فن ومشاهيرقصص وروايات

مغترب رجع شاف بنته

مغترب رجع شاف بنته بتطلع العيش من سلة في عيد ميلاد جدتها… فصرخ قدام الكل: “فين الفلوس اللي ببعتها كل شهر؟!” وماكانش يعرف إن أمه مخبية عنه كذبة قلبت حياته سنين. “إزاي بنتي بتطلع أكل من الزبالة… وأنا ببعت لها خمسين ألف جنيه كل شهر؟!” صوت سيف المنصوري دوى في الجنينة الخلفية لأحد الفنادق الفخمة بينما حفلة عيد ميلاد أمه السبعين كانت شغالة بكل فخامتها.\

 

كان سيف واحدًا من أشهر رجال الأعمال في مجال التطوير العقاري.بدلة إيطالي.ساعة تمنها ملايين.

وعربية مصفحة.وصوره مالية مجلات البيزنس.

بالنسبة للناس…كان نموذج النجاح.

لكن في اللحظة دي…

كان راكع على الأرض قدام طفلة صغيرة لابسة فستان وردي قديم، وماسكة صينية عليها كام رغيف عيش كانت لسه مطلعاهم من كيس الزبالة.

الطفلة رفعت عينيها ناحيته.كانت عندها تمن سنين.

وشعرها مربوط بضفيرة مفكوكة.وعيونها مليانة براءة.

همست بصوت واطي:

“بابا…”في اللحظة دي…

سيف حس إن الدنيا اتشقت نصين.

دي كانت ملك…بنته.

آخر مرة شافها كانت من تلات سنين.

وقت ما أمه قالت له إن مراته سارة هربت مع راجل تاني، وسابت له ورقة طلاق، وإنها مش عايزة تشوفه ولا هو يشوف بنته.

كان وقتها مكسور وغضبان…وصدق أمه.

لكن عمره ما وقف بعت فلوس.

كل أول شهر…

كان بيحول خمسين ألف جنيه للحساب اللي أمه قالت له إن سارة بتستلم منه مصاريفها ومصاريف البنت.

ودلوقتي…

لقى بنته بتدور على العيش في الزبالة…

في نفس الفندق اللي جدتها عاملة فيه حفلة بملايين.

قال وهو بيحاول يسيطر على صوته:

“قوليلي الحقيقة يا ملك…مامتك هي اللي بعتتك تجيبي أكل؟”

هزت راسها بسرعة.

وقالت بخوف:”لا يا بابا…ماما ماتعرفش إني جيت.

أنا شفتهم بيرموا الأكل…وقلت آخد شوية علشان ماما.”

بلع ريقه بصعوبة.

وسأل:”علشان ماما إيه؟”

قالت وهي حضنة الصينية:

“علشان هي بقالها أيام بتقول إنها مش جعانة…

بس أنا عارفة إنها بتسيب الأكل ليا.”

حس سيف كأن حد غرز سكينة في قلبه.

وقال بسرعة:”إزاي؟أنا ببعت فلوس كل شهر.”

بصت له باستغراب.

وقالت:”فلوس إيه يا بابا؟

إحنا عمرنا ما خدنا منك فلوس.”اتجمد مكانه.

وقال:”لا يا حبيبتي…أنا ببعت خمسين ألف جنيه كل شهر.”

قالت وهي موطية راسها:”ستو هي اللي طردتنا من البيت.”

اختفى صوت الحفلة من ودنه.

وسألها:”طردتكم؟”

هزت راسها.

وقالت:”وأنت كنت مسافر.

قالت لماما إنها ماتستحقش تكون من العيلة.

وقالت كمان إنك بطلت تحبنا.”

سيف حس إن كل حاجة جواه بتتكسر.

شال ملك بين إيديه.

ودخل بيها قاعة الحفل.

كل رجال الأعمال.والسياسيين.

وأقارب العيلة.كانوا قاعدين حوالين الترابيزات.

وفي النص…

كانت الحاجة نوال المنصوري واقفة قدام تورتة ضخمة، لابسة فستان كحلي وطقم لؤلؤ.

أول ما شافت سيف داخل شايل ملك…

ابتسامتها اختفت.والهمس بدأ ينتشر في القاعة.

وقف سيف في النص.

وبص لأمه مباشرة.

وقال:وقف سيف في منتصف القاعة، وما زال شايل ملك بين إيديه، وبص لأمه نظرة محدش في القاعة شافها منه قبل كده.

قال بصوت هز المكان كله:

“عايز أعرف… فين الخمسين ألف جنيه اللي ببعتهم كل شهر لبنتي؟”

ساد صمت مرعب.

الموسيقى وقفت.

وكل العيون راحت للحاجة نوال.

حاولت تبتسم وقالت وهي بتضحك بتوتر:

“إيه الكلام الغريب ده يا سيف؟ مش وقته.”

لكن سيف قاطعها بعصبية:

“جاوبي! الفلوس راحت فين؟”

قالت بسرعة:

“أنا كنت بصرفها عليهم… وسارة كانت بتاخد اللي تحتاجه.”

في اللحظة دي…

ملك شدّت على ياقة بدلة أبوها وهمست:

“هي بتكدب يا بابا.”

القاعة كلها سكتت.

سيف نزل لمستوى بنته وقال بهدوء:

“قولي يا حبيبتي.”

قالت وهي بتبص لجدتها بخوف:

“هي قالت لماما لو قالتلك أي حاجة… هتدخلها السجن.”

لف سيف ناحية أمه ببطء.

“سجن؟!”

اتلعثمت الحاجة نوال:

“البنت صغيرة ومش فاهمة.”

لكن فجأة…

صوت ست جه من آخر القاعة.

“أنا فاهمة كويس.”

كل الناس بصت ناحية الباب.

كانت سارة.

جسمها نحيف بشكل واضح.

وشها شاحب.

ولابسة هدوم بسيطة جدًا.

لكنها كانت واقفة بكل كرامة.

أول ما شافها سيف، حس إن الزمن رجع تلات سنين.

قرب منها وهو مذهول.

“أنتِ… إنتِ ما هربتيش؟”

ابتسمت بسخرية موجوعة.

وقالت:

“أنا عمري ما هربت.”

طلعت من شنطتها ظرف قديم.

وقالت:

“أمك هي اللي جتلي بعد سفرك بيوم.”

فتحت الظرف قدام الكل.

كان فيه صورة من تحويلات بنكية.

وعقد بيع شقتها.

وقالت:

“قالتلي إنك خلاص قررت تبدأ حياة جديدة، وإنك مش عايز بنتك، ولو ما بعدتش هتخليني أشوف أيام سودا.”

بدأ الهمس ينتشر بين الضيوف.

أحد رجال الأعمال قال:

“يعني كل اللي كنا نعرفه كان كدب؟”

سارة كملت وهي دموعها بتنزل:

“بعت شقتي علشان أصرف على بنتي.”

“اشتغلت خياطة بالنهار.”

“ونضفت بيوت بالليل.”

“ولما تعبت… كنت بسيب الأكل لملك وأقولها إني شبعت.”

سيف حس إن رجليه مبقوش شايلينه.

قال بصوت مكسور:

“طب الفلوس؟”

ردت:

“ولا جنيه واحد وصلني.”

لف ناحية أمه مرة تانية.

“الحساب اللي كنت ببعت عليه…”

قالت نوال وهي بتترعش:

“أنا… أنا غيرت الحساب.”

“ليه؟”

صرخت فجأة:

“علشان كنت خايفة تضيع فلوس العيلة على واحدة غريبة!”

سيف صرخ:

“دي مراتي!”

قالت:

وأنا كنت شايفة إنها لا تليق باسم المنصوري.”

في اللحظة دي…

وقف مدير البنك، وكان من ضمن المعازيم.

وقال:

“أنا آسف يا أستاذ سيف… لكن عندي معلومة لازم تعرفها.”

بصله سيف باستغراب.

قال المدير:

“الحساب اللي كنت بتحول عليه باسم والدتك.”

شهقة واحدة خرجت من كل الموجودين.

وأضاف:

“إجمالي التحويلات خلال تلات سنين…”

وسكت لحظة.

“…مليون وثمانمائة ألف جنيه.”

الحاجة نوال انهارت على الكرسي.

لكن الصدمة الأكبر لسه ما جتش.

واحد من الضيوف رفع موبايله وقال:

“يا جماعة… دي فيلا الساحل الجديدة اللي اشترتها الحاجة نوال الشهر اللي فات.”

عرض الصور.

فيلا فاخرة.

وحمام سباحة.

وعربية جديدة كلها اتشرت من نفس الحساب.

سيف حس إن قلبه بيتقطع.

بص لسارة وقال بصوت مخنوق:

“سامحيني…”

هزت رأسها وقالت:

“الاعتذار مش هيعوّض السنين اللي ضاعت.”

ملك مسكت إيد أبوها وإيد أمها، وقالت ببراءة:

“ينفع نرجع نبقى عيلة؟”

الجملة دي كانت أصعب من أي حكم.

سيف نزل على ركبته قدام بنته وقال:

“أوعدك… من النهارده محدش هيقدر يبعدني عنك تاني.”

لكن قبل ما يكمل كلامه…

دخلت عربية شرطة الفندق بعد بلاغ من أحد الحضور، وطلب الضابط مقابلة الحاجة نوال بعد ظهور مستندات التحويلات أمام الشهود.

والحاجة نوال، وهي بتتبصم على محضر جمع الاستدلالات، قالت جملة محدش كان يتوقعها:

“أنا ما عملتش كل ده لوحدي…”

الجميع اتلفت في اتجاه الشخص اللي كانت بتبص له…

وكانت المفاجأة أكبر من أي حد يتخيل.

كل الأنظار اتجهت ناحية الشخص اللي كانت الحاجة نوال بتبص له.

كان أخو سيف الأكبر…

شريف المنصوري.

واقف في آخر القاعة، وشه اصفر فجأة.

قال الضابط:

“حضرتك تعرف الست بتبصلك ليه؟”

شريف حاول يضحك وقال:

“أكيد من الصدمة.”

لكن الحاجة نوال صرخت وهي بتعيط:

“لا… هو اللي قاللي أعمل كده.”

سيف لف ناحيته ببطء.

“بتقول إيه؟”

شريف اتوتر وقال بسرعة:

“متسمعش كلامها… دي ست كبيرة.”

لكنها كملت:

“هو اللي قالي لو سيف رجع لمراته، نص ثروته هيبقى باسم بنته… وساعتها شركته هتخرج من إيدينا.”

الصمت كان مرعب.

سيف بص لأخوه كأنه أول مرة يشوفه.

“يعني كل السنين دي…”

شريف زعق:

“أيوه!”

“كل اللي عملته كان علشان أحافظ على المجموعة.”

“أنت كنت هتضيع كل حاجة علشان واحدة فقيرة.”

سيف قرب منه.

“وأختفيت مراتي من حياتي؟”

“حرمتني أشوف بنتي؟”

“وسرقت فلوسي؟”

شريف رد ببرود:

“الفلوس كانت بتدخل استثمارات العيلة.”

سيف مسكه من ياقة بدلته.

لكن الضابط وقف بينهم.

وقال:

“لو سمحت يا أستاذ سيف… القانون هو اللي هياخد حقك.”

في نفس اللحظة…

دخل محاسب مجموعة المنصوري وهو بيجري.

وقال:

“في مصيبة!”

سيف بصله.

“إيه؟”

قال وهو بينهج:

“الحسابات اتراجعت.”

“وفي أكتر من سبعة وعشرين مليون جنيه اتحولوا لشركات وهمية خلال آخر تلات سنين.”

شريف وشه اتغير.

قال:

“إنت بتخرف.”

المحاسب طلع ملف.

وقال:

“كل التحويلات عليها توقيعك.”

الضابط أخد الملف.

وبعد دقائق قليلة، وصلت قوة من مباحث الأموال العامة بعد إخطار النيابة.

وأمام رجال الأعمال والإعلام اللي بدأ يتجمع بره الفندق…

اتقبض على شريف.

واتحفظ على الحاجة نوال لحين انتهاء التحقيق.

وهي خارجة، بصت لسيف وقالت وهي بتبكي:

“أنا كنت فاكرة إني بحميك.”

رد عليها لأول مرة من غير انفعال:

“الأم بتحمي ابنها بالحقيقة… مش بالكذب.”

مر شهرين.

سيف اشترى لسارة وملك بيت جديد.

لكن سارة رفضت ترجع تعيش معاه.

قالت بهدوء:

“الثقة لما بتتكسر… محتاجة وقت.”

وافق.

وبدأ كل يوم الصبح يوصل ملك للمدرسة بنفسه.

ويرجع ياخدها آخر اليوم.

كان بيعوض كل لحظة ضاعت.

وفي يوم عيد ميلاد ملك التاسع…

كانت قاعدة تطفي الشمع.

وقبل ما تتمنى أمنيتها…

بصت لأبوها وأمها وقالت بابتسامة:

“أنا مش عايزة لعب.”

استغربوا.

قالت:

“أنا عايزة بس أفضل أشوفكم قاعدين مع بعض… حتى لو أصحاب.”

سارة بصت لسيف.

ولأول مرة من سنين…

ابتسمت له من قلبها.

بعد سنة كاملة…

رجعوا يتجوزوا من جديد.

لكن المرة دي…

من غير قصور.

ولا حفلات ضخمة.

ولا كاميرات.

كتبوا كتابهم في مسجد صغير.

وكانت ملك هي الشاهدة الأولى.

ولما المأذون سأل سيف:

“تقبل؟”

رد وهو باصص لبنته قبل أي حد:

“أقبل… وأوعد إن عمري ما هسمح لأي حد يفرقنا تاني.”

وانتهت الحكاية، لكن الدرس فضل:

أصعب خيانة مش دايمًا بتيجي من عدو…

أوقات بتكون من أقرب الناس لقلبك.

سيف ما اتحركش.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى