قصص وروايات

حفنة ملح

حماتي رشت الملح على أمي وهي جاية تزورني وجايبة لي الموسم بتاعي… ولما حكيت لجوزي، كانت صدمتي في رده أكبر من صدمتي في اللي عملته أمه. لكن اللي حصل بعد كده خلاني أحس إني جبت حق أمي تالت ومتلت.

 

كنت واقفة في البلكونة، مستنية أمي من بدري. كل سنة في نفس المعاد كانت تيجي وهي شايلة الموسم بتاعي، بط وفراخ، ورز، وسكر، ومكرونة، وسمنة، وخضار… وكل حاجة نفسها تطولها لبنتها قبل ما تطولها لنفسها.

أول ما لمحتها داخلة من باب العمارة، نزلت أجري على السلم عشان أخفف عنها الشنط. أمي كانت شايلة أكتر من طاقتها، ومع ذلك أول ما شافتني ابتسمت وقالت: “سيبيهم يا بنتي… أنا طالعة.”

لسه هآخد منها أول شنطة، اتفاجئت بحماتي خارجة من شقتها، وفي إيدها قبضة ملح. وقبل ما أفهم هي بتعمل إيه، راحت رشاها على أمي من فوق لتحت وهي بتقول بصوت عالي سمعه نص العمارة:

“الله أعلم الشنط دي فيها إيه! ما أنتم معروفين… بتوع أعمال وسحر وربط بيوت. الواحد لازم يحصن نفسه قبل ما يدخلوله البلاوي.”

اتجمدت مكاني… وحسيت إن الدم غلي في عروقي.

بصيت لأمي، لقيت وشها احمر من الإحراج، وعينيها مليانة كسرة عمرها ما كانت فيها.

كنت ههجم على حماتي من شدة الغضب، لكن أمي مسكت إيدي بقوة، وبصتلي نظرة كلها رجا وهي بتهمس: “اسكتي يا بنتي… علشان خاطري.”

وبعدين لفت ناحيتها وقالت بابتسامة مكسورة: “كتر خيرك يا أم أحمد… أنا كل سنة بجيب الموسم لبنتي، وربنا يجعل أيامكم كلها خير.”

ساعتها حسيت إن قلبي بيتقطع… ووعدت نفسي إن الإهانة دي مش هتعدي، حتى لو كل اللي حواليا طلبوا مني أسكت.

طلعت أمي قعدت معايا شوية، وكل شوية تبصلي وتغير الموضوع، كأنها خايفة أتكلم في اللي حصل.

عملتلها كباية شاي، وقعدنا نتكلم في أي حاجة غير اللي حصل على السلم. وبعد ساعتين قامت تمشي، وأنا نزلتها لحد باب العمارة.

أول ما رجعت الشقة، فضلت مستنية أحمد يرجع من الشغل. كنت مولعة من جوايا، وكل دقيقة بقول لنفسي: “أكيد أول ما يعرف هيزعق لأمه ويجيبلي حق أمي.”

أول ما دخل، حتى ما غيرش هدومه، جريت عليه وحكيتله كل كلمة حصلت.

كنت مستنية أشوف الغضب في عينيه…

لكنه بصلي بمنتهى البرود وقال:

“وأمي عملت إيه يعني؟ دي ست كبيرة، وعندها معتقدات من زمان. هي رشت شوية ملح، لا شتمت أمك ولا ضربتها.”

بصيتله وأنا مش مستوعبة اللي سمعته.

قولتله: “يعني إيه شوية ملح؟ دي اتهمت أمي إنها بتعمل سحر قدام الجيران!”

نفخ بضيق وقال: “كبري دماغك يا ليلى… مش كل كلمة تتعملي منها مشكلة.”

الكلمة دي وقعت عليا زي السك..ينة.

أمي اللي تعبت وشقيت علشاني طول عمرها، والراجل اللي المفروض يكون سندي، شايف إن إهانتها حاجة عادية!

من يومها، اتغيرت معاملتي مع أحمد. بقيت بتكلم معاه في أضيق الحدود، وهو ولا كان فارق معاه.

لكن اللي أحمد وأمه ماكنوش يعرفوه… إن الحقيقة كانت هتظهر بعد أيام، وهتخليهم يندموا على كل كلمة قالوها في حق أمي… لأن حماتي نفسها كانت مخبية سر عمره ما كان حد يتخيله.

عدى يومين، وأنا لسه زعلانة من أحمد. لا بقيت أحكيله حاجة، ولا حتى بقى ليا نفس أقعد معاه.

أما حماتي، فكانت كل ما تشوفني تبتسم ابتسامة مستفزة، وكأنها انتصرت.

وفي تالت يوم، وإحنا قاعدين بنتغدى، سمعنا خبط جامد على باب الشقة.

أحمد قام فتح الباب، واتفاجئ بأخته نجلاء داخلة وهي بتعيط.

قالها بفزع: “مالك يا نجلاء؟ إيه اللي حصل؟”

قعدت على أول كرسي وهي بتنهج وقالت: “ماما… ماما وقعت في السوق، والناس نقلوها المستشفى.”

جرينا كلنا على المستشفى.

لقينا حماتي على السرير، والدكتور بيقول إنها ضغطها علي جدًا بسبب الانفعال، وإنها لازم تبعد عن أي عصبية أو مشاكل.

وأنا واقفة، افتكرت منظر أمي وهي واقفة على السلم، مكسورة ومحرجة قدام الجيران.

لكن أمي… رغم كل اللي حصل لها… كانت أول واحدة دخلت الأوضة تطمن على حماتي.

ابتسمتلها وقالت: “سلامتك يا أم أحمد… ربنا يقومك بالسلامة.”

حماتي بصتلها وسكتت… ولا عرفت ترفع عينها في عين أمي.

لأول مرة أشوفها مكسورة.

وأول ما خرجنا من المستشفى، أحمد وقفني في الطرقة وقال بصوت واطي:

“ليلى… أنا ظلمتك.”

بصيتله من غير ما أتكلم.

قال وهو ندمان: “نجلاء حكتلي إن ماما من ساعة اللي حصل وهي كل يوم تحكي للناس إن أمك بتعمل أعمال، والجيران ابتدوا يتكلموا عليها… وأنا لما عرفت، حسيت قد إيه كنت غلطان لما سكت.”

قولتله وأنا ببص في عينه:

“أنا مش زعلانة علشان نفسي… أنا زعلانة علشان أمي. الست دي عمرها ما أذت حد، وإنت أول واحد كان المفروض يدافع عنها.”

نزل أحمد راسه في الأرض من الكسوف، وقال:

“عندك حق… وأنا مش هسيب حقها يضيع.”

ولأول مرة من يوم جوازنا، شوفته رايح لأمه… مش علشان يطمن عليها، لكن علشان يقولها الكلمتين اللي كان لازم يتقالوا من أول يوم.

النهاية دي تفتح الباب لمواجهة قوية جدًا بين أحمد وأمه، وهي هتكون

رجعنا البيت، وأول ما دخلنا، أحمد قفل باب الشقة وبص لأمه وقال بهدوء:

“ماما… عايز أتكلم معاكي.”

حماتي ابتسمت وقالت: “خير يا حبيبي.”

قال وهو بيبص في عينيها: “إنتِ ليه أهنتي أم ليلى؟”

اتغير وشها وقالت: “أنا؟! أنا عملت إيه؟ ده شوية ملح علشان أحصن البيت، وبعدين الناس دي معروف عنهم…”

قاطعها أحمد لأول مرة في حياته وقال بصوت عالي:

“بس!”

البيت كله سكت…

حتى أخته نجلاء اتصدمت، لأنها أول مرة تشوف أخوها يكلم أمه بالطريقة دي.

قال أحمد وهو غضبه باين في صوته:

“معروف عنهم إيه؟ عندك دليل واحد على الكلام اللي قولتيه؟ ولا مجرد اتهامات وظلم؟”

حماتي حاولت ترد، لكنه مكملش ليها فرصة.

“الست دي داخلة بيتنا شايلة خير لبنتها، وإنتِ استقبلتيها بالإهانة قدام الجيران. لو حد عمل كده مع أمك، كنتِ هتسميه إيه؟”

سكتت…

لأول مرة ملقتش رد.

كمل أحمد:

“أنا غلطت لما سكت. وغلطت أكتر لما دافعت عنك. لكن من النهارده، أي حد يهين مراتي أو أم مراتى، حتى لو كنتِ إنتِ… هقف قدامه.”

حماتي اتعصبت وقالت:

“يعني هتقف ضدي علشان مراتك؟”

رد أحمد من غير تردد:

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى