تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

جوزي نسي

كان الصبح عادي جدًا… أو على الأقل ده اللي افتكرته أول ما صحيت.

أنا وجوزي كريم متجوزين بقالنا تسع سنين. طول عمرنا الناس كانت بتقول إننا مثال للثقة، والحقيقة إن عمري ما فتشت وراه، ولا فتحت موبايله، ولا حتى سألته رايح فين أو جاي منين. كنت دايمًا مؤمنة إن اللي بينا أكبر من أي شك.

الصبح ده كنت واقفة في المطبخ بجهز الفطار، وهو فوق بيغير هدومه عشان ينزل شغله.

وأنا بحط القهوة في المجات، لمحت ساعته السمارت مركونة على الشاحن.

استغربت…

كريم عمره ما بينزل من غيرها.

قبل ما أنادي عليه، شاشة الساعة نورت بإشعار جديد.

امبارح كان أحلى يوم.

وقفت مكاني.

الجملة كانت قصيرة جدًا… لكن وقعت على قلبي تقيلة.

مفيش اسم، ولا صورة، ولا أي حاجة تعرفني مين اللي بعتها.

فضلت باصة للساعة ثواني، يمكن يظهر إشعار تاني يوضح المقصود… لكن الشاشة طفت تاني.

حاولت أقنع نفسي إنها رسالة عادية.

يمكن من زميل في الشغل بعد ما خلصوا مشروع.

يمكن من حد من العيلة بعد مناسبة.

يمكن حتى جروب واتساب.

لكن عقلي، لأول مرة من سنين، رفض يقتنع بسهولة.

افتكرت إنه امبارح رجع متأخر جدًا، وقال إن اليوم كان مرهق بسبب ضغط الشغل.

ولما سألته إذا كان أكل، ضحك وقال بعدين يا سارة… نفسي أنام بس.

نزل بعدها بدقايق، لابس هدومه، واخد مفاتيحه، وباسني على خدي كعادته.

مد إيده خد الساعة من على الشاحن، من غير ما يعرف إني شوفت الرسالة.

وقعد يفطر بهدوء، وكأنه ولا في أي حاجة حصلت.

وسط الفطار قال ممكن أتأخر النهارده شوية… عندي مشوار مهم بعد الشغل.

رفعت عيني وبصيتله.

دي أول مرة يقول مشوار من غير ما يشرح هو إيه.

ابتسم ابتسامة هادية، شرب آخر رشفة قهوة، وقام.

أول ما خرج من باب الشقة، استنيت دقيقة كاملة.

بعدها مسكت مفاتيح عربيتي…

ونزلت وراه.

كنت محافظة على مسافة بيني وبينه

عشان ما ياخدش باله.

فضل سايق حوالي نص ساعة، والغريب إنه ما راحش ناحية الشركة.

دخل شارع هادي، وبعدها وقف قدام مبنى قديم مكون من خمس أدوار.

ماكانش مطعم…

ولا كافيه…

ولا شركة.

نزل من العربية، وبص حواليه كأنه بيتأكد من رقم المكان.

وبعدين طلع من جيبه ظرف بني كبير، وطلع السلم بسرعة.

فضلت قاعدة في عربيتي أبص عليه وهو بيختفي جوه العمارة.

بعد أقل من دقيقتين…

وقفت عربية إسعاف قدام نفس المبنى.

ونزل منها اتنين مسعفين شايلين شنطة إسعافات كبيرة، وجروا لنفس المدخل اللي كريم دخله…فضلت واقفة ورا الحيطة، مش قادرة أقرر أدخل ولا أمشي.

كل اللي كنت أعرفه إن كريم كان بيعيش جزء من حياته بعيد عني… لكن ليه؟

بعد شوية، المسعفين خرجوا بعم حسن على الترولي، ونزلوه بسرعة لعربية الإسعاف.

كريم نزل معاهم، واتأكد إنهم اتحركوا، وبعدها رجع تاني للشقة.

استغربت…

لو كان مجرد جار أو معرفة، كان اكتفى إنه يطمن عليه.

لكن رجوعه للشقة خلاني أحس إن فيه حاجة أهم لسه مخلصتش.

استنيت دقيقة، وبعدها طلعت لحد باب الشقة المفتوح.

من مكاني سمعت صوت الست الكبيرة بتقول له

كنت ناوية أقولها… بس كل مرة كنت تمنعني.

رد كريم بسرعة، وصوته كان مليان قلق

لأ… مش دلوقتي.

اتسمرت مكاني.

يقولها إيه؟

ومين اللي كان يقصدها؟

أنا؟

ولا شخص تاني؟

الست سكتت لحظة، وبعدين قالت

هي لو عرفت الحقيقة من حد غيرك… هتزعل منك أكتر.

حسيت إن قلبي بيدق بعنف.

إيه الحقيقة اللي ممكن تتخبى عني تسع سنين؟

وقبل ما أقدر أقرب أكتر، سمعت صوت كرسي بيتحرك.

عرفت إن كريم بيتجه ناحية الباب.

رجعت بسرعة ووقفت جنب السلم، مستخبية ورا العمود.

خرج وهو ماسك نفس الظرف البني… لكن المرة دي كان فاضي.

بص حواليه كأنه بيدور على حد.

ثواني…

ولأول مرة من ساعة ما تبعته، حسيت إنه بدأ يشك إن فيه حد بيراقبه.

رفع عينه ناحية السلم…

واتقابلت عينه بالمكان اللي أنا مستخبية وراه.

حبست نفسي، وما اتحركتش.

مرّت ثواني طويلة كأنها ساعات…

وبعدين نزل السلم ببطء، وهو بيطلع موبايله ويتصل بحد.

كل اللي قدرت أسمعه قبل ما يبعد كان جملة واحدة

واضح إن الوقت خلاص قرب… ومبقاش ينفع نخبي الموضوع أكتر من كده.

جمدت في مكاني.

أي موضوع؟

وقبل ما أستوعب اللي سمعته، اهتز موبايلي في إيدي.

رسالة وصلت من رقم مجهول…

فتحتها بسرعة، فاتفاجئت إنها بتقول

لو بتحبي جوزك بجد… متكمليش وراه النهارده فضلت مكاني، ماسكة الدريكسيون بإيديا الاتنين لدرجة إن صوابعي وجعتني.

كل الأفكار الوحشة اللي كانت في دماغي اختفت فجأة.

إيه اللي بيحصل؟

وليه كريم موجود هنا؟

وليه عربية الإسعاف جات وراه بدقايق؟

نزلت من عربيتي بهدوء، وقفلت الباب من غير صوت، وقربت ناحية العمارة.

كان الباب الخارجي مفتوح.

دخلت وأنا بحاول أمشي على أطراف صوابعي.

سمعت صوت حركة فوق، وكلام متداخل، لكن ماقدرتش أفهم حاجة.

طلعت أول دور…

مفيش.

تاني دور…

برضه مفيش.

لحد ما وصلت التالت.

كان باب إحدى الشقق مفتوح نص فتحة.

وقفت بعيد شوية، ومن مكاني قدرت أشوف كريم.

كان واقف جنب راجل كبير في السن، واضح عليه التعب، ووشه شاحب جدًا.

المسعفين كانوا بيقيسوا الضغط، وبيجهزوا جهاز صغير، بينما كريم كان ماسك إيد الراجل وبيحاول يهديه.

سمعته بيقول بصوت هادي

اطمن يا عم حسن… العربية تحت، وهيروحوا بيك المستشفى حالًا.

الراجل بصله بعين مليانة امتنان، وقال بصعوبة

لو ماكنتش لحقتني… كان زماني مت.

اتجمدت مكاني.

مين عم حسن؟

وإزاي كريم يعرفه؟

وليه عمره ما جاب سيرته قدامي؟

وقبل ما ألحق أفكر، خرجت ست كبيرة من أوضة جوه الشقة وهي بتمسح دموعها.

أول ما شافت كريم، قالت

ربنا يكرمك يا ابني… زي كل مرة، أول واحد بيجي لما نتصل بيك.

الجملة خبطتني.

زي كل مرة؟

يعني كريم بييجي هنا باستمرار…

لكن ليه مخبي عليا؟

فضلت مستخبية ورا الحيطة، وأنا حاسة إن كل اللي كنت متخيلاه عن الرسالة، وعن تأخره، بدأ يتغير… لكن في نفس الوقت، الأسئلة بقت أكتر من الأول اتجمدت وأنا ببص للرسالة.

الرقم مجهول.

لا صورة… ولا اسم… ولا أي حاجة تدل على صاحبه.

بصيت حواليّا بسرعة.

مين يعرف إني هنا؟

أنا نزلت وراه من غير ما أقول لحد.

ولا حتى أخدت بالي إن في حد ممكن يكون شايفني.

رفعت عيني أدور في الشارع.

ست واقفة عند الفرن.

راجل بيسوق عجلة.

اتنين شباب قاعدين على الرصيف.

كل واحد فيهم بقى بالنسبة لي احتمال.

رجعت بصيت على الشاشة.

فضلت الرسالة مفتوحة قدامي، وإصبعي واقف فوق زر الاتصال، لكن عرفت إن الرقم مقفول أول ما حاولت أتصل.

في اللحظة دي خرج كريم من العمارة.

ركب عربيته، لكنه ما اتحركش.

فضل قاعد دقيقة كاملة، وكأنه مستني حد.

بعدها وصلت عربية تاكسي.

نزل منها شاب في أواخر العشرينات، شايل شنطة أوراق كبيرة.

راح ناحية كريم، وفتح الشنطة، وبدأ يراجعه في كام ورقة.

ماكنتش شايفة التفاصيل، لكن واضح إنهم بيتكلموا في حاجة مهمة.

بعد خمس دقايق، كريم أخد ملف أزرق، وحطه على الكرسي اللي جنبه.

الشاب ركب التاكسي ومشي.

أما كريم، فتح الملف بسرعة، وبص في أول ورقة… وفجأة حط إيده على وشه، وقعد كام ثانية من غير ما يتحرك.

أول مرة أشوفه بالشكل ده.

كان شكله مرهق…

ومضغوط…

وكأنه شايل حمل أكبر منه.

بعدها قفل الملف، وأدار العربية.

فضلت ماشية وراه تاني.

المرة دي وصل لمنطقة هادئة كلها فلل قديمة.

وقف قدام بيت صغير بس واضح إنه متقفل من سنين.

نزل من العربية، وطلع مفتاح من جيبه.

الغريب…

إنه فتح الباب بسهولة، كأنه بيملكه.

دخل، وساب الباب موارب.

استنيت دقيقتين.

ثلاثة.

خمسة.

لكن ماخرجش.

فضولي غلبني.

نزلت من عربيتي، وقربت ناحية البيت بخطوات بطيئة.

أول ما وصلت عند الباب، سمعت صوت كريم من جوه.

كان بيتكلم مع حد…

لكن الرد اللي سمعته خلاني أتأكد إن الشخص التاني كان موجود فعلًا، ولسه داخل في الحوار.

تجمدت مكاني، وحاولت أسمع كلمة واحدة توضح لي الحقيقة…قربت خطوة صغيرة من الباب، وأنا بحاول أخلي نفسي ما أطلعش أي صوت.

الصوت كان واطي، لكن قدرت أميز صوت كريم.

قال بهدوء

أنا جبت كل الورق المطلوب… ومش هأمضي أي حاجة غير لما أتأكد إنها هتتنفذ زي ما اتفقنا.

رد عليه راجل صوته كبير في السن

اطمن… إحنا وعدناك، ووعدنا مش بيتغير.

اتعقدت أكتر.

ورق؟

إمضاء؟

واتفاق؟

فضلت واقفة أحاول أفهم.

بعد ثواني، سمعت صوت درج بيتفتح، وبعده صوت كريم وهو بيقول

دي آخر دفعة مني… وبعدها خلاص.

الراجل رد

أنت عملت اللي محدش كان هيعمله.

قلبي بدأ يهدى شوية، لكن فضولي زاد.

وفجأة…

سمعت صوت طفل صغير بيضحك من جوه البيت.

استغربت جدًا.

إيه علاقة طفل بالمكان ده؟

وبعدها طلع نفس الطفل يجري في الطرقة وهو بيقول بصوت عالي

عمو كريم… بص! أنا عرفت أكتب اسمي لوحدي.

سكت المكان كله.

وبعدين سمعت ضحكة كريم…

ضحكة صافية، من زمان ما سمعتهاش بالشكل ده.

قال للولد

برافو يا بطل… وعدتني المرة الجاية هتكتب الجملة كلها.

الولد جري عليه وحضنه، وكريم نزل لمستواه وربت على كتفه.

أنا كنت واقفة بره، مش فاهمة أي حاجة.

مين الولد ده؟

وليه بيناديه عمو كريم؟

وليه كريم عمره ما قالي إنه بييجي المكان ده؟

وفي اللحظة دي، الباب الداخلي اتفتح.

خرجت سيدة في الخمسينات، أول ما شافت كريم قالت

كل الأطفال مستنيينك… من امبارح وهم بيسألوا هتيجي إمتى.

الأطفال؟

بصيت من فتحة الباب…

ولمحت أكتر من طفل قاعدين حوالين ترابيزة، وفي إيديهم كراسات وأقلام.

لكن قبل ما أقدر أشوف أكتر…

اتفتح الباب الخارجي فجأة، وحد وقف في المدخل.

ورفع صوته وهو بيقول

حضرتك بتدوري على حد؟

رفعت عيني ببطء…

وكان الشخص واقف بيبصلي مباشرة، وكريم بدأ يلف برأسه ناحية

الباب…حاولت أتماسك، وابتسمت ابتسامة مرتبكة.

قلت بسرعة أنا… كنت بس بسأل على عنوان.

وكأنه غارق في التفكير.

ولا مرة بص في المراية.

ولا مرة مسك الموبايل.

كل شوية كان يحط إيده على الظرف الأبيض اللي جنبه، كأنه خايف يضيعه.

بعد حوالي ربع ساعة، وقف قدام مكتبة كبيرة.

نزل، ودخل بسرعة.

استنيت دقيقة… واتنين… ولما اتأخر، نزلت أنا كمان.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى