قصص وروايات

ضرتى ومصروف البيت بقلم امانى سيد

ـ “يعني إيه مش هتعاملي بيها؟ أنتِ اتهبلتي يا ست أنتِ؟! بقولك طلبات البيت كله هنا!”

ضحكت بتهكم وقلت له:

ـ “جرى إيه يا أبو الولاد؟ مالك عصبي كدة ليه؟ أنا حرة، الحاجات اللي جوة الكرتونة دي كلها موجودة عندي في المطبخ ومفيش مكان ليها، ومستحيل استخدمها الشهر ده.. شيل كراتينك دي وانزل للى جبتها منه ، وخليهم يغيروها.. أنا عايزة مكانها لحمة مفرومة زيادة، وفراخ بانية، واكياس زباله ،وهات عيارات للعيال ضرورى وشوكولاتة وعصاير للولاد.. انزل غيرها وهاتلي اللي بقولك عليه ده كاش بالورقة والقلم، وإلا قسماً بالله ما هلمس لقمة في البيت ده طول الشهر ولا هعمل لقمة تانية! او تسيبهم وتدينى ٥٠٠٠ الاف جنيه زياده على اللى بتديهونى اجيب الباقى … ومن هنا ورايح كل شهر تقولى عايزه ايه زانا اقولك هاتلى كذا كذا انما ماتجبش بمزاجك حاجه مش عايزاها

وقف مكانه مذهول، الكلمتين نزلوا عليه زي الصاعقة.. هو عارف كويس إن اللي جابت الحاجة هي مراته التانية، وإن حركة زي دي هتعمل خناقة وكارثة هناك وهتكشفه، وفي نفس الوقت نظرة عيني والثقة اللي بتكلم بيها رعبته وخليته مش عارف يلم الموضوع ازاي! وعارف إنه مش هيعرف يغير الحاجه دى فقرر انه يسيبها ويدينى فلوس الشهر وال ٥٠٠٠ الزياده اللى طلبتهم منه بس دى يادوووووب كانت البداية

وقف مكانه يبلع ريقه وعينيه رايحة جاي بيني وبين الكراتين، ملامحه كانت بتنطق بالخوف، بس حاول يلم الليلة ويمثل البرود، وزق الكراتين برجليه على جنب وهو بيقول بصوت مهزوز:

جرى إيه يا ولية أنتِ؟ هو لعب عيال؟ أنا مش فاضي للكلام ده دلوقتي خالص، أنا يدوب أغير هدومي وألحق الشغل.. وأعملي حسابك أنا عندي سفرية تبع الشغل ومسافر بالليل، ومش راجع غير بعد الويك اند!”

بصيت له وابتسمت ابتسامة صفرا وسعت لغايت عينيا وقلت له:

ـ “تسافر وترجع بالسلامة يا حبيبي.. تروح وتيجي بالسلامة.”

استغرب جداً من هدوئي وموافقتي السريعة، ودخل جرى يغير هدومه ولم الشنطة ونزل وهو بيفتكر إنه كدة هرب بجلده وهيخلع يروح يقضي الويك اند اللي الهانم رتبت له عليه في الرسالة بفلوسنا.

أول ما قفل الباب، تحولت ابتسامتي لشرار.. مسكت تليفوني وبدأت “الخطة”؛ خطة التدبيس على مياه بيضه!

فاتت ساعتين وبدأت أتحرك.. اتصلت بيه، رد ونبرة صوته مستعجلة:

ـ “أيوة يا أم العيال، أنا في الطريق للسفر أهو، في حاجة؟”

قلت له بنبرة دلع وهدوء عمري ما عملتها معاه:

ـ “أيوة يا شادى، افتكرت إن الطماطم والبطاطس والبتنجان خلصوا تماماً من البيت، والولاد نفسهم في محشي، انزل في أي سوق على الطريق وهاتلي أقفاص خضار وفواكه مشكلة من الغالية اللي بتحبها، واشحنها لي مع أي سواق ميكروباص يوصلها لحد باب البيت.. عشان ما يصحش تسافر والبيت فاضي.”

زعق وقال: “خضار إيه دلوقتي وأنا مسافر على الصحراوي!”

قلت له ببرود: “اتصرف يا حبيبي.. وإلا قسماً بالله هقفل البيت وأخد عيالك واوديهم لامك واروح اقعد عند اهلى طول فترة سفرك، وأنت عارف بابا لما بقعد عنده مابيمشنيش بالساهل

خاف من التهديد لأنه مش عايز شوشرة ولا عايز حد يعرف إنه ساب البيت، وفعلاً اتصرف وباعت الخضار والفاكهة مع سواق ودفع فيهم الشيء الفلاني.

معداش ساعة، قمت مكلمة حماتي وأخته في التليفون وعزمتهم على تاني يوم مجيه من السفر . وبعد ما أكدت معاهم، رجعت اتصلت بيه تاني:

ـ “أيوة يا حبيبي.. أنا كلمت ماما وأختك وعزمتهم بعد بكره تكون جيت من السفر، وطبعاً ما يصحش عزمومتهم تفوت من غير بط ونيفا.. كلم الجزار والفرارجي اللي بتتعامل معاهم وخليهم يبعتوا لي الطلبات دليفري على البيت وحاسبهم أنت فودافون كاش من عندك.. ومتقلقش أنا هقوم بالواجب كله مع ماما.”

البيه كان هيتشل، صوته كان طالع مخنوق وهو بيقولي: “عزومة إيه واكل إيه! أنتِ جايبة الفلوس دي كلها منين؟!”

رديت عليه بكل برود: “من جيبك يا حبيبي.. مالك؟ مش دول أهلك برضه ولازم نكرمهم في غيابك عشان يدعولك؟ يلا حاسبهم بسرعة عشان الحاجة تجهز.

وطول الليل واليوم اللي بعده، كنت كل كام ساعة أفتكر حاجة وأكلمه: “الولاد عايزين دليفري عشا”، “البت بنتك تليفونها انكسر وعايزة تتصل بيك هاتلها تليفون جديد عشان الدروس الكهربا هتقطع اشحن الكارت بـ 500 جنيه”.. فضل طول الويك اند الفيزا في إيده عمالة تسحب رسايل فلوس، وكل ما الهانم تيجى تطلب منه يخرجها أو يشتري لها حاجة، يلاقي الفيزا قربت تخلص، والفلوس اللي سحبها كلها رايحة لبيتي وعيالي وأمه، وهو قاعد معاها على نار مش عارف يستمتع بالخروجة، ولا عارف يفتح بقه معايا بكلمة عشان خايف أهد المعبد على دماغه

ومر الويك إند عليه كأنه كابوس، والفيزا بتاعته مبطلتش صريخ من رسايل السحب اللي بتجيله ورا بعض. جه يوم الأحد، يوم مجيّه من السفر ويوم العزومة الموعودة.

من النجمة كنت صاحية، مخلية البيت زي القشطة، وريحة البط والنيفا والمحاشي مالية العمارة. حماتي وأخته شرفوا، وقعدت معاهم بقمة الذوق والأدب، وحماتي عمالة تدعيلي وتدعي لابنها البار اللي مكرمها ومغرقها في خيره.

على الساعة 4 العصر، سمعت صوت مفتاح الباب.. دخل البيه ووشه أصفر ومخطوف، وعينيه مدبلة من قلة النوم والضغط العالي اللي عاشه طول الويك إند مع الهانم الثانية اللي أكيد نكدت عليه بسبب الفلوس اللي طارت. أول ما دخل وشاف أمه وأخته، حاول يرسم الابتسامة بالعافية:

ـ “أهلاً يا أمي.. منورة يا غالية، أهلاً يا فادية.”

قمت أنا بقمة الترحيب والدلع:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى