تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

أمانى السيد عاجز

ـ الحقيني يا حبيبتي… نسمة عرفت كل حاجة، وطلقها وجابت أهلها وفضوا الشقة بالكامل، ما سابوش فيها حتى الكرسي اللي بقعد عليه! أنا قاعد على الأرض ومش قادر اتحرك، تعاليلي فوراً يا حبيبتي… نتجوز دلوقتي وتيجي تقعدي معايا وتراعي علاج الطبيعي لحد ما أقف على رجلي، ما فاضلش غير حاجات بسيطة وأبقى زي الأول!

سكتت لحظة… سكتة كانت أبرد وأقسى من كل الأيام اللي فاتت. عمر استنى يسمع منها صرخة لهفة أو كلمة تطمنه، لكن جاله ردها ببرود يقطع العرق والسلسال:

ـ نتجوز؟ ونقعد فين ويا حسرة؟ في شقة فاضية حيطانها عريانة؟ وأنا إيه اللي يخليني أجي أشيل واحد عاجز مش قادر يقف على حيله؟

عمر اتصدم ولسانه اتعقد:

ـ أنتِ بتقولي إيه يا دينا؟ أنتِ نسيتي إن أنا بقيت في الحالة دي عشانك؟ نسيتي إني رميت نفسي قدام العربية عشان أحميكي أنتِ وما تلمسكيش حكة؟

ردت بضحكة ساخرة مستفزة، ضحكة نزلت على قلبه زي المية المغلية:

ـ وأنا طلبت منك ترمي نفسك؟ أنت اللي عملت فيها بطل! وبعدين أنت كنت بتقولي إن مراتك هي اللي بتشيلك وبتدفعلك حق العلاج، أنا بقى لا عندي صحة أشيل ولا عندي فلوس أصرف على علاجك الطبيعي ولا هقعد في خرابة!

ـ دينا… أنتِ بتتكلمي جد؟ دينا أنا بحبك وضيعت بيتي ومراتي عشانك!

ردت بمنتهى الجحود والقسوة وهي ببتفل الخط:

ـ الحب ده لما تكون راجل واقف على رجليك وتقدر تفتح بيت وتصرف عليا، مش تطلب مني أجي أشتغل عندك دادة وممرضه! شوفلك حد تاني يشيلك يا عمر… وبلاش تتصل بيّا تاني عشان الرقم ده هيتحظر.

وقفلت السكة في وشه!

صوت النغمة المنتطعة كان بيرن في ودنه زي الجرس. مسك التليفون وبص له بذهول، وبعدين رماه على الأرض اتكأ بضهره على الحيطة الساقعة، ودموع الندم والحسرة بدأت تنزل من عينيه، بس المرة دي ما كانش في نسمة تطبطب عليه ولا ضهر ينحني عشان يشيله… كان لوحده، غرقان في الخرابة اللي صنعها بإيده.

الخبر نزل على أهل عمر زي الصاعقة لما عرفوا اللي عمله في نسمة، واللي بسببه طارت الشقة والعفش وخرجت البنت من حياته مرفوعة الرأس. أمه وأخواته اتخلوا عنه في الأول، ولما صعب عليهم حالتهم، اكتفوا بزيارة خاطفة مرة واحدة في الأسبوع؛ يجيبوا مع الأكل أطباق بلاستيك ويمشوا بسرعة، يهربوا من الخدمة التقيلة ومن نظرات العجز اللي في عينيه.

بقت المشكلة الكبيرة عنده هي طلوع ونزول السلم عشان جلسات العلاج. مفيش جيران ترضى تشيله بعد ما عرفوا حكايته، ولا حد كان مستعد يحني ضهره لواحد رمى أصل زوجته في الزبالة. اتضطر عمر يصرف كل القرشين اللي كان محوشهم للجوازة التانية على عربيات الإسعاف الخاصة والعمال عشان ينزلوه ويطلعوه على السلم… الفلوس اللي كان بيبخل بيها على بيته، بقت تتشفط في مشوار الجلسة الواحدة.

وفي الناحية التانية، كانت نسمة في دنيا تانية خالص.

قعدت مع نفسها، ودعمت روحها بعد ما نفضت غبار السنين المزيفة. ركزت في شغلها، وبقت تحط كل جنيه كان بيروح على علاج عمر وعلى المداراة عليه، في صحتها ولبسها وجمالها. رجعت نضارة وشها، وعينيها اللي كانت مطفية بالدموع بقت بتلمع بكرامة وأمل. اهتمت بنفسها وبأكلها، وبقت تشتري اللي كان محرم عليها زمان، حست لأول مرة إن فلوسها وعرقها بيروحوا للمكان الصح… لكرامتها وراحتها.

مرت الأيام، وعمر محبوس في الشقة الفاضية على السجادة القديمة. من كثرة القعدة والنوم في مكان واحد من غير حركة ولا إيد تحن عليه وتقّلبه، جسمه بدأ يتآكل… جاتله قرح  لا تطاق ونزيف وجروح بتأكل في لحمه، وما كانش فيه حد جنبه يغيرله على الجرح ولا يحس بوجعه.

ولما الفلوس خلصت تماماً، ومبقاش قادر يدفع لعربيات الإسعاف ولا يطعم نفسه، أدرك عمر إن النهاية قربت. وبقلب مكسور وعين بتفقد الأمل، عرض الشقة للبيع بأبخس ثمن.

باع السقف اللي كان يلمّه، وأخذ القرشين المتبقين ورحل… راح قعد في مستشفى مجاني ورعاية صحية متواضعة، بين أربعة حيطان باردة ونظرات الممرضين الغريبة. كان قاعد على ، يتأمل السقف الفاضي، ويتذكر نسمة وهي نازلة بيه السلم وشايلاني على ضهرها… ساعتها بس عرف إن اللي يخسر الجوهرة عشان التراب، بيموت وحيد من غير ما يلقى حتى اللي يقلّبه على جنبه.

في المستشفى، كانت الأيام بتعدي عليه بطيئة وتقيلة زي الجبل. صوت أجهزة القياس ونظرات الممرضات وهي بتغيرله على جروح القرح ببرود، كانت بتفكرة كل ثانية بقسوة الوحدة. كان يبص للحيطان البيضا الساقعة ويفتكر لما كانت نسمة بتقعد جنبه بالساعات، تحط إيدها على راسه لما يسخن، وتبطّبط عليه وتسمع عصبيته من غير ما تشتكي.

أما نسمة، فكانت الحياة بتفتح لها أبوابها من جديد. الشغل اللي ركزت فيه بدأ يجيب نتيجه، وبقت تمشي بين الناس مرفوعة الراس. اهتمامها بنفسها وبصحتها رد فيها الروح، وبقت لما تبص في المراية تشوف ست قوية، حرة، اتعلمت الدرس وما بقتش تسمح لأي حد يقلل من قيمتها.

وفي يوم، وأحمد أخو عمر معدي بالصدفة في الشارع اللي فيه شغل نسمة، شافها من بعيد. ما عرفهاش في الأول… كانت لابسة شيك، ملامحها منورة، وضحكتها مالية وشها وهي بتتكلم في التليفون. وقف أحمد مشدوه، مش مصدق إن دي هي نفسها نسمة اللي كانت بتنزل السلم متكتفة ومحنية تحت ثقل أخوه.

مرت الأيام وجاء يوم جمعة، دخل أحمد على عمر في المستشفى. عمر كان قاعد على ، خاسس ووشه أصفر والهم راكبه، أول ما شاف أخوه سأله بصوت طالع بالعافية:

ـ إيه يا أحمد… محدش سأل عني؟ محدش افتكرني؟

أحمد بصلُه بأسى وسكت لحظة، وبعدين قال بأسف:

ـ محدش بيسأل يا عمر… كله لاهي في حياته.

عمر نكّس راسه وسأل بصوت واطي ومكسور:

ـ ونسمة؟… ما سمعتش عنها حاجة؟

أحمد اتنهد وقال:

ـ شفتها من كم يوم يا عمر… والله ما عرفتها. نسمة بقت واحدة تانية خالص، نضفت واهتمت بنفسها، وشغلها كبر وبقت ماشية وسط الناس ملكة. نسمة نسيتك يا عمر، وعاشت حياتها صح لما نفضتك من حساباتها.

الكلمات دي نزلت على عمر زي الصاعقة. غمض عينيه بوجع، والدموع نزلت من عينيه مالحة تكوي خدوده. افتكر كل لحظة ظلمها فيها، وكل قرش حرمها منه عشان يروح للي بايعاه، وكل مرة كسرت فيها ضهرها عشان ترفعه… ساعتها بس أدرك إن الخسارة الحقيقية مش  ولا الفلوس ولا الصحة اللي راحت، الخسارة الحقيقية كانت “نسمة”… الجوهرة اللي كانت في إيده ورمادها في التراب، عشان يكتشف في الآخر إنه قعد في الضلمة لوحده، لا يطال سماء ولا أرض.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى