تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

المحلل ل الهواري

بينما هو يروي قصته، كانت زوجتي تبكي بلا انقطاع.. تقترب منه وتتراجع.. تمدّ يدها لتلمسه ثم تُعيدها خجلاً وخوفًا.. وكأنها لا تُصدّق أن هذا الرجل الذي طالما حلمت برؤيته وتخيلت شكله في مخيلتها منذ كانت صغيرة، هو الآن أمامها.. يبكي مثلها.. ويقول لها سامحيني يا بنيتي.. سامحيني

لأنني تركتكِ وحدكِ.. سامحيني لأنني حرمتكِ من حنان الأب.. لم يكن بيدي حيلة.. لم يكن بيدي حيلة..

ثم الټفت إليّ وقال بجديةٍ وحزمٍ لم أتوقعه وأنتِ يا ابنتي.. جئتِ تبحثين عن حلٍ لمشكلتكِ مع زوجكِ.. جئتِ تبحثين عن مُصلحٍ ليجمع شملكم.. فوجدتِ أباكِ.. وأنا أقول لكِ الآن.. إن زوجكِ هذا.. يستحقّ منكِ أن تصبري معه.. وتُحسني إليه.. لقد جاء إليكِ بنفسه.. يبحث عن سعادتكِ.. ېخاف على بيتكِ وأولادكِ.. وهذا نادرٌ في الزمان.. فلا تُفرّطي فيه.. ولا تُفرّطي في بيتكِ..

نظرتُ إليه وإليها.. وفهمتُ كل شيء.. فهمتُ لماذا اختارنا الله لهذا الطريق بالذات.. ولماذا دلّنا الناس عليه هو تحديدًا.. لم يكن صدفةً أبدًا.. بل كانت تدابير السماء التي شاءت أن نصل إليه في هذا اليوم بالذات.. ليكشف لنا السرّ القديم.. وليعيد لزوجتي أغلى ما فُقد منها..

وليكون هو المُصلح الذي جئنا نبحث عنه.. أبوهاأبوها الحقيقي.. الذي ظنّ الجميع أنه ماټ.. وعاد ليكون سبب جمع شملنا من جديد.

الفصل السادس الاعتراف.. حين اجتمعت القلوب بعد ثلاثين عامًا

بقينا في بيته ساعاتٍ طويلةٍ لا نشعر بمرور الوقت.. كان يُروي لنا من حياته وقصصه ما يملأ القلوب عجبًا.. وأخبرنا بكل ما فعلته من أجلها ومن أجل أمها طوال هذه السنين.. كيف كان يرسل لهم المال والهدايا بأسماءٍ مستعارةٍ.. كيف كان يتنقل ليرى ابنتي من بعيدٍ وهي تذهب إلى المدرسة وتكبر عامًا بعد عامٍ.. كيف حضر زفافها ووقف في الخفاء يبكي فرحًا وأسىً دون أن تشعر بوجوده.. وكيف علم بمشكلتنا فلم يتردد لحظةً حين سمع باسمه واسم أمها.. وعلم فورًا أنها ابنته..

قالت له زوجتي والدموع لا تفارق عينيها طوال عمري كنتُ أدعو الله أن يجمعني بك.. كنتُ أقول يا رب

إن كان أبي حيًا فأعده إليّ.. وإن كان ميتًا فارحمه.. ولم أتخيل أبدًا أن تُجيبني في هذا اليوم.. وفي هذا المكان..

قال لها وهو يحتضنها لأول مرة في حياتها أنا كذلك يا بنيتي.. لم أتوقف يومًا عن الدعاء لكِ.. ولم أتوقف عن مراقبتكِ وحمايتكِ.. وها قد جمعنا الله بعد طول فراق.. ولن ننفصل أبدًا بإذن الله..

الفصل السابع العودة.. وما تغير في حياتنا بعد هذا اللقاء

عُدنا من بيته وقد تغير كل شيء.. لم نعد نحمل همّ المشكلة التي جئنا من أجلها.. فالمشكلة قد صغرت وضاعت في جانب هذه المفاجأة العظيمة.. ووجدنا أنفسنا أمام نعمةٍ أكبر وأعظم.. لقد عاد أبوها.. وعاد لنا من يُرشدنا ويُصلح بيننا ويقف بجانبنا..

زارناه في اليوم التالي.. وبدأ يأتي إلينا في بيتنا.. تعرف على أحفاده.. وملأ حياتنا دفئًا وحنانًا افتقدته زوجتي طوال ثلاثين عامًا.. وبينما

نجلس معه، كان يُصلح بيننا بكل حكمةٍ ومحبةٍ.. يُذكرني بحقها ويُذكرها بحقي.. ويُعطينا من النصائح ما يُقوّي علاقتنا ويُبعد عنّا الشقاق..

عرفنا حقيقته كاملة.. الرجل الذي كنا نبحث عنه ليُصلح بيننا.. هو نفسه والد زوجتي الذي اختفى قبل ولادتها بسنواتٍ.. هو نفسه الذي ظنّ الجميع أنه هلك في مكانٍ بعيدٍ.. هو نفسه الذي عاد ليردّ لابنته حقها.. وليجمع شمل عائلتها.. وليكون هو المُصلح الذي جئنا نطلبه من عند الله..

الفصل الثامن الحكمة التي علّمتنا إياها الأيام

بمرور الأيام، اتضح لنا أن كل ما حدث كان بتدبيرٍ إلهيٍّ بديع.. لم يكن شيءٌ منه صدفةً ولا عبثًا.. لقد ضاقت بنا السبل لندخل هذا الطريق بالذات.. لنتعرّف على هذا الرجل تحديدًا.. ليكشف لنا القدر سرًا ظلّ مخفيًا ثلاثين عامًا.. ولنرى

بأم أعيننا أن الله سبحانه وتعالى يُخرج الخير من حيث لا نحتسب.. ويفتح أبوابًا كنا نظنها مغلقةً للأبد..

علّمتنا هذه القصة أن ضيق الحال قد يكون بداية الڤرج.. وأن البحث عن الحق قد يقودك إلى أغلى ما فُقد.. وأن الصدفة التي تبدو عادية قد تكون في الحقيقة تدبيرًا من السماء.. وأن الله يؤجل ولا يُهمل.. وإن طال الفراق فإن اللقاء آتٍ لا محالة حين تشاء الأقدار.

الفصل التاسع الشفاء.. حين عاد الأب وعاد الاستقرار

لم تمضِ أسابيع حتى هدأت الأمور بيني وبين زوجتي.. لم نعد نحتاج إلى مُصلحٍ خارجي.. فالأب قد عاد، وبوجوده عادت الطمأنينة إلى قلبها، وعادت الحكمة إلى بيتنا.. أصبحتْ أكثر صبرًا ووعيًا، وأصبحتُ أكثر تفهمًا ورحمةً بها.. وكأن هذا اللقاء قد ملأ قلوبنا فراغًا كبيرًا كان

يُسبب الخلاف بيننا.. فما عاد هناك حاجة للخلاف.. ولا سبب للفراق..

كان يقول لنا دائمًا البيت يُبنى على الصبر والمودة.. وليس على الكبرياء والخلاف.. فتمسّكوا ببعضكما.. فالحياة قصيرة ولا تستحقّ أن تُضيع في الخصام..

وكانت كلماته كنزًا حقيقيًا.. نسترشد بها في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ.. فتحولت حياتنا من الشقاق والابتعاد إلى الوئام والاقتراب.. وعاد بيتنا مليئًا بالسعادة والدفء.. بوجوده وبوجود من نحبّ.

الفصل العاشر الخلاصة.. وما بقي محفورًا في القلوب للأبد

وهكذا انتهت قصتنا.. القصة التي بدأت ببحثٍ عن حلٍ لمشكلةٍ بسيطةٍ في نظر الناس.. لتنتهي باكتشافٍ عظيمٍ أعاد لنا أغلى ما فُقد.. أبوها الذي ظنّ الجميع أنه ماټ.. عاد ليكون هو المُصلح الذي جئنا نطلبه.. وليكون هو السبب في جمع شملنا من جديد..

وبقيت الكلمات الأخيرة التي قالها لنا أبونا محفورةً في أذهاننا لا ننساها ما حيينا ثقوا بتدابير الله.. فإنها وإن بدت بعيدة المنال فإنها تأتي في وقتها المناسب.. لا تيأسوا ولا تضيقوا.. فالله الذي جمعنا بعد ثلاثين عامًا قادرٌ على أن يجمع بين القلوب المتباعدة في لمح البصر.. فقط أخلصوا النية وتوكلوا عليه.. وسترون فرجه قريبًا حين لا تحتسبون..

وصدق والله.. لقد جاء الڤرج من حيث لا نحتسب.. وجاء اللقاء في الوقت الذي شاءه الله.. ولم يكن شيءٌ من ذلك ليحدث لو لم نتوكل عليه ونحن نعبر باب ذلك البيت العتيق.. حاملين قلوبًا مكسورةً تبحث عن حلٍ.. فوجدنا الحلّ والحبّ والأمان كلّه في شخصٍ واحدٍ.. ظنناه غريبًا.. فإذا به أقرب الناس إلينا.. وأحناهم علينا.

تمت بحمد الله..

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى