
ـ “حمد الله على السلامة يا شادي يا حبيبي، نورت بيتك.. ادخل غير هدومك على ما أحط الأكل، بس صحيح.. فين علبتين الحلو المكسرات الشرقي اللي قلت لك تجيبهم من المحل الكبير وأنت جاي؟ ما يصحش ماما وأختك يبقوا منورينا والتحلية تفوتنا!”
بصلي ونفسه مكتوم، حسيت إنه كان عايز يمسك في زوري، بس طبعاً قدام أمه وأخته مش هيقدر ينطق بكلمة.. كتم غيظه وطلع محفظته وطلع منها فلوس واداها لابنه وقال بصوت مخنوق:
-
اختبار حملمنذ 7 أيام
-
حماتي كانت وماما عرفتمنذ 7 أيام
-
اعتنيت بأطفال اختىمنذ 7 أيام
ـ “انزل يا حبيبي هات علبتين حلو مشكل من المحل اللي تحت.”
اتغدينا، والكل كان بيمدح في الأكل وفي كرم البيه. قعدنا نشرب الشاي، وهنا جه وقت اللمسة الأخيرة اللي هتقسم ضهره. بصيت لحماتي وقلت لها بنبرة حنية:
ـ “بقولك إيه يا ماما.. شادي بقاله فترة شغال ومضغوط، والولاد كمان تعبوا في المذاكرة وطالع عينهم، وأنا شايفة إننا كلنا محتاجين نفصل.. إيه رأيك يا ماما نطلع كلنا مصيف عائلي الأسبوع الجاي؟”
حماتي عنيها لمعت وقالت: “يا ريت يا بنتي.. بس المصايف بقت غالية قوي اليومين دول.”
رديت عليها علطول وأنا باصة لشادي وببتسم ابتسامة النصر:
ـ “غالية إيه بس يا ماما؟ كله يهون عشان راحتك وراحة الولاد، وشادي مبيستخسرش فينا حاجة واشتغل وعمل حساب الخطوة دي.. أنا حجزت لنا في أحسن فندق في الساحل، غرفتين صف أول على البحر، واحدة لماما وفادية، وواحدة ليا أنا وشادي والولاد.. شامل كل حاجة، والفيزا بتاعة البيه جاهزة لأي مصاريف هناك!”
أخته سقفوا من الفرحة وحماتي قامت حضنته وهي بتقول: “ربنا يخليك لينا يا ابني ويوسع رزقك، طول عمرك أصيل وصاحب واجب!”
شادي كان قاعد على الكرسي مبرق، ركبه سابت والدم هرب من وشه تماماً.. بقى باصص لي وهو حاسس إن السجادة بتتسحب من تحت رجليه، ومش قادر يرفض ولا يفتح بقه بكلمة عشان صورت الصدر الحنين والأبن البار اللي رسمها قدام أمه ما تتهدش، وفي نفس الوقت عارف إن الحركة دي معناها إفلاس تام للخطط التانية اللي كان مرتبها مع الهانم!
كل اللي فات ده.. بالتدبيسات بالعزومات بالمصيف وبكل القرشين اللي سحلتهم منه طول الويك إند.. كوم، واللي حصل بعد ما حماتي وأخته مشوا وجينا نحضر للفرشة الكبيرة، كوم تاني خالص!
أول ما قفلنا الباب وراهم، الابتسامة المرسومة على وش البيه اختفت تماماً، واتحولت لملامح غضب مرعبة.. عروق رقبتها برزت، وعينيه بقت تطق شرار، ولف لي وهو بيجز على سنانه وبيهمس بصوت فحيح الأفاعي عشان الولاد ما يسمعوش:
“أنتِ إيه اللي هببتيه ده؟ أنتِ اتجننتي رسمي يا أماني؟! مصيف إيه وفندق إيه في الساحل اللي حجزتيه ودبستيني فيه قدام أمه؟ أنتِ فاكرة نفسك متجوزة مليونير؟! ومنين جالك الدلع والطلبات والتحكمات دي كلها من ساعة ما رجعت من السفر؟!”
وقفت قدامه بمنتهى البرود، سانده ضهري على الحيطة ومربعه إيديا، وبصيت له من فوق لتحت بابتسامة هادية ومستفزة جداً، وقلت له بنبرة كلها برود وثقة:
ـ “جرى إيه يا شادي؟ مالك اتغيرت كدة أول ما أهلك مشيوا؟ مش أنت الراجل الكريم اللي لسه أمه بتدعي له؟ وبعدين الساحل مش خسارة فينا.. وإلا أنت بقى مستخسر الفسح والخروج في الهانم وعيالك؟”
بصلي وهو مبرق وعينيه رايحة جاي، كلمة “الهانم” اللي رمتها له بطرف لساني خلت ركبه تسيب.. ملامحه اتهزت وبدأ يبلع ريقه وهو بيحاول يقرأ عينيا، هل أنا أقصد الكلمة كشتيمة عادية ولا أنا كاشفة حاجة؟ الشك والعبث طاروا في عينيه وبدأ يتلعثم:
ـ “مـ.. مستخسر إيه؟ أنا بقولك ميزانية وضغط مصاريف! أنتِ من إمتى أصلاً بتتكلمي بالأسلوب ده ولا بتطلبي الطلبات دي كلها؟ أنتِ فيكِ إيه اتغير؟”
قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه مباشرة بنظرة غامضة خلت جسمه يقشعر، وقلت له بصوت واطي وراسي:
ـ “اللي اتغير إني فقت يا شادي.. فقت وعرفت مقامي وقيمتي كويس، وعرفت إن اللي بيوفر بزيادة بيجي على حساب نفسه وعياله وفي الآخر الفلوس بتروح في حتت تانية ما بتدومش.. فقلت أمتع نفسي وعيالي بفلوس جوزي.. مش ده حقي برضه ولا أنا غلطانة؟”
حاول يزعق ويسترد تحكمه القديم: “حقك لما أكون موافق! أنا مش هدفع مليم في حجز الساحل ده وسامعة ولا لأ؟”
ضحكت بصوت ناعم ومستفز وقلت له وأنا بدخل أوضتي بكل ثقة:
ـ “هتدفع يا أبو العيال.. هتدفع ورجلك فوق رقبتك، عشان أنت مش هتقدر تكسر كلمة أمك اللي فرحت بالمصيف، وطبعاً برستيجك قدامها وقدام أختك يسوى ملايين.. تصبح على خير يا حبيبي، جهز لبسك الجديد بقى عشان المصيف!”
قفت الباب في وشه وسبته واأقف في الصالة يضرب أخماس في أسداس.. الشك بياكل في عقله، والفيزا بتاعته بتنزف، والخوف من التغير المفاجئ ده مخليه مش عارف ينام ولا عارف حتى يكلم الست التانية يشتكيلها!
كان لازم انتف ريشه قبل الخطوه التالته اللى هتقش كل حاجه
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”







