبلنا”.

افتكرت كل مرة كنت برفض فيها أشتري لنفسي حتة قماشة أو بلوزة جديدة عشان أوفر فلوس الجمعية اللي أديهاله بحجة “بنأمن مستقبلنا”.

افتكرت لما كنت بمسح الجزمة بتاعته بإيدي قبل ما يخرج، ولما كنت بقوم من أحلى نومة في عز البرد عشان أعمله أكل سخن أو أحطله الكمدات.

قعدت على أول رصيف قابلني، والناس رايحة وجاية، وأنا بتكلم مع نفسي بصوت واطي وضحكة مكسورة مليانة حسرة:

ـ “قد إيه كنتِ عبيطة يا نسمة… قد إيه كنتِ عمياء وبتبصي تحت رجليكي! ده ما كانش بيحبك ولا يوم واحد، ده كان بيبني سعادته على أنقاض صحتك وطفولتك وأحلامك. كنتِ فاكرة روحك شريكة عمره، طلعتِ مجرد محطة، خادمة بدرجة زوجة لحد ما يوصل للي عايزها.”

بس في وسط كل الكسرة دي، حسيت بحاجة جواه بتتغير. الوجع لما بيزيد عن حده بيتحول لقوة… قمت من على الرصيف، نفضت هدومي، وشديت الشنطة في إيدي وأنا بصة للمستقبل من غير غمامة. العبيطة دي ماتت خلاص على السلم اللي نزلت بيه شايلانه… واللعبة دي انتهت، ومن هنا ورايح مش هتكون غير “نسمة” جديدة خالص.

وصلت بيت أبوي والشنطة في إيدي، وشه  أول ما شافني بالمنظر ده. رميت الشنطة من إيدي وارتميت في حضنه وانهرت، الحبس والوجع اللي حبستهم طول السكة  زي البركان. حكيت له كل حاجة… من أول الشيل والعذاب والشحاتة على حق العلاج، لحد الرسالة اللي كشفت فُجره، ولعبة حبوب منع الحمل اللي كان بيغفلني بيها عشان يضمن إني أخرج من حياته من غير أثر.

أبويا وشّه اتغير، ملامحه اللي كانت دايماً هادية اتملت غضب وعروقه بارزة من القهر. ما نطقش ولا كلمة، مسح دموعي بإيده اللي بتموت من الشقى، وقال بصوت واطي لكنه يهد جبال:

“حقك هيرجع يا نسمة… وحياة كل خطوة مشيتِها وأنتِ شايلاني وشايلُه، لأخليه يتمنى التراب وما يلاقيهوش.”

ما استناش الصبح. قام في ساعتها، طلب عمامي، وكلم مأذون المنطقة اللي يعرفه، وقال له: “تعال معايا في مشوار كرامة.”

روحنا على الشقة… أول ما الباب اتفتح ورآنا أبويا وعمامي والمأذون، اتسمر في مكانه على السرير، وشه اصفرّ ورجله بدأت تترعش. أبويا دخل عليه وزقه على السرير بكل قسوة الدنيا وقاله:

ـ “أنت مش راجل، واللي زيك ما يتسابش معاه حريم… أكتب ورقة  دلوقتي من غير نفس، بدل ما الباب ده يتقفل عليك وما تخرجش منه على رجلك تاني!”

من خوفه ورعبه من المأذون والرجالة اللي واقفين، مسك القلم وإيده بتترعش، ووقع على ورقة الطلاق وهو ساكت ومش قادر يرفع عينه في عين أبويا.

أول ما المأذون خلص وحط الختم، أبويا بصلنا وقال بصوت هز العمارة:

ـ “نزلوا كل العفش ده… مش عايز حتة خيط من مال بنتي تفضل في المكان الوسخ ده!”

في أقل من ساعة، كانت العربية نص النقل واقفة تحت العمارة. عمامي والعمال نزلوا العفش حتة حتة… الأوضة اللي كنت بأثثها بدم قلبي، الصالون، الأجهزة، وحتى السجاد والمواعين. الشقة اتفضت تماماً وبقت عبارة عن حيطان فاضية وسقف بيبكي.

قبل ما نخرج ونقفل الباب، بصيت عليه… كان قاعد في نص الصالة الفاضية، مرمي على الأرض فوق سجادة قديمة ومقطعة كانت مركونة في بلكونة المطبخ، مش قادر يتحرك ولا يوصل حتى لكوباية مية، ولا عارف يطلب نجدة من حد.

قربت منه، وبصيت له من فوق، وقلت له بمنتهى الثبات:

ـ “السجادة دي كتير عليك كمان… خلي عشيقتك بقى تيجي تشيلك من على الأرض، وتبعتلك عفش جديد، تدفعلك حق العلاج. اللي بنى بيتك هدّه بيده يا عمر… وأنا ضهري اتفرد خلاص، وعمري ما هحن للمكان ده تاني.”

رزعت الباب ورايا وخليت صوت الرزعة يرن في أركان  الفاضية، ونزلت السلم وأنا حاسة إن أخيرًا… روحِت بيتي الحقيقي، مرفوعة الراس.

قعد عمر على السجادة المقطعة في نص الصالة الفاضية، الصوت بيرن في الحيطان والأركان العريانة. رجله كانت بتوجعه، والعجز كان مكتفه ومش قادر حتى يتحرك يوصل لشاحن التليفون اللي كان مرمي على الأرض قريباً منه.

بإيد بتترعش من القهر والغضب، مد إيده بالعافية وشد التليفون. فتح الكيبورد وطلب رقمها… “حبيبة العمر” اللي ضحى بعمره وصحته ورمى نفسه قصاد العربية عشان يفديها، اللي ساب مراته تتمرمط وتشيله على ضهرها عشان يرجع لها جاهز واقف على رجليه.

رن التليفون مرة… اتنين… في الرنة التالتة فتحت، وجاله صوتها الهادي اللي كان دايماً بيطمنه:

ـ أيوة يا عمر… خير؟ في حاجة ولا إيه؟ أنت بتتصل في الوقت ده ليه؟

عمر بتلعثم وصوت  طالع بالعافية:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى