
أنا عارف تمامًا إن العنوان وحده كفيل يخلق ناس كتير تهاجمني وتحكم عليّ من غير ما تقرأ سطر واحد، وأنا مقدّم هذا الكلام وأنا كلي يقين إن اللي حصل كان فوق طاقتي، وإن اللي فكرت أعمله كان في الأصل طريقًا لا ينبغي لي أن أسلكه أبدًا. لكن أقسم بالله العلي العظيم، ما كنت سعيت لهذا الطريق إلا حين ضاقت بي كل السبل، وحين رأيت بيتي ينهار حجرًا فوق حجر، ولم يبقَ في يدي حيلة ولا في قلبي صبر يحتمل ما أشوفه كل يوم. كل اللي كان يشغل بالي في تلك اللحظات هو بيتي وأولادي، وكيف أجمع شملهم وأرد لهم أمهم، ولم يكن أمامي أي طريق واضح أقدر أمشي فيه، فدفعتني المرارة والضياع إلى طريق ظننتُ آخره الخلاص، ولم أعلم أن بدايته كانت
نهاية كل شيء كنتُ أعرفه.
-
ضرتى خلفتها بناتمنذ 18 ساعة
-
عشر فتياتمنذ 18 ساعة
-
حسن الكوري للكاتب/ أحمد محمود شرقاويمنذ 18 ساعة
-
تظاهري بانك زوجتي حكايات محمد نورمنذ 18 ساعة
بدأت القصة حين حدث الخلاف الكبير بيني وبين زوجتي، الخلاف الذي لم نجد له حلًا ولا مخرجًا، حتى افترقنا وهي في أشد الحال، وبقيتُ أنا أنظر إلى أولادي وهم يسألونني في كل وقت بابا، فين ماما؟ ليه مش جاية؟ فتمزق قلبي وأنا لا أملك لهم جوابًا يرضيهم ولا يرضيني. حاولنا كل وسيلة ممكنة، تقربنا، تكلمنا، سألنا الحكم والناس، وكل واحد كان يوجهنا لطريق غير الطريق، حتى ضاعنا في الكلام وكثرت الأقوال وقلّ الفعل.
وفي يوم، قال لنا شخص نثق به ونعرفه بالصدق أعرف رجلًا صالحًا، أمينًا، معروفًا بين الناس بالحكمة والالتزام، يسعى بين الناس بالإصلاح لا لغرض ولا منفعة، ولو لقيتوه ربما وجدتم عنده مخرجًا وفراجًا. في البداية رفضت الفكرة تمامًا، وقلت في نفسي مستحيل أدخل نفسي
في أمر كهذا، أمر لم أعتده ولم أتخيل يومًا أنني سأحتاج إليه. لكن كل يوم يمر وأنا أرى دموع أولادي وأرى زوجتي من بعيد وهي مکسورة الخاطر، أشعر وكأن الدنيا تضيق بي حتى لا تسعني، وكأن الجدران تُقام حولي وتُحكم إغلاقها شيئًا فشيئًا.
وبعد ليالٍ طويلة من التفكير والقلق والدموع، قلت لا بأس من اللقاء، سأسمع منه على الأقل، ولن أخسر شيئًا. فاتفقنا على أن نذهب إليه، والرجل الذي دلّنا عليه قال لنا هو يعيش وحيدًا في بيت قديم، لا يختلط بالناس كثيرًا، وقد اشترط أن تكون اللقاء في بيته هو، فلا تتأخروا ولا تُكثروا الكلام مع غيره.
وفي اليوم الموعود، خرجتُ أنا وزوجتي، ومشينا طريقًا طويلًا بعيدًا عن وسط المدينة، وطول الطريق صمتٌ لا يقطعه إلا صوت خطواتنا ودقات قلوبنا. كل واحد منا غارق في أفكاره، خائڤ من المجهول، متردد في الخطوة التي نقدم عليها، لكننا كنا مدفوعين برجاءٍ ضئيلٍ بأن هذا اللقاء قد يعيد لنا بيتنا الذي كاد يضيع.
الفصل الثاني في بيت العجوز.. لقاء تغيّر فيه مجرى حياتنا
وصلنا إلى الحي القديم، ثم إلى بيتٍ قديمٍ جدًا، تبدو عليه علامات السنين الطويلة، جدرانه عتيقة، وأبوابه خشبية عريقة، وكأنه يقف هناك منذ مئة عام أو يزيد. طرقنا الباب برفق، وفتح لنا رجلٌ كبيرٌ في السن، شعره أبيض بالكامل كالثلج، وجهه يحمل ملامح الحزن العميق الذي لا يُعرف سببه، وعيناه نظراتٌ ثاقبة وكأنها ترى ما لا يراه غيرها. رحب بنا بهدوءٍ شديدٍ وصوتٍ خافتٍ عميق، ودعانا للدخول دون أن يُكثر من الكلام.
دخلنا البيت، وبدا لي كل شيء فيه مرتبًا وبسيطًا، لا زينة ولا زخارف، وإنما هيبةٌ
وسكينةٌ تغمر المكان. جلسنا، وبقيتُ أتأمل الرجل وهو يجلس أمامنا، ينظر إلينا بنظراتٍ طويلةٍ صامتة، وكأنه يدرس ملامحنا ويتأمل وجوهنا بتركيزٍ غريبٍ جعلني أشعر ببعض الارتباك، لكنني قلت في نفسي هو رجل حكيم، وهذه عادته مع الناس.
ثم حدث الشيء الذي جعلني أتساءل في تلك اللحظة هل أنا في حلم أم في يقظة. حين رفعت زوجتي عينها ونظرت إليه، تغير لون وجهها فورًا، وارتجفت جفونها، وبدت عليها علامات الذهول والصدمة، وكأنها رأت شيئًا لم تتوقع رؤيته أبدًا. قلت في نفسي لعلها خاڤت من الموقف، أو لعل المكان أثر فيها، فحاولتُ أن أطمئنها بنظرة، لكنها لم تلحظني، بل ظلت تنظر إليه وكأنها لا تُصدق ما تراه عيناها.
بقينا صامتين لحظات، ثم كسر الرجل الصمت وسألها بصوتٍ هادئٍ لكنه يحمل شيئًا من الارتجاف ما اسمكِ يا بنيتي؟ فأجابته باسمها، وما
زالت نظراتها لا تفارق وجهه. سألها مرة أخرى واسم أمكِ؟ فما إن سمع اسم أمها يخرج من فمه، حتى رأيت يده التي تمسك كوب الشاي ترتجف بشدة، وفجأة انزلق الكوب من بين أصابعه وټحطم على الأرض صوتًا عاليًا ملأ المكان.
لم يلتفت إلى الكوب المكسور، ولم يحرك ساكنًا، بل بقي مُحدقًا في وجهها، وتجمدت ملامحه، وبدأت الدموع تتلألأ في عينيه وتنحدر على وجنتيه ببطء، وكأنه يرى شيئًا فُقد منذ زمنٍ طويلٍ جدًا وعاد إليه فجأة بلا موعد.
وقفتُ متعجبًا، قلت في نفسي لعل القصة التي حكاها لنا أثرت فيه، أو لعل رأى في وجهها ما ذكره ببعض الناس، فأثر عليه واشتد حزنه. لكن ما حدث بعد ذلك جعلني أدرك أن هناك شيئًا أكبر بكثير مما أتخيل، وأن هذا اللقاء لم يكن صدفة أبدًا.
نظر إليّ الرجل وقال بصوتٍ حازمٍ رغم ما فيه من دموع أرجوكم.. اسمحوا لي أن أتكلم معها وحدها.. خمس دقائق فقط.. لا أكثر.. فالأمر جدّ مهمّ وخطېر.
ترددتُ في البداية، وقلت كيف أتركها وحدها مع رجلٍ لا أعرفه؟ لكنه أضاف بصوتٍ يطلب مني العون ثق بي.. خمس دقائق.. ولن تتأخرا عنكم لحظة.. ثم تكونون أحرارًا. فتراجعتُ خوفًا من ردّه، وقلت في نفسي سأنتظر خارج الباب، ولن أبتعد عنه أبدًا.
خرجتُ وجلستُ في الممر الخارجي، وكل دقيقة تمرّ كأنها ساعة طويلة، وأنا أنظر إلى الساعة بقلقٍ بالغٍ وتساؤلاتٍ لا تنتهي. ماذا يقول لها؟ ولماذا بكى حين سمع اسم أمها؟ وما هذا الشيء المهم الذي يجمعه بها ولا يجمعني أنا؟
وفجأة.. سمعت صوت بكاءٍ عالٍ يندفع من داخل الغرفة، بكاءً مُرًّا يقطع القلب، تلا ذلك صرخةٌ مدويّةٌ هزّت المكان بأكمله، صړخة اڼفجرت من أعماق الروح تحمل كل ما مرّ من سنين وألمٍ وفراقٍ ودهشة.
قمتُ أجري نحو الباب بكل قوتي، ودفعتُه فوجدته مُقفلاً من الداخل. ضربتُ الباب بيدي وصرختُ باسمها مراتٍ وقلت افتحوا الباب! ما الذي حدث؟ أأنتِ بخير؟ ولم يأتِ جوابٌ سوى البكاء المتواصل الذي يزداد ويشتدّ.
مرت ثوانٍ كأنها دهور، ثم فُتح الباب ببطء.. وخرجت زوجتي.. شاحبة الوجه، مُنتفخة العينين، دموعها ټغرق وجهها بالكامل، وتمسك بملابسي بقوةٍ وارتجافٍ شديدٍ وكأنها عادت من عالمٍ آخر لا يُشبه عالمنا.
نظرتُ إليها بقلقٍ وذهولٍ وقلت تكلّمي.. أخبريني.. ماذا حدث؟ من هذا الرجل؟ وما الذي قاله لكِ؟
لم تُجبني بكلمةٍ واحدة، بل هزّت رأسها باضطرابٍ وخوفٍ شديدٍ، وقالت بصوتٍ متقطعٍ لا يكاد يُسمع نمشي.. هيا نمشي من هنا.. فورًا.. ولا تنظروا خلفكم أرجوكم.. بسرعة.. بسرعة.
كادت تجرّني من يدي لتخرجني، وفي تلك اللحظة بالذات.
خرج الرجل ووقف على عتبة الباب، ونادى عليها بصوتٍ خافتٍ مليءٍ بالحنان والدموع.. ناداها باسمٍ صغيرٍ جدًا.. اسمًا كانت تناديها به أمها حين كانت طفلةً صغيرةً لا تتجاوز السادسة من عمرها.. اسمًا لم تُخبر به أحدًا قط في حياتها.. لم تعرفه أنا ولا غيري.. لم يُسمعه أحدٌ سواها وسوى أمها التي رحلت منذ سنين.
وقفت زوجتي في مكانها وكأنها أصيبت بصاعقة.. تجمدت قدماها على الأرض.. لم تقدر على الحركة ولا على التنفس.. وبعد لحظة التفتت إليّ بوجهٍ مُشرقٍ بالدموع ومُصدعٍ من الصدمة، وقالت بصوتٍ متهدجٍ وكأنها لا تُصدق ما تقوله
مستحيل.. مستحيل يكون على قيد الحياة.. إنه.. إنه أبي.. إنه والدي الذي اختفى من أكثر من ثلاثين سنة.. والجميع ظنوا أنه ماټ.. الجميع ظنوا أنه رحل.. وها هو.. ها هو هنا.. أمامنا..
الفصل الثالث الصورة القديمة.. شهادة الزمن التي لا تُكذّب
بينما كنتُ واقفًا مذهولًا لا أصدّق كلمةً سمعتها، تقدّم الرجل خطوةً واحدةً نحونا، ومدّ يده من جيبه وأخرج منها صورةً قديمةً جدًا، صفراء اللون بفعل السنين، حوافها بالية، وكأنها مرّ عليها نصف قرن من الزمان. مدّها إلينا بيدٍ ما زالت ترتجف، وقال بصوتٍ يملؤه الحنان والأسى انظروا.. هذه هي الحقيقة.. هذه هي الشهادة التي لا يُمكن أن تُكذّب..
أخذتُ الصورة بيدٍ مرتجفة، ونظرتُ إليها.. وكانت الصدمة أكبر وأعظم مما كنا نتخيل أو نحلم. في الصورة، رأيتُ هذا الرجل في شبابه، بجانب امرأةٍ جميلةٍ تُشبه زوجتي تمام الشبه، وفي أحضانهما طفلةٌ صغيرةٌ تحمل نفس الملامح ونفس العينين.. إنها زوجتي.. وهي لم تتجاوز العامين من عمرها.. بجانب أبيها وأمها.. صورة التُقطت قبل أن يختفي بثلاثين عامًا.. صورة لا يملكها إلا هو.. ولا يعرف بوجودها
أحدٌ سواه..
سقطت الصورة من يدي.. ووقفتُ أنظر إليه وإليها.. لا أدري أأحلم أم أن هذا حقيقةٌ لا تصدّق.. نظرتُ إليه وقلت بصوتٍ بالكاد يخرج من حلقي أنت.. أنت والدها.. أنت من اختفى فجأة قبل ولادتها بسنواتٍ وعاد اليوم.. في هذا البيت.. وفي هذا اللقاء..
بكى الرجل وأومأ برأسه.. وقال بصوتٍ عميقٍ يحمل ثقل السنين نعم.. أنا هو.. أنا من ظنّ الجميع أنه ماټ أو فُقد.. أنا من ترك طفلته وهي لم تُكمل السنة وعاد ليراها بعد ثلاثين عامًا.. ولم أتخيّل أبدًا أن اللقاء سيكون بهذا الشكل.. ولم أتخيل أن ابنتي ستأتي إليّ تبحث عن حلٍ لشيءٍ ما.. لتجدني أنا.. أبوها الذي حرمت منه طوال هذه السنين..
الفصل الرابع السرّ الذي أخفاه ثلاثين عامًا.. لماذا اختفى؟ ولماذا عاد؟
دعانا للدخول مرةً أخرى.. ودخلنا هذه المرة بقلوبٍ تضطرب وعقولٍ لا تستوعب ما يحدث.. جلسنا، وبدأ يروي لنا قصته من أولها لآخرها.. بكل صدقٍ وألمٍ ودموعٍ.. قال لنا
قبل ثلاثين عامًا، كنتُ أعيش مع زوجتي وابنتي.. في بيتٍ مليءٍ بالسعادة والفرح.. لم يكن ينقصنا شيءٌ سوى أن نعيش بسلام.. لكن.. كان هناك من يكره لنا هذه السعادة.. كان هناك من خطط ليُبعدني عن زوجتي وابنتي.. واتهموني بتهمةٍ باطلةٍ لم أقترفها.. وهددوني إن لم أغادر فورًا فسوف يُسجنونني ويُفقرون أهلي ويُؤذون طفلتي التي لم تُكمل السنة.. فخفتُ عليهم.. واضطررتُ للاختفاء فجأة.. دون أن أخبر أحدًا.. دون أن أودعهم.. دون أن أترك رسالةً أو كلمة.. خشيتُ أن يُعثروا عليّ فيُؤذوهم.. فابتعدتُ وعشتُ في مكانٍ بعيدٍ لا يعرفه أحد.. وكنتُ أتابع أخبارهم من بعيد.. أدفع لهم المال دون أن يعرفوا من أين يأتي.. أحرص على راحتهم وأنا بعيدٌ عنهم.. خائفٌ أن أظهر فيُعرف مكاني
فيُصيبهم سوء..
بكى وأكمل بصوتٍ مُتقطع وكل سنة تمرّ وأنا أقول العام القادم سأعود.. العام القادم سأحتضن ابنتي.. لكن الخۏف تملّكني.. والسنون مرّت سريعًا.. وكبرت الطفلة.. ورحلت أمها.. وبقيتُ أنا هنا.. وحيدًا.. أندم على ما فعلتُ.. وأنتظر فرصةً قد لا تأتي.. حتى جاءتني اليوم.. جاءتني ابنتي بنفسها.. تبحث عن حلٍ لمشكلتها.. فوجدتني.. ووجدتها.. وهكذا شاءت الأقدار أن نلتقي.. ولو بعد حين..
الفصل الخامس الصدمة الثانية.. حين اتضح كل شيء ولم يبقَ مجال للشك








