قصص وروايات

حكايات اسما السيد

قفل المخطوطة بهدوء وقال: “سواء كان حقيقي أو لا… لازم تتعامل معاه بعقل. الخوف أكبر عدو للإنسان.”

قلت: “بس مراتي قالت إنها مش بتعمل كده بإرادتها.”

هز رأسه وقال: “وده اللي خلاني أطلبك.”

سكت شوية قبل ما يكمل.

“في الحكايات القديمة كانوا بيقولوا إن فيه ناس بتصاب بلعنة، وتفضل تحاربها طول عمرها. وأنا مقدرش أجزم إن ده اللي بيحصل مع مراتك، لكن اللي متأكد منه إنك لازم تحميها وتحمي نفسك لحد ما نفهم الحقيقة.”

خرجت من المسجد وأنا دماغي هتنفجر من التفكير.

رجعت البيت.

لقيت يارا قاعدة في الجنينة، باصة للسماء.

أول ما شافتني وقفت.

وقالت: “كنت عند الشيخ.”

استغربت.

“عرفتي منين؟”

ابتسمت ابتسامة حزينة.

“أنا بحس.”

قعدت قدامها.

وحكيتلها كل اللي قاله.

فضلت ساكتة، وبعدها دخلت الأوضة، ورجعت وهي شايلة صندوق خشب صغير.

حطته قدامي.

وقالت: “أنا مخبياه من يوم فرحنا.”

فتحته.

كان جواه سلسلة فضة قديمة، ورسالة مكتوبة بخط باهت.

بدأت أقرا.

“لو وصلت الرسالة دي لحد، يبقى اعرف إن اللعنة بدأت ترجع. النجاة مش في الهروب… النجاة في معرفة أصلها.”

تحت الرسالة كان فيه اسم.

“ليلى.”

قلت ليارا: “مين ليلى؟”

قالت: “أمي.”

سألتها: “هي فين دلوقتي؟”

نزلت دمعة من عينها.

“اختفت… في نفس الليلة اللي شافتني فيها أول مرة أتحول.”

فضلت ماسك الرسالة.

وفي آخرها كان فيه عنوان لبيت قديم في قرية مهجورة على أطراف الجبل.

تاني يوم، بعد الفجر، قررت أروح هناك.

رغم اعتراض أمي، ورغم خوف يارا، ركبت حماري واتجهت ناحية الجبل.

الطريق كان طويل، وكل ما أقرب، البيوت تقل، لحد ما وصلت قرية مفيهاش غير بيوت مهدمة وسكون غريب.

وسط الخراب كان فيه بيت واحد لسه واقف.

بابه نص مفتوح.

دفعت الباب بإيدي.

طلع صوت صرير طويل.

دخلت بحذر.

التراب مغطي كل حاجة.

لكن كان واضح إن حد دخل المكان من فترة قريبة.

لقيت على الترابيزة فانوس قديم، وكوب شاي ناشف، وآثار خطوات خارجة من الأوضة الخلفية.

مشيت وراها.

أول ما وصلت آخر الممر، سمعت صوت ست كبيرة بتقول من الضلمة:

“اتأخرت يا حسن… كنت مستنياك من يوم ما اتجوزت يارا.”

اتجمدت مكاني.

وقبل ما أنطق بحرف، خرجت عجوز شعرها أبيض بالكامل، وكانت ماسكة في إيدها نفس التميمة المرسوم شكلها في المخطوطة.

بصتلي مباشرة وقالت:

لو عايز تنقذ مراتك… لازم تعرف الحقيقة اللي اتدفنت من أكتر من عشرين سنة.”فضلت واقف مكاني، وإيدي على الباب، وأنا مش عارف أدخل ولا أرجع. العجوز كانت بتبصلي بثبات غريب، كأنها عارفة كل حاجة عني من قبل ما أولد.

قالت بهدوء: “متخفش… لو كنت عايزة أضرك، ماكنتش استنيت لحد ما تيجي برجليك.”

دخلت بحذر.

قفلت الباب ورايا.

البيت من جوه كان أقدم بكتير مما توقعت.

ريحته خشب قديم وأعشاب ناشفة.

وعلى الحيطان كانت معلقة صور باهتة لناس معرفهمش.

لكن صورة واحدة شدت انتباهي.

كانت صورة يارا.

بس مش وهي كبيرة…

وهي طفلة عندها يمكن عشر سنين.

واقفة جنب أمها.

وجنبهم نفس العجوز اللي قدامي.

قلت باستغراب: “إنتِ تعرفي يارا من زمان.”

ابتسمت.

وقالت: “أنا الداية اللي ولدتها.”

سكتت لحظة.

وبعدين كملت: “وأنا آخر واحدة شافت أمها قبل ما تختفي.”

قعدت قدامها.

وقلت: “قوليلي الحقيقة.”

تنهدت تنهيدة طويلة.

وقالت: “الحقيقة إن يارا طول عمرها كانت مختلفة.”

“لكن مش بالشكل اللي إنت فاكره.”

بصيتلها باستغراب.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى