تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

أمانى السيد عاجز

بدل ما وشّه يحمرّ من الخجل أو ينزل عينه في الأرض، لقيت ملامحه بتتغير للبرود والجحود، وكأن سرقه لحياتي وصحتي حق مكتسب له!

بص للتليفون بلحظة ذهول، وبعدين رفع عينه في عيني بمنتهى القسوة وقال:

ـ أنتِ بتفتشي في تليفوني؟ وأيا كان اللي قريتيه، أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تحاسبيني؟ أنتِ مراتي ودي وظيفتك، ولا كنتِ فاكرة إني هعيش طول عمري ممتن ليكي عشان شوية التعب دول؟

الكلام كان بينزل عليا زي مية نار بتكوي قلبي. الوجع مابراش، ده زاد ونهش في لحمي. افتكرت كل جني جمعته عشان العلاج، افتكرت نظرات الناس ليا وأنا بطلب منهم المساعدة عشان ألحقه، افتكرت كل ليلة سهرتها جنبه أحطله كمدات وأمسح عرقه وأشيله عشان يدخل الحمام، وهو في كل لحظة من دول، كان شايفني أداة… خدامة بتعمل دورها لحد ما يرجع للي يستهلها!

دموعي جفت في عيني، والضعف اللي كان كاسرني تحول لحجر. قربت منه وبصيت له في عينه، بصة ما شافهاش مني طول السنين اللي فاتت، وقلت له بصوت هادي ومخيف من كتر ما هو مكسور:

ـ “شوية التعب دول” هما صحتي اللي راحت، وهما كرامتي اللي اتعفرت في التراب وأنا بشحت عشان علاجك… كنت فاكرة إني بشيل راجل بيصون الجميل، أثاري كنت بشيل حمل تقيل ملوش أي قيمة.

وقف على السرير وحاول يتعصب ويصرخ زي عادته:

ـ اعقلي كده وما تعمليش دراما، أنتِ ليكي بيتك ومصاريفك، وهي ليها مكانتها.

ضحكت… ضحكة طالعة من وسط النزيف اللي جوايا، وقلت له:

ـ مكانتها؟ اللي رمت نفسك قدام العربية عشان تفديها وهي ما كلفتش خاطرها تشيلك ولا تمسح دموعك؟ اللي قعدت أنت تتألم وهي مستنية تجهز روحك وفلوسك عشان تجيلها جاهز؟

مشيت خطوتين ناحية الباب، لقيت ايده بتحاول تمسك فييا وهو بيقول بغضب:

ـ أنتِ رايحة فين؟ مين هيشيلني أنزل الجلسة بكره؟ أنتِ هترمي كل ده عشان كلمتين؟

ساعتها لفيت وبصيت له وبصيت لرجله اللي ابتدت تلمس الأرض وتتحرك، وقلت له بالكلمة:

ـ من النهاردة، ضهري اللي انحنى عشانك مش هيشيلك تاني… اللي ضحت بعمرها عشان تقومك، هي نفسها اللي هتسيبك تقع. خلي اللي فديتها بتمن صحتي تجيلك تشيلك وتدفعلك حق العلاج، لو كانت ترضى تتوسخ إيدها بحاجة أنت ما ترضاش عليها بيها.

طلعت من الأوضة ورزعت الباب ورايا، وسيبته ينادي ويزعق… لأول مرة أحس إن الحمل التقيل اللي كان على ضهري نزل، مش حمل جسمه، لكن حمل القهر والغفلة اللي كنت عايشة فيها.

قعدت على حافة السرير في الأوضة التانية، وسندت راسي بين إيديا. البيت كان ساكت تماماً، غير صوت صراخه وخبطه على الباب اللي بدأ يقل تدريجياً لحد ما اختفى.

في اللحظة دي، السكوت كان ألعن من الضجة. لقيت نفسي بتكلم بصوت واطي، بصوت مكسور وطالع بالعافية من وسط المحن:

ـ “بقى أنتِ يا نسمة… أنتِ اللي كنتِ فاكرة إنك بتصوني بيتك وراجلك؟ أنتِ اللي كنتِ بتربطي بطنك وتنامي جائعة عشان توفري حق كشف ولا شريط دوا؟ أنتِ اللي هُنتي على نفسك لحد ما الناس بقت تبصلك بعين الشفقة والشفاعة وأنتِ بتشحتي عشان تقوميه على حيله؟”

غمضت عيني، وذكريات الثلاث سنين اللي فاتوا بدأت تتجمع قدامي زي الشريط. كل خطوة سلم، كل شيلة شيلتهالها وضهري بيتفصم فيها، كل كلمة قاسية استحملتها منه وأنا أقول لروحي “معلش يا نسمة، الوجع مخليه مش حاسس بنفسه، بكره لما يرجع يقف على حيله هيشيلك في عيونه”.

ضحكت بمرارة ودموعي بتنزل حامية على خدي:

ـ “أتاريه ما كانش حاسس بيا، عشان ما كانش شايفني أصلاً! أتاريه كان شايفني العكاز اللي بيستند عليه لحد ما يوصل للسكة اللي هو عايزها… الخدامة اللي بتبلاش، اللي بترضى بالقليل، اللي ينفع يمرمطها عشان عشيقة الهانم يفضل جسمها ناعم وإيديها متتوسخش!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى