
مراتي بلعت معزه كامله صاحيه قدام عيني ولما حكيت محدش صدقني…وأول واحدة قالت إني كداب كانت أمي. قالت وهي بتخبط بعصاها في الأرض: إنت فاكرنا هنصدق إن مراتك بلعت معزه كاملة؟! إنت شكلك شربت حاجة خلت عقلك يطير! غور من وشي يا صالح واتمسى.. الناس اللي كانت واقفة في ساحة البلد انفجرت في الضحك.
-
اختبار حملمنذ 6 أيام
-
حماتي كانت وماما عرفتمنذ 6 أيام
-
اعتنيت بأطفال اختىمنذ 6 أيام
فيه اللي شاور عليا وهو بيضحك…وفيه اللي هز راسه بأسف.
حتى العمدة معرفش يخبي ابتسامته.
كنت واقف في نص القرية ، وببص في وشوش ناس أعرفهم من وأنا طفل…رجالة اشتغلت معاهم في الغيط…وستات شافوني وأنا بكبر…ولا واحد فيهم صدق كلمة من اللي قلتها.
لكن لو كانوا شافوا اللي شوفته الليلة اللي فاتت…
كانوا هربوا من البلد قبل ما الشمس تطلع…كل حاجة بدأت بعد تلات شهور من جوازي من يارا…يارا كانت أجمل بنت في البلد كلها.بشرتها قمحية صافية…وعيونها واسعة…
ولما تبتسم تحس إن الدنيا كلها هديت.كل شباب القرى اللي حوالينا كانوا بيتمنوا إنها توافق على الجواز منهم….ولما وافقت عليا…الناس كلها قالت:”إنت أكتر واحد محظوظ في الدنيا.”
وساعتها صدقتهم…أول كام أسبوع من الجواز كانوا هاديين.
كانت محترمة…وطيبة…وشاطرة في شغل البيت.
حتى أمي…اللي عمرها ما كانت بتمدح أي ست..
كانت كل يوم تقوللي:حافظ عليها يا حسن… البنت دي نعمة.
وكنت أوعدها إني هعمل كده.لكن بعدها…حاجات غريبة بدأت تحصل…كل صباح…الفراخ كانت تبقى مرعوبة.وأول ما المغرب يأذن…ترفض تدخل العشة.
كلبنا شفيق بطل ينبح خالص…كل ليلة يستخبى تحت السرير وهو بيرتعش…حتى القطط بقت تعدي من قدام بيتنا وتجري.
في الأول ضحكت.قلت أكيد الحيوانات بتتصرف بغرابة وخلاص…لكن بعدها…الأكل بدأ يختفي.
في ليلة…يارا عملت حلة كبيرة محشي وفتة علشان عندنا ضيوف تاني يوم…صحيت الصبح…لقيت الحلة فاضية.
ولا حبة رز.ولا لقمة.ولا نقطة شوربة.افتكرت إن حد قام كل وخلاص سالتها قال مش انا و ابتسمت بهدوء وقالت:
“يمكن حد كان جعان.”ردها ضايقني…بعدها بأيام…
اختفت عشر سمكات مملحين…وبعدين شوال بطاطس.
وبعدين فرختين عايشين…الغريب…ولا نقطة د م.
ولا آثار رجلين.ولا أي دليل.كأن الحاجة كانت بتتبخر.
قفلت البيت كويس…وزودت الأقفال…وبقيت أصحى كل شوية بالليل….وبرضه…..الحاجات كانت بتختفي…في يوم…
جارنا عم رمضان ربط المعزه البيضا بتاعته جنب سور بيتنا.
وقال:
“يا حسن… أنا رايح اجتماع الجمعية الزراعية… هعدي أخدها الصبح.”قلتله:”متقلقش.”نمت أنا ويارا.
ولما الساعة قربت من اتنين بعد نص الليل…
صحيت على صوت غريب.”شششششش…”افتكرته صوت الهوا.لكن بعدها سمعت صوت المعزه وهي بتصرخ.
جريت ناحية الشباك.وبصيت بره.وضوء القمر كان كفاية أشوف…حاجة خلت الد م يتجمد في عروقي.
تعبان ضخم جدًا…..تخين اكبر من جذع الشجرة…
كان ملفوف حوالين المعزة اللي كانت بتحاول تهرب…
لكن مفيش فايدة…وقبل حتى ما أقدر أصرخ…فتحت الحية بقها…وبقها فضل يكبر…ويكبر…ويكبر…
لحد ما…بلعتها كلها…وقعت على الأرض من الرعب.
جسمي كله بقى بيرتعش. ..وفجأة…
الحية لفت راسها ناحيتي.وعيونها كانت بتلمع في الضلمة.
وبصتلي مباشرة…وبعدين…ابتسمت…وفي اللحظة دي…بدأت تزحف بهدوء…في اتجاه باب أوضة نومي… واتحولت واللي اتحولت ليه خلاني رقعت بالصوت من صدمتي…
رجعت لهيئتها البشرية قدام عيني في ثواني. الحية الضخمة اختفت، ووقفت مكاني يارا بنفس هدوم النوم اللي كانت لابساها، وشعرها الأسود نازل على كتفها، وكأنها خارجة من الأوضة حالًا. بصتلي بابتسامة هادية وقالت: “مالك يا حسن؟ شكلك شفت كابوس.” كنت واقف مش قادر أتكلم، رجليا اتخشبت، وقلبي بيدق بعنف. أشرت بإيدي ناحية مكان المعزة، لكن لما بصيت لقيت الحبل مقطوع، والأرض فاضية، ولا فيه نقطة دم ولا أي أثر. يارا قربت مني وحطت إيدها على كتفي، وقالت: “ادخل نام… البرد هيخليك يتهيألك حاجات.” سحبت إيدها بسرعة كأنها نار، وجريت على سريري من غير ما أرد.
أول ما طلع النهار، عم رمضان جه يدور على المعزة. فضل ينادي عليها في كل حتة، ولما ملقهاش، بصلي وقال: “إيه اللي حصل يا حسن؟” حاولت أحكيله اللي شوفته، لكنه قاطعني وهو بيضحك وقال: “يعني حية بلعت معزة كاملة؟! يا راجل حرام عليك.” بعدها انتشر الكلام في البلد كلها، وكل واحد زود من عنده، لحد ما بقيت حكاية الناس في القهاوي. اللي يقول حسن اتجنن، واللي يقول حد لعب في دماغه، واللي يقول مراته أكيد هربت المعزة وباعتها.
لكن الغريب إن يارا كانت هادية بشكل يخوف. كل يوم تصحى بدري، تكنس البيت، وتحضر الفطار، وتتعامل مع أمي بمنتهى الاحترام، كأن مفيش حاجة حصلت. ساعات كنت أقعد أبص في وشها وأسأل نفسي: هو اللي شوفته كان حقيقي؟ ولا فعلًا عقلي لعب بيا؟ لكن كل ما الليل يقرب، نفس الإحساس يرجع. الحيوانات تسكت فجأة، والهواء يبقى تقيل، والكلب يستخبى تحت السرير وهو بيترعش.
بعد أسبوع، اختفى عجل صغير من زريبة الحاج محمود. البلد كلها قامت تدور عليه. لفوا الترع والغيطان، وسألوا كل القرى اللي حوالينا، لكن العجل اختفى كأنه فص ملح وداب. وقتها بدأت همسات الناس تتغير. بقى فيه اللي يقول إن في حاجة غريبة في البلد، وإن الاختفاءات بقت كتير، لكن محدش كان يربطها ببيتي.
قررت أسهر الليلة دي مهما حصل. استنيت لحد ما يارا نامت، أو على الأقل مثلت إنها نامت. فضلت فاتح عيني في الضلمة. الساعة عدت اتنين، وبعدها تلاتة، وفجأة سمعت صوت الباب بيتفتح من غير صرير. رفعت راسي بالراحة. شفت يارا خارجة من الأوضة، ماشية حافية، بخطوات بطيئة، ومتجهة ناحية الجنينة. استنيت ثواني، وبعدها خرجت وراها من غير صوت.
كانت واقفة تحت شجرة الجميز الكبيرة اللي في آخر الأرض الزراعية. رفعت راسها للسماء، وبدأت تهمهم بكلمات ما فهمتش منها حرف واحد. الهوا سكت تمامًا، وأوراق الشجر بطلت تتحرك. بعدها بلحظة، بدأت ضلوعها تتحرك بشكل غريب، وإيديها تطول، وجسمها ينكمش، وجلـدها يلمع تحت نور القمر. رجعت تتحول قدام عيني مرة تانية، لكن المرة دي ما كانتش حية بس. كان شكلها أضخم، وعينيها بتنور بلون أصفر مخيف، ولسانها الطويل بيتحرك في الهوا كأنه بيدور على فريسة.
رجعت لورا خطوة، لكن رجلي خبطت في غصن ناشف. صوت الكسرة كان كفاية يخليها تلف ناحيتي في لحظة. ثبتت عينيها عليا، وساد صمت مرعب. فضلت أبص لها، وهي بتبصلي، وكل واحد فينا مستني التاني يتحرك. بعدها بدأت تزحف ناحيتي ببطء، لكن قبل ما توصل، سمعنا صوت أذان الفجر طالع من جامع البلد. في اللحظة نفسها وقفت مكانها، ورجعت تتحول ليارا مرة تانية، ووقعت على الأرض كأنها فاقدة الوعي.
جريت عليها وأنا مش فاهم أي حاجة. فتحت عينيها ببطء، وبصتلي بخوف حقيقي، وقالت بصوت ضعيف: “حسن… لو كنت شفت اللي حصل… متسبنيش… أنا مش باعمل كده بإرادتي.”
وقفت مصدوم وأنا سامع كلامها. لأول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عيني يارا. ما كانش خوف واحدة اتكشف سرها… كان خوف إنسانة مستنية حكم بالإعدام. مسكتها من كتفها وقلت: “يعني إيه مش بإرادتك؟” دموعها نزلت وهي بتحاول تقوم، وقالت: “لو حبيتك… يبقى لازم تعرف الحقيقة كلها.” رجعنا البيت قبل ما حد يشوفنا، وقعدنا في أوضة الضيوف. كانت الشمس لسه ما طلعتش، وصوت الديوك بدأ يملأ البلد. يارا فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت: “أنا اتولدت في قرية بعيدة في قلب الجبل. أبويا مات وأنا صغيرة، وأمي كانت بتشتغل عند ست عجوز الناس كلها كانت بتخاف منها. كانوا بيقولوا إنها بتعرف أسرار قديمة محدش بقى يفتكرها.”
كنت بسمع من غير ما أقاطعها.
قالت: “وأنا عندي عشر سنين، دخلت الأوضة اللي كانت ممنوع أدخلها. لقيت صندوق خشب قديم، أول ما فتحته، لقيت فيه تميمة غريبة على شكل حية ملتفة. أول ما لمستها، الست العجوز صرخت فيا، وقالت إن اللعنة اختارتني.”
حسيت بقشعريرة سرت في جسمي.
كملت وهي بتعيط: “افتكرت إنها بتخوفني. لكن بعد كام سنة، أول مرة يكتمل فيها القمر، صحيت لقيت نفسي في الغيط، وحوالي بقايا خرفان نافقة. ومن يومها، كل شهر بيتكرر نفس الكابوس.”
قلت بغضب: “طب ليه ما قولتيليش؟”
بصت في الأرض وقالت: “كنت خايفة تسيبني. وكل ما كنت أحاول أحكيلك، كنت بفقد الوعي قبل ما أنطق.”
فضلت ساكت.
العقل كان رافض يصدق.
لكن عيني شافت اللي شافته.
وفي عز الكلام، سمعنا خبط عنيف على باب البيت.
خرجت فتحت.
لقيت عم رمضان واقف، ووشه أصفر.
قال وهو بينهج: “يا حسن… الحقني.”
قلت: “في إيه؟”
قال: “الجاموسة الكبيرة بتاعة الحاج بدوي اختفت… والأرض كلها عليها أثر زحف ضخم.”
خرجت معاه.
البلد كلها كانت متجمعة.
الأثر كان واضح في الطين.
خط عريض جدًا.
كأن حاجة وزنها أطنان عدت من هناك.
الناس ماشية وراه لحد ما وقف الأثر قدام بيتي.
كل العيون اتوجهت ناحيتي.
واحد من الشباب قال: “مش قولنا فيه حاجة غريبة في البيت ده.”
والتاني قال: “من يوم ما البنت دي دخلت البلد والمصايب ورا بعضها.”
بدأ الهمس يزيد.
وأمي خرجت من البيت وهي مش فاهمة.
بصت للأثر.
وبعدين بصتلي.
وقالت: “إيه اللي بيحصل يا حسن؟”
قبل ما أرد…
طلع صوت الشيخ عبدالرحمن، إمام الجامع.
كان واقف وسط الناس، وقال بهدوء: “محدش يظلم حد من غير دليل.”
سكتت البلد كلها.
قرب من الأثر، وقعد يتأمله شوية.
وبعدين رفع رأسه وقال: “دي مش آثار حية عادية.”
واحد سأله: “أمال إيه يا مولانا؟”
رد: “معرفش… لكن اللي أعرفه إن الخوف مش هيحل المشكلة.”
لف ناحيتي وقال: “بعد المغرب تعالى قابلني.”
طول اليوم وأنا مستني.
أول ما صلينا المغرب، دخلت المسجد.
استناني لحد ما الناس كلها خرجت.
فتح باب أوضة صغيرة جنب المحراب
وقال: “اقفل الباب.”
نفذت كلامه.
راح ناحية مكتبة قديمة، وطلع منها مخطوطة جلدية متآكلة.
نفخ عنها التراب، وفتحها بحذر.
كانت مليانة رسومات لحيوانات وثعابين وأساطير قديمة.
وأشار على رسم يشبه اللي شوفته بعيني.
وقال بصوت منخفض:
“أنا كنت فاكر إن الحكايات دي انتهت من مئات السنين… لكن واضح إن الماضي رجع يطاردنا من جديد.”
بصيت للرسم وأنا حاسس إن نفسي اتقطع. كان شبه اللي شوفته بالليل بالحرف. نفس الجسم الضخم، ونفس العينين اللامعتين، وحتى العلامة الصغيرة اللي كانت على جانب الرقبة. رفعت عيني للشيخ عبدالرحمن وقلت: “يعني اللي شوفته كان حقيقي؟”







