تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

سلفتي سكر حكايات روماني مكرم

تواصل حمايا وشريف مع المباحث فوراً وقدموا شهادة سيد الموثقة بالصوت والصورة، إلى جانب الاتصالات المسجلة التي حاول ابن عم نرمين بها توجيه سيد لتسهيل دخول البلطجية للمخزن. أعدت الشرطة خطة محكمة للقبض عليهم متلبسين في نفس الليلة التي تم تحديدها لتنفيذ الجريمة.

 

في الليلة الموعودة، كانت أعصاب البيت كله على المحك. جلسنا في الصالة ننتظر والوقت يمر كأنه دهر. سعاد كانت تتنقل بيننا، تصلي وتدعو وتطمئن رضوى المرتعبة، ولم تفقد ثقتها بالله لحظة واحدة. وقبل الفجر بساعة، اتصل شريف من أمام الورشة، ونقل الخبر السعيد: “تم القبض على البلطجية وابن عم نرمين وهم يقتحمون المخزن ومعهم جاليونات البنزين والمواد المحظورة! ونرمين تم استدعاؤها كمحرضة رئيسية والجريمة ثابتة عليهم بالصوت والصورة والتلبس!”

 

عندما عاد رجال البيت رفقة الشرطة بعد استكمال المحاضر وضمان حظرهم خلف الأسوار لسنوات طويلة، أشرقت الشمس على وجه البيت معلنة نهاية حقبة الرعب والغل إلى غير رجعة.

 

وقفت سعاد في منتصف الصالة، والشمس تداعب وجهها، ونظرت إلينا جميعاً بابتسامة النصر والعزة، ثم رفعت رأسها وأطلقت زغروطة هزت جدران البناية والشارع كله:

 

“لولولولولولولولولوي! يترد الكيد في نحر صاحبه، ويفضل بيتنا عامر بعزنا وضحكتنا وستر ربنا اللي ما بيتسحبش أبداً!”

 

احتضن الجميع بعضهم البعض بدموع الفرحة، وعادت البهجة الصافية تملأ الأركان، غير أن سعاد التفتت إليّ فجأة بابتسامة خبيثة ومبهجة وقالت: “استعدي يا بت.. الدور عليكي إنتي وجوزك، مشوار الحجاز قرب والفيزا طلعت!”

 

سادت حالة من الفرحة العارمة بين جدران البيت بعد أن انكشفت الغمة الأخيرة وضُبِط الجناة متلبسين بشر أعمالهم. لم تكن الفرحة هذه المرة مجرد ارتياح من أذى زائل، بل كانت نصرًا عزيزًا ورضاً كاملاً ألقى بظلاله على كل شبر في المكان. بدأت العائلة تستعيد طمأنينتها الأسرية، وعادت اللمات اليومية حول مائدة الطعام مليئة بالضحك والأحاديث الطيبة التي لا تخلو من تعليقات سعاد الفرفوشة وزغاريدها المبشرة كلما حدث أمر يسر الخاطر.

وفي صباح يوم مشرق، وبينما كنا نعد المشروبات في المطبخ ونتقاسم المهام اليومية بروح أسرية دافئة، دخل زوجي الصالة ووجهه يفيض بالبشر والسرور، يحمل في يده مظروفًا أنيقًا. ألقى السلام بنبرة حنونة مليئة بالشكر، واقترب مني أمام الجميع وهو يبتسم ابتسامة عريضة لم أرها على وجهه منذ فترة طويلة.

 

سأله حمايا باهتمام: “خير يا بني؟ إيه المظروف اللي في إيدك ده؟ شايف وشك منور ومبتهج على الصبح!”

 

فتح زوجي المظروف وأخرج منه الأوراق وهو ينظر إليّ بعيون مليئة بالمودة والامتنان: “الحمد لله يا أبا.. ربنا فتحها علينا بعد الصبر والدعاء، وأخيرًا تأشيرات الحج وأوراق زيارة بيت الله الحرام طلعت كاملة ومكتملة لي ولزوجتي! ده الفضل بعد ربنا يرجع لدعواتكم ولجدعنة سعاد اللي كانت دايماً تتفاءل وتدعي بالحجاز!”

 

هبط الخبر على قلبي كشلال من النور والدفء، وتجمدت حركتي لحظات من شدة المفاجأة والتأثر. كان حلم زيارة بيت الله الحرام يراودني منذ سنوات طويلة، وكنت أترقبه بلهفة ورجاء. دمعت عيناي خشوعًا وشكرًا لله، وقام حمايا من مكانه يحتضن زوجي ويدعو لنا بالقبول والسلامة.

 

في هذه اللحظة بالذات، نفضت سعاد يديها من العجين وقفت في وسط الصالة والسرور يملأ وجهها كأنه شمس أشرقت فجأة. انطلقت منها زغروطة مدوية هزت أركان البيت والشارع، زغروطة أطول وأقوى من كل ما سبق، تبعتها بدعوات حارة تخرج من أعمق نقطة في قلبها الطيب:

 

“لولولولولولولولولوي! ألف مبروك يا أختي يا حبيبتي! عقبال ما تطوفي حوالين الكعبة وتدعي لنا كلنا بالستر والعمار! يا بختك برضا ربنا وزيارة نبيه، ترجعي لنا بالف سلامة وغنيمة!”

 

اقتربت مني سعاد واحتضنتني بقوة، ودموع الفرح المتبادلة تملأ أعيننا. تذكرت على الفور يوم أن رتبت لها الثلاجة واحتضنتني قائلة إنها سترد لي الجميل حين أعود من الحجاز. رددت عليها ونفسي مليئة بالحب: “دا كله بفضل ربنا ثم نيتك الصافية يا سعاد، دعواتك وفرحتك هي اللي كانت فاتحة خير على البيت ده كله.”

 

خلال الأيام التي سبقت السفر، تحول البيت إلى شعلة من النشاط والبهجة استعدادًا لهذه الرحلة المباركة. كانت سعاد تتولى كل التفاصيل بنفسها؛ تشتري مستلزمات السفر، وتساعدني في تجهيز الحقائب، وتوصي الجميع بدعوات محددة أمام الروضة الشريفة. لم تترك شيئاً للصدفة، وكانت تبتكر الأفكار وتوزع الهدايا البسيطة على الجيران والمقربين لطلب العفو والدعاء.

وفي ليلة السفر، اجتمعت العائلة بأكملها في شقة حمايا؛ سلفي الكبير، وشريف وزوجته رضوى، والأبناء الكبار الذين تزينت وجوههم بالابتسامات. أقام حمايا جلسة ذكر ودعاء، وتناوب الجميع على إبداء المشاعر الطيبة وطلب الدعوات عند المشاعر المقدسة. كانت الشقة تضوع برائحة البخور والمسك، والجميع يعيش حالة من السكينة التي لم نذقها منذ زمن.

 

ولما حانت لحظة الخروج والتوجّه إلى المطار، وقفت سعاد عند الباب، ترتدي أجمل ثيابها، وتمسك في يدها قارورة ماء ورد رشّت منها على أيدينا وهي تقول بابتسامتها المعهودة: “مودعين برعاية الله وحفظه، لا تنسونا من صالح دعائكم هناك عند الملتزم وفي طوافكُم! وترجعوا تملوا علينا البيت بركة ونور!”

 

خرجنا من باب العمارة وسط دعوات الأهل والجيران، بينما كانت أصوات الزغاريد والتهاني تتردد في الشارع كله. انطلقت بنا السيارة ونحن ننظر إلى خلفنا نرى سعاد وحمايا وبقية العائلة يقفون صفاً واحدًا، يلوحون بأيديهم ووجوههم تفيض بالمحبة والرضا.

 

مقالات ذات صلة

 

سلفتي سكر حكايات رومانى مكرم 2

منذ ساعة واحدة

 

سلفتي سكر حكايات رومانى مكرم 1

منذ ساعة واحدة

 

أبويا طول عمره كلمته هي اللي تمشي2

منذ 3 ساعات

 

أبويا طول عمره كلمته هي اللي تمشي 1

منذ 3 ساعات

كانت هذه الرحلة بداية لفصل جديد كلياً، فصل ملؤه الإيمان والسكينة بعد طول ابتلاء وتماسك أسري ثاقب، غير أن العودة من الحجاز كانت تخبئ مفاجأة سارة أخرى لم تكن يخطر على بال أحد في العائلة.

 

مرّت الأيام المباركة في رحاب مكة والمدينة كأنها لحظات خاطفة من النعيم. طُفنا بالبيت العتيق، ووقفنا بجمال الرحمات على أرض عرفات، ورأينا الأنوار في الروضة الشريفة. لم تغب “سعاد” والبيت العتيق عن بالي ودعائي في كل سجدة وعند كل شوط؛ كنت أدعو الله أن يديم علينا هذا الستر، وأن يجزي سعاد عن صفاء نيتها وطيبة قلبها خير الجزاء، وأن يجعل هذا البيت حصناً منيعاً بالحب والود لا تطاله أيدي العابثين مجدداً.

 

وعندما حان موعد العودة، كانت قلوبنا تسبق أجسادنا إلى الشارع والبيت الذي غادرناه وهو ينبض بالسلام.

 

وما إن توقفت السيارة أمام باب العمارة في ساعة عصر مشمسة، حتى وجدنا الشارع قد تغيرت ملامحه؛ زينة معلقة، ورائحة البخور تملأ المكان، وأصوات التكبير والتناشيد تتردد من مكبرات الصوت. خرج حمايا يتقدم الرجال بابتسامته المهيبة، وشريف ورضوى وسلفي الكبير يرحبون بنا بأحضان دافئة ودموع الفرح تملأ الأعين.

أما سعاد.. فقد كانت تقف في منتصف الصالة، ترتدي عباءة بيضاء جديدة، وتضع على وجهها تلك الابتسامة الصافية التي أضاءت البيت لسنوات. وما إن وطأت قدمي الشقة، حتى رفعت يديها وأطلقت زغروطة طويلة، مبهجة، واهتزت لها جدران الشقة وأركانها:

 

“لولولولولولولولولوي! حمداً لله على سلامتكم يا حجاج بيت الله! نورتوا بيتكم ورجعتوا لنا بالبركة والنور والسرور!”

 

ارتفعت الأصوات بالتهليل، وجاءت سعاد ونفذت وعدها القديم؛ احتضنتني جامدًا وقالت وهي تضحك ضحكتها الرنانة: “رديتها لك أهو زي ما وعدتك وأكتر! نورتي بيتك يا أختي يا حبيبتي!”

 

جلسنا جميعاً في الصالة الكبيرة، وحولنا هدايا الحجاز والمياه المباركة، وسادت المكان حالة من السكينة والارتياح اللامحدود. لم يكن هناك أثر لغل، ولا حسد، ولا حقد؛ لقد طهر الله هذا البيت تماماً، وخرج منه كل من يحمل في قلبه شراً، واستقر فيه من يملك النية الصافية فقط.

 

نظر حمايا إلينا جميعاً، وكان وجهه يفيض بالرضا والوقار، وقصّ علينا المفاجأة السارة التي كانت تنتظرنا؛ فالورشة توسعت وفتحت فرعاً جديداً باسم العيلة، وشريف ورضوى رزقهما الله بالحمل المبارك، وسعاد افتتحت مشروعها الصغير للمأكولات المنزلية لتوزع منه على الفقراء والمحتاجين قبل أن تبيع منه للمقربين.

 

تبسمت سعاد وقالت بنبرتها الفرفوشة المعتادة: “أصل يا جماعة البيت ده مبني على الفرفشة والنية الطيبة، والنية الطيبة دي زي البذرة الصالحة، لو اتسقت بماء الود والجدعنة تطرح خير وما تموتش أبداً!”

 

أمّن الجميع على كلامها، وتأملت في كل ما مررنا به من محن وأزمات؛ من غيرة نرمين ومكرها، إلى المحاكم والقضايا والكيد الخبيث. وعرفت حينها الحكمة الكبرى التي يتلخص فيها سر هذه العائلة:

 

الحكمة:

 

إن القلوب الصافية والنيات الطيبة قد تُبتلى بالشرور والفتن، وقد تحاول النفوس المريضة كسر فرحتها أو تلويث ناصيتها، لكن المعدن الأصيل لا يصدأ، والبيت المعمور بالذكر والشهامة لا تهدمه أفاعي الغل. الفرفشة والضحك والجدعنة ليست مجرد قشور، بل هي قوة ورضا بالقدر وثقة مطلقة بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. والظلم مهما أظلم ليله، فإن فجر الحق لا بد أن يشرق ليجعل كيد الخائنين في نحورهم، ويبقى أهل الود والصفاء هم الفائزين في النهاية.

عاشت العائلة في رغد وأمان، وظلت زغاريد سعاد تتردد في جنبات البيت، تذكرنا دائماً بأن السعادة قرار، وأن الحب هو المحرك الأقوى الذي يحمي بيوتنا من كل سوء.

 

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى