قصص وروايات

ابنته وهي متبته في ايد ابيها

​الفصل الثاني: رحلة البحث في كومة قش

​في صباح اليوم التالي، قبل أن تطلع الشمس، كان محمود يقف أمام مركز الشرطة. دخل إلى مكتب المباحث، وقدم بلاغاً رسمياً مرفقاً بتقرير المستشفى الذي يثبت عذرية ابنته، ويوضح سبب الوفاة الحقيقي (انفجار كيس على المبيض وتسمم في الدم)، بالإضافة إلى ورقة وزارة الصحة التي تؤكد أن العيادة وهمية.

الضابط “طارق” نظر للرجل بحزن شديد وقال: “يا حاج محمود، قلبي معاك والله. النصاب ده اسمه الحقيقي ‘سيد عبد التواب’، وهو أصلاً ممرض مفصول من سنين بسبب سرقة أدوية، ومزور شهادة الطب. إحنا عممنا صورته، بس الأشكال دي زي الفيران، بتعرف تستخبى في جحور صعب نوصلها بسرعة.”

​لم يكن رد الضابط كافياً لإطفاء النار المشتعلة في قلب الأب. قرر محمود أن يأخذ زمام المبادرة. بدأ بالذهاب إلى الشارع الذي كانت فيه العيادة الملعونة. سأل البوابين، أصحاب المحلات، والجيران. الكل كان يقول نفس الكلمة: “يا فص ملح وداب يا حاج.. لم عزاله في نص الليل واختفى”.

لكن محمود لم ييأس. قاده بحثه المستميت إلى صيدلية صغيرة في آخر الشارع. الصيدلي هناك، بعد أن رأى حالة الأب المنهارة، تنهد وقال: “يا حاج، في بنت اسمها ‘سعاد’ كانت شغالة معاه تمرجية في العيادة، بس هو طردها من شهرين عشان شكت في طريقته. البنت دي من عزبة في أطراف البلد، يمكن تعرف عنه حاجة.”

​الفصل الثالث: خيط الأمل من رحم اليأس

​أخذ محمود ابنه أحمد، وانطلقا بسيارتهما المهالكة نحو العزبة التي تسكن فيها “سعاد”. بعد ساعات من السؤال في الدروب الضيقة، وصلا إلى بيت بسيط. خرجت سعاد، وحين عرفت القصة، بكت بحرقة وقالت:

“والله يا حاج أنا كنت حاسة إنه نصاب. كان بيكتب أدوية غريبة، وماعندوش حتى جهاز سونار شغال، كان حاطط جهاز خربان وبيعمل نفسه بيكشف بيه عشان يوهم الناس. سيد ده يا حاج مش من هنا، ده من محافظة تانية، وكان دايماً يجيله تليفونات من واحد صاحبه اسمه ‘مختار’ فاتح محل عطارة كبير في إسكندرية، منطقة العوايد. سمعته مرة بيقوله: ‘لو اللعب كشف هنا، هجيلك نفتح مركز أعشاب وحجامة عندك، السبوبة دي مابتخيبش مع الغلابة’.”

​لمعت عين محمود. الإسكندرية! منطقة العوايد!

شكر سعاد وأعطاها مبلغاً من المال، ثم نظر لابنه أحمد وقال: “على إسكندرية يا بني.. لو كان في سابع أرض هطلعه.”

​الفصل الرابع: مصيدة الذئب

​في الإسكندرية، قضى محمود وأحمد ثلاثة أيام متواصلة يمشطان منطقة العوايد المزدحمة. يسألان عن عطارة “مختار”، حتى وجداها. كانت عطارة ضخمة، وفي الطابق الذي يعلوها، لافتة جديدة براقة مكتوب عليها: “مركز الشفاء العاجل للطب البديل والحجامة والعلاج بالأعشاب – تحت إشراف الخبير سيد أبو النور”.

​تسمر محمود مكانه. الكلب غيّر اسمه من “سيد عبد التواب” إلى “سيد أبو النور”، وافتتح وكراً جديداً لاصطياد ضحايا جدد. كان الدم يغلي في عروق الأب، يده امتدت تلقائياً إلى قطعة حديد ثقيلة كانت في صندوق سيارته. كان يريد أن يصعد ويحطم جمجمته، أن يذيقه نفس الألم الذي شعرت به مريم.

لكن أحمد أمسك يد أبيه بقوة وقال وعيونه تفيض بالدموع: “يا بابا، لو قت*لته دلوقتي، هندخل السجن، والناس هتنسى اللي عمله في مريم، وهتبتكر إنه مجرد خلاف. إحنا لازم نعريه قدام الدنيا كلها، لازم نفضحه ونخليه يموت بالحيا زي ما موت أختي بالحيا.. لازم القانون والناس كلها تعرف حقيقته.”

​تراجع محمود، وأدرك أن ابنه على حق. الانتقام الحقيقي هو تجريده من كل شيء.

اتصل محمود فوراً بالضابط “طارق” في القاهرة، الذي تواصل بدوره مع مباحث الإسكندرية. تم الترتيب لعملية إيقاع محكمة.

​الفصل الخامس: المواجهة الكبرى

​في اليوم التالي، دخلت سيدة تابعة للشرطة السرية (تلعب دور مريضة) ومعها أحمد (على أنه شقيقها الأصغر). السيدة كانت تضع جهاز تسجيل وكاميرا دقيقة مخفية في حقيبتها.

دخلا المركز، وكان “سيد” يجلس خلف مكتب فخم، يرتدي عباءة بيضاء ويمسك بمسبحة، يوزع ابتسامات مزيفة.

بدأت السيدة تشتكي من آلام وهمية في البطن والمعدة. استمع إليها “سيد” بثقة مصطنعة، دون أن يجري أي كشف حقيقي، وقال بصلف: “دي عين وحسد يا بنتي، وعندك مشاكل في الرحم مانعة الخلفة.. بس علاجك عندي، تركيبة أعشاب وجلسات بـ 5000 جنيه، وهتبقي زي الفل.”

​هنا، تحدث أحمد بصوت يرتجف غضباً يحاول كتمانه: “وإنت متأكد يا دكتور؟ أصل إحنا رحنا لدكاترة كتير.”

رد سيد بضحكة سمجة: “يا ابني الدكاترة دول مابيفهموش حاجة، أنا هنا خبرة سنين، وبشخّص الحالة من نظرة عيني.”

​في هذه اللحظة، فُتح الباب بعنف.

دخل محمود كالإعصار، وخلفه قوة من المباحث.

توقفت الكلمات في حلق “سيد”، سقطت المسبحة من يده، واصفر وجهه كالموتى. لم يتعرف في البداية على محمود، لكن الأب اقترب منه بخطوات بطيئة، كل خطوة كانت تحمل ثقل جبال من القهر.

​أمسكه محمود من ياقة عباءته الفاخرة، رفعه من على الكرسي بقوة لا يعرف من أين أتت له، وصرخ في وجهه بصوت زلزل جدران المركز:

“بتبص لحالة من نظرة عينك يا مجرم؟! فاكر مريم؟! فاكر البنت الملاك اللي دخلتلك بتموت من الألم، وبكلمة واحدة منك، من غير ذمة ولا ضمير ولا علم، حكمت عليها بالإعدام؟! فاكر البنت اللي قهرت قلبها وقلبي بسبب جهلك وطمعك؟!”

​حاول “سيد” التملص، وبدأ يتلعثم: “يا حاج.. أنا.. أنا ماليش دعوة.. أنت مين؟!”

صفعه محمود صفعة دوت في المكان كله، جعلت الدم ينزف من فم النصاب، وقال: “أنا أبو مريم.. البنت اللي ماتت والتهاب كيس المبيض واكل جسمها عشان إنت أقنعتنا إنها حامل في الحرام! أنا الجحيم اللي ربنا بعتهولك عشان يخلص الناس من شرك.”

​قيدت الشرطة يدي “سيد” وسط ذهول المرضى الموجودين في الخارج. تم تفتيش المركز، ووُجدت أدوية منتهية الصلاحية، وأعشاب مجهولة المصدر، ودفاتر تثبت نصبه على مئات الضحايا، إلى جانب بطاقات مزورة بأسماء مختلفة.

​الفصل السادس: محكمة العدل.. الأرضية والسماوية

​انتشرت قصة “مريم” كالنار في الهشيم في كل وسائل الإعلام والصحف والبرامج التلفزيونية. تحولت مريم من “فتاة تحوم حولها الشبهات” إلى “أيقونة للظلم المجتمعي وضحية الجهل الطبي”.

الشعب كله كان يتابع القضية. وكيل النيابة طالب بأقصى عقوبة للمتهم، ليس فقط بتهمة النصب وانتحال صفة طبيب، بل بتهمة التسبب في القت*ل الخطأ، وتدمير سمعة وشرف فتاة بريئة.

​في يوم النطق بالحكم، قاعة المحكمة كانت مكتظة. وقف القاضي، بنظرة صارمة، وقال كلماته التاريخية التي نُقشت في قلوب الحاضرين:

“إن المحكمة نظرت في أوراق هذه القضية، فلم تجد فيها مجرد ج-ريمة نصب مادية، بل وجدت اغتيالاً معنوياً وجسدياً لروح بريئة. المتهم لم يسرق مالاً

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى