تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

سلفي حكايات روماني مكرم

في أحد أيام الأسبوع الثاني من إقامتي في بيت أبي، اقتحمت حماتي ومعها اثنان من أقاربها الشارع الذي يقع فيه بيت أبي. بدأت تصرخ وتلطم وتستغيث بالجيران:

 

— تعالوا شوفوا يا ناس! البت الساحرة عملت إيه في ابني! منه وكتبتها باسمها، ورمت أمه وأخوه في الشارع! عملت له عمل عشان أمه وأخوه المديون!

 

تجمع أهل الحي، وخرج محمود من الورشة وهو يمسك بمفك حاد والشرر يتطاير من عينيه. لكن قبل أن يتكلم محمود أو يتدخل أحد من إخوتي، حدث ما لم يكن في الحسبان.

جاء صوت حاد وقوي من أخر الشارع

— أقفِ عندك يا أم حسن! ما تتكلميش عن الشرف والأمانة وأنتِ ابنك الصايع هاربان من الشرطة!

 

التفت الجميع، ليروا إبراهيم قادمًا بخطوات سريعة. لم يكن إبراهيم الذي ينصاع لكلام أمه؛ كان رجلاً أحرقه الندم وأعادت التجربة صياغته.

 

وقف إبراهيم بين أمه وبين بيت أبي، وقال بصوت هز الشارع كله:

 

— أنتِ جاية تعملي نمرة هنا يا أمي؟ جاية تتبلي على مراتي تاني بعد ما قدام البواب والجيران؟ الفلوس اللي كنتِ عايزة تسرقيها أنتِ وحسن عشان الكمبيالة، بقت باسم شيماء بحقها وكرامتها! وأخويا حسن اللي بتدافعي عنه، لو ما سلمش نفسه للشرطة في قضية الكمبيالة، أنا اللي هبلغ عن مكانه!

 

ذهلت حماتي، وتراجعت خطوتين للوراء وهي تصيح:

 

— بتبيع أمك وأخوك عشان خاطر البت دي يا إبراهيم؟

 

رد إبراهيم بجمود لم أره فيه قط:

 

— أنتِ اللي بعتيني لما جيتي تظلمي وليتي وتلبسيها تهمة سرقة وهروب! أنتِ وأخويا حسابه معايا انتهى. المصروف هتوصلك نفقته لحد باب بيتك، لكن خطوة واحدة ناحية شيماء أو بيتها تاني، هقاطعك ليوم الدين!

 

انفضت التظاهرة، وخرجت حماتي تجر أذيال الخيبة والفضيعة أمام أهل المنطقة كلهم، بعد أن انكشفت حقيقة ما فعلته هي وحسن.

 

أما حسن، فقد ضاقت عليه الأرض. صاحب الكمبيالات لم يرحمه، ورفض إبراهيم التدخل أو دفع جنيه واحد لإنقاذه. وبعد أسبوعين من التخفي، تم القبض على حسن في إحدى الكمائن أثناء خارج المحافظة، وأُودع السجن لتمضية عقوبته.

 

مرت الأيام، وكان إبراهيم يأتي كل ليلة لبيت أبي. لم يكن يجرؤ على الصعود دون إذن، بل كان يقف تحت النافذة في البرد، يحمل هدايا خفيفة أو بعض المأكولات، ويسلمها لمحمود، ثم يرجوه أن يلمحني من النافذة فقط.

 

كنت أقف خلف الستارة النصف مضاءة، أراقب هذا الرجل الذي كان يملك كل شيء فخسر كل شيء بسب السذاجة والشك، وكيف يحاول الآن جمع شتات نفسه. رايت فيه حزنًا حقيقيًا وتغيرًا جادًا، لكن قلبي كان ما زال يحمل أثر تلك الخبطة في الكومودينو، ورائحة البرد التي شعرت بها وأنا ملقاة حافية في السلم.

 

ومع اقتراب نهاية الشهر الخامس، حدث أمر غير متوقع، قلب الطاولة مرة أخرى وجعل الجميع في مواجهة الاختبار النهائي…

كانت الليلة الأخيرة من الشهر الخامس أشبه بهدوء قبل العاصفة. لم أكن أعلم أن القدر يخبئ لي اختبارًا أخيرًا ليكشف المعادن على حقيقتها، وينزع أي شك كان ما زال يتسرب إلى قلبي.

في تلك الليلة، وبينما كان أخي محمود يعود من ورشته في وقت متأخر، سقط أرضًا بجلطة دماغية مفاجئة ناتجة عن الإجهاد والضغط العصبي الشديد الذي عاشه طوال الأشهر الماضية. تحول البيت الهادئ في لحظات إلى صراخ ونحيب، ووقفت أمي تصيح بذهول وأبي يتحرك بوهن وعكازه يرتجف في يده.

 

في غمضة عين، وُجدنا في الشارع في منتصف الليل ننتظر سيارة إسعاف لم تأتِ، وأنا أقف عاجزة تمامًا أرى أخي والسند الوحيد لي يصارع الموت أمامي.

في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كنا نغرق في العجز، ظهر إبراهيم!

 

لم أكن قد استدعيته، لكنه كان كعادته كل ليلة يراقب الشارع من بعيد ليطمئن على وجودنا. بمجرد أن رأى التجمع والصراخ، ركض إلينا كالمجنون. لم يسأل ماذا حدث، بل حمل محمود على ظهر دون أن ينتظر أحداً، وركض به نحو سيارته التي استأجرها حديثًا، وصرخ فينا:

 

— اركبي يا شيماء! اركب يا حاج! محمود هيبقى كويس والله العظيم!

 

خلال تلك الليلة المرعبة في المستشفى، رأيت إبراهيم الذي لم أكن أعرفه؛ تحول إلى أسد يذود عن عائلتي. فتح أبواب المستشفى بماله وحضوره، وجلب كبار الأطباء، وظل واقفًا على قدميه طوال ثماني عشرة ساعة متواصلة دون أن يذوق طعم النوم أو قطرة ماء. كان يمسك بيد أبي الكبيرة، ويقبّلها ويعده بدموع صادقة:

 

— محمود أخويا يا حاج مصطفى، وحق ربنا لو احتاج قلبي لأشيله من صدري وأديهوله!

 

حين خرج الطبيب ليؤكد أن محمود تجاوز مرحلة الخطر بفضل سرعة نقله ورعايته في الساعات الأولى، انهار إبراهيم ساجدًا على أرض المستشفى يبكي بحرقة وشكر لله.

 

في تلك اللحظة بالذات، انكسر الجزء الأخير من الجدار الجليدي في قلبي. رأيت في عينيه الندم الذي تحول إلى شهامة، والتسرع الذي انثقل إلى رجولة حقيقية تُعتمد في الشدائد. لم يكن يمثل، ولا كان يحاول كسب رضايا، بل كان يفعل ذلك لأنه أدرك أخيرًا معنى أن يكون “سندًا” للبيت وللأهل.

 

مر أسبوع آخر، واسترد محمود عافيته وعاد إلى البيت على قدميه. وكان أول ما فعله أخي محمود بعد أن استجمع قوته، هو أن أمسك بيدي وأخذني إلى صالة بيتنا حيث كان أبي وإبراهيم يجلسان.

نظر محمود إلى إبراهيم وقال له بصوت نابع من القلب:

 

— أنت شلتني على ظهرك وقفت جنبي في موتي يا إبراهيم… الراجل اللي يظهر في الشدة بالشكل ده، يأتأمن على روح أخته وهو مطمن.

 

التفت أبي إليّ، وابتسامة هادئة تعلو وجهه الطيب:

 

— الست شهور خلصوا يا شيماء… وأظن إبراهيم دفع ثمن غلطته وزيادة، وأثبت إنه راجل يصون ويحمي. القرار قرارك يا بنتي.

 

نظرت إلى إبراهيم. كان يقف حابسًا أنفاسه، ويداه ترتجفان بانتظار الكلمة التي ستحدد مصير حياته. رأيت في وجهه شحوب الأيام الماضية، ورأيت نضجًا جديدًا خطته التجارب والقسوة.

 

ابتسمت ببطء، وقلت بصوت هادئ ومستقر:

 

— أنا جاهزة أرجع بيتي يا إبراهيم… البيعة كملت، والدرس اتعلمناه كلنا.

 

في اليوم التالي، كانت العودة مبهجة كأنها حفل زفاف جديد. لم أعد إلى البيت مكسورة أو مجبرة، بل عدت مالكة للشقة بعقد رسمي، ومالكة لكرامتي وشرفي أمام الشارع كله.

 

دخلت الشقة التي شهدت الظلم والصرخات، لكنها هذه المرة كانت تعبق برائحة البخور والورد. وقف إبراهيم عند الباب، وأصرّ ألا أطأ العتبة بقدمي، بل حملني بين يديه وأدخلني إلى الصالة وهو يبتسم بدموع الفرح.

 

وضعني على الأريكة، وجثا على ركبتيه أمامي، وأخرج من جيبه علبة مخملية صغيرة، فتحها ليريني مصاغي الذهبي بالكامل، ومعه قطعة ذهبية جديدة ثقيلة أشتراها لي ليجبر بها خاطري.

 

وقال وهو ينظر في عيني بصدق مطلق:

 

— ده مش عشان أشتري خاطرك يا شيماء… ده عشان أفكرك كل يوم إنك جوهرة بيتي، وإن اللي يفرط فيكِ ما يستاهلش يعيش.

 

عادت الحياة إلى مجاريها، لكن بأسس جديدة لا تتزعزع.

 

حسن قضى عقوبته في السجن، وخرج منها مكسورًا لا يجرؤ على رفعه رأسه في المنطقة، واضطر للعمل في مكان بعيد ليقتاد يومه. وأمه عاشت بقية أيامها في عزلة وندم، تدرك أن قسوتها وجشعها حرمها من الدفء واللمة، وكانت ترى من بعيد كيف أصبحتُ أنا الآمرة والناهية في بيت ابنها الكبير بفضل الله وحكمتي.

 

أما إبراهيم، فقد أصبح السد المنيع الذي يحميني من كل سوء. تعلم أن العقل والتروي هما أساس الرجولة، وأصبح يحسب ألف حساب لكل كلمة قبل أن تنطق بها شفتاه.

 

وبعد عام واحد من تلك الأحداث، أشرقت شقتنا بصرخات طفل صغير أسميناه “محمود”، ليكون شاهدًا على أن البيت الذي يبنى على الصبر، وكرامة المرأة، والعدل… لا تهدمه رياح الظلم مهما بلغت قسوتها.

تتجلى الحكمة من هذه القصة في عدة دروس إنسانية واجتماعية بالغة الأهمية:

 

* الأمانة لا تضيع وصاحبها لا يُخزى:

 

التمسك بالأمانة والشرع ومخافة الله – حتى في أشد لحظات الخوف والضغط – يمنح الإنسان قوة وثباتاً، ويجعل الله له فرجاً ومخرجاً مهما حِيكت ضده المؤامرات.

 

* التثبت والتروي قبل الحكم على الآخرين:

 

التسرع والانقاد وراء العاطفة أو كلام الأقارب دون تثبت وتبين يتسبب في دمار البيوت وهدم العلاقات. الظن والشك السريع يُعميان العقل عن رؤية الحقيقة ويقودان إلى الندم الشديد.

 

* الكرامة وحفظ الحقوق شرط أساسي لاستمرار العلاقة:

 

التسامح جميل، لكنه لا يعني الاستكانة أو إهدار الكرامة. وضع الحدود الصارمة واسترداد الحقوق والثبات عند الموقف هو ما يجبر الآخرين على احترام الشخص وعدم تجرؤهم عليه مجدداً.

 

* الرجولة أفعال ومواقف في الشدائد:

 

الرجولة الحقيقية ليست بالسلطة أو الغضب أو فرض الرأي، بل هي بالقدرة على حماية أهل البيت، والتراجع عن الخطأ بشجاعة، والوقوف بسند حقيقي وقت الأزمات والشدائد.

 

* عاقبة الظلم والجشع وخيمة:

 

الظلم والافتراء والطمع في حقوق الآخرين (كما فعل حسن وأمه) لا يجلب سوى الفضيحة والانكسار وزوال البركة، والجزاء دائماً من العمل.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى