قصص وروايات

ابنته وهي متبته في ايد ابيها

ماتت وهي متبتة في إيد أبوها وبتقول بطلوع الروح: “والله العظيم أنا مظلومة”… وبعد كام ساعة بس، تقرير المستشفى طلع عشان يثبت إن العار ماكانش فيها، العار كان في كل اللي صدقوا كلمة دكتور من غير ما يرحموا ضعفها.

 

​مريم كانت بنت هادية، يا دوب عندها 17 سنة، كل اللي يعرفها مايشوفش منها غير الأدب والكسوف، ودايماً تلاقيها جنب أمها بتساعدها في البيت. في ليلة، مريم حست بوجع فظيع في بطنها، أمها افتكرته مغص عادي للبنات، قالت شوية نعناع دافي وهترتاح.

​لكن الوجع كان بيزيد يوم ورا يوم، والبنت بقت بتتكور على نفسها من الألم، ووشها أصفر ومخطوف بطريقة رعبت البيت كله. أبوها خدها ونزل لدكتور قريب منهم في الحي. الدكتور كشف عليها أي كلام في السريع، ولا طلب تحاليل ولا أشعة ولا أي حاجة توحد ربنا.

بص لبطنها المنفوخة وقال جملة واحدة، جملة هدت حياة البنت ومسحتها من الدنيا:

“بنتكم حامل!”

​الأب اتسمر مكانه، والأخ جسمه كله اتنفض، والأمة وقعت على الكرسي وهي بتلطم وبتقول إن ده مستحيل.

خرجوا بيها من العيادة وكأنهم شايلين فضيحة مش مريضة، ومحدش فيهم كان سامع عياط مريم وتوسلاتها وهي بتحلف إنها ما عملتش حاجة.

​في البيت، العيلة كلها اتجمعت، ونظرة الخوف عليها اتحولت لنظرة اتهام وقرف منها.

مريم كانت بتعيط وتصرخ: “والله يا بابا أنا بريئة، أنا مش فاهمة إنتو بتتكلموا عن إيه!”

لكن صوتها الضعيف تاه وسط غضبهم وخوفهم من كلام الناس وسيرتهم اللي هتبقى على كل لسان. محدش فيهم فكر حتى يعيد التحليل، أو ياخدها مستشفى كبيرة، أو حتى يعرضها على دكتورة نسا قبل ما يحكموا عليها بالإعدام.

​كانت بتتلوى من وجع بطنها ووجع نظرات أهلها، وكل اللي كانت بتتمناه إن حد واحد بس يصدقها.

قربت من أبوها وهي بتترعش وقالتله: “يا بابا، إنت مربيني وعارفني، معقولة تصدق إني أعمل كده؟”

لكنه كان بيهرب بعينيه منها، لأن كلمة الدكتور سيطرت على نافوخه وبقت أقوى من سنين تربيته ليها.

​عدت ساعات زي السم، ومريم صحتها نزلت للأرض لدرجة إنها مابقتش قادرة تقف على حيلها. وقبل ما يغمى عليها، مسكت إيد أبوها وقالت بصوت مكسور بيودع الدنيا: “والله أنا مظلومة… وهتعرفوا بس بعد فوات الأوان.”

​شالوها وجريوا بيها على مستشفى كبيرة، وهناك الدكاترة اتلموا عليها أول ما شافوا حالتها المتأخرة. دخلت الرعاية المركزة، والأب واقف في الطرقة كأنه بيفوق من كابوس هو اللي خلقه بإيده.

بعد الفحوصات، خرجت الدكتورة ووشها مليان حزن وزعقت فيهم: “مين المتخلف اللي قالكم إنها حامل؟!”

محدش نطق.

​الدكتورة كملت وقالت إن مريم عمرها ما كانت حامل، وإن اللي في بطنها ده كان كيس كبير على المبيض وانفجر وعملها التهاب وتسمم خطير، وكانت محتاجة عملية طوارئ من أول يوم حست فيه بالوجع.

الأم صرخت ووقعت في الأرض، أما الأب ففضل واقف متخشب، كأن كلام الدكتورة قت*له وهو واقف.

​الدكاترة عملوا المستحيل عشان ينقذوها، بس التأخير كان أقوى من كل محاولاتهم.

راحت مريم قبل الفجر.. راحت من غير ذنب، ولا فضيحة، ولا عار.. راحت وهي شايلة ظلم أقرب الناس ليها.

​الصبح، الأب استلم تقرير المستشفى مختوم، ومكتوب فيه بالبنط العريض: “لا توجد أي علامات حمل، والحالة كانت مرضية طارئة.”

خد التقرير وراح عيادة الدكتور الأولاني وهو بيترعش، كان عايز يمسك في زمارة رقبته ويسأله إزاي ينطق كلمة دمرت وموتت بنته بالحيا. لكن الصدمة إن العيادة كانت مقفولة، واليافطة متشالة، والناس في الشارع قالوا إن الدكتور لمّ حاجته وهرب من بالليل.

​وقبل ما العزا يخلص، وصلت ورقة رسمية من وزارة الصحة بتأكد إن الراجل ده أصلاً مش دكتور، وإنه نصاب وفيه شكاوي قديمة ضده بسبب تشخيصات كاذبة خربت بيوت قبل كده.

​الأب بص لصورة مريم اللي متعلقة على الحيطة، وسمع آخر رسالة صوتية كانت بعتاها لأمها على الواتساب وبتقول فيها: “لو أبويا مصدقنيش في الدنيا، فأنا بدعي ربنا يصدقني يوم لا ينفع فيه الندم.”

​يتبع..

الجزء الأخير: ثمن الدموع.. وعد الأب الذي لم يمت

​الفصل الأول: صدى الصوت الذي لا يهدأ

​وقف “محمود”، الأب المكلوم، في منتصف الصالة الخاوية إلا من رائحة البخور وصمت الموت القابض على الأنفاس. المعزون انصرفوا، والبيت الذي كان يضج بضحكة “مريم” الخجولة أصبح أشبه بمقبرة باردة. كان يمسك هاتفه بيد ترتعد، وعينه مثبتة على صورة ابنته ذات الوجه الملائكي المعلقة على الحائط. ضغط على زر التشغيل للمرة الألف ليسمع رسالتها الصوتية الأخيرة:

“لو أبويا مصدقنيش في الدنيا، فأنا بدعي ربنا يصدقني يوم لا ينفع فيه الندم.”

​كل كلمة كانت تنزل على قلبه كقطرات من الرصاص المذاب. سقط على ركبتيه، ودفن وجهه في يديه، وأطلق صرخة مكتومة شقت سكون الليل. “سامحيني يا بنتي.. حقك عليا يا نور عيني.. أنا اللي ق-تلتك.. أنا اللي سلمتك لجلادك بإيدي عشان خفت من كلام الناس!”.

كانت الأم في الغرفة المجاورة غائبة عن الوعي تقريباً، تعيش على المهدئات، بينما الأخ الأكبر “أحمد” جالس في زاوية الغرفة، يضرب رأسه في الحائط ندماً على اللحظة التي صدق فيها الكذبة ولم يقف درعاً لحماية أخته.

​في تلك الليلة، لم ينم محمود. مسح دموعه بخشونة، وقام متثاقلاً نحو غرفتها. فتح الباب، وجد سريرها مرتباً، مصحفها على المكتب، وملابسها تفوح منها رائحتها. أمسك بـ “طرحتها” البيضاء، ضمها إلى صدره، ورفع عينه للسماء قائلاً بلهجة حاسمة ووعيد يزلزل الجبال: “وعزة جلال الله، وحق كل قطرة وجع نزلت من عينكي وانتي مظلومة، ما هنام ولا يغمضلي جفن إلا لما أجيبلك حقك، وأخلي اللي افترى عليكي يتمنى الموت وما يطوله”.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى