تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

بعد ما لشروق خالد

ضحك سالم.

«إنت لسه فاكر إنك بتعرف كل حاجة؟»

ثم نظر لي.

«أبوكي مش ضحية يا كاترينا.»

تجمدت.

«أبوكي هو اللي بدأ كل ده.»

قبل ما أستوعب كلامه،

لكنها لم تصب سالم.

ولا ياسين.

الرصاصة أصابت مراد.

وقع على الأرض.

وانطفأت أنوار المطعم كلها.

وفي الظلام، سمعت صوت ياسين لأول مرة وهو يصرخ:

«كاترينا! ما تثقيش في أي حد!»

ثم اختفى صوته.

وبقيت وحدي.

وسط الظلام.

ومع صوت خطوات تقترب مني من كل ناحية.

حكايات شروق خالد

ما كانش قدامي غير ثانية واحدة أقرر فيها.

أهرب؟

أصرخ؟

أثق في ياسين؟

ولا أرجع أختفي زي ما عملت سبع سنين؟

لكن صوت أمي رجع في دماغي.

آخر مرة سمعتها فيها، قبل ، كانت بتقول لي:

«لو في يوم كل الناس كذبت عليكِ، صدقي اللي شوفتيه بعينيكِ.»

وقتها فهمت.

أنا مش محتاجة أثق في حد.

أنا محتاجة أعرف الحقيقة بنفسي.

جريت ناحية المطبخ، وفتحت باب الخدمة، لكن ياسين ظهر قدامي فجأة.

كان الدم على كتفه.

قلت:

«إنت كويس؟»

«أنا مش مهم. إنتِ لازم تمشي.»

«لا.»

بص لي باستغراب.

قلت:

«المرة دي مش .»

شد نفس طويل.

ثم ابتسم لأول مرة من غير قسوة.

«كنت مستنيكي تقوليها.»

قادني عبر ممر ضيق خلف المطعم، لحد ما خرجنا لشارع جانبي.

كانت عربية سوداء مستنيانا.

ركبنا.

وبعد عشرين دقيقة، وصلنا إلى بيت قديم على أطراف القاهرة.

نزل ياسين، وفتح الباب.

دخلت.

وقفت مكاني.

أمي كانت هناك.

واقفة قدامي.

حية.

شعرها بقى أبيض عند الأطراف، ووشها اتغير، لكن عينيها…

كانت نفس عيني أمي.

ما قدرتش أتكلم.

هي كمان ما قدرتش.

وبعدين جريت عليّ.

حضنتني.

وانهرت في .

سبع سنين من الغضب، والخوف، والأسئلة، كلها خرجت في بكاء واحد.

بعد وقت طويل، قالت:

«سامحيني.»

بعدتها عني.

«إنتِ سيبتيني سبع سنين.»

«كنت بحميكي.»

«من أبويا؟»

سكتت.

ثم قالت:

«من الحقيقة.»

دخل رجل من الغرفة المجاورة.

كنت فاكرة إني هنهار لما أشوفه.

لكن الغريب إني ما خفتش.

كان أبي.

واقف بعكاز، أكبر سنًا، وأضعف بكثير من الصورة اللي حفظتها عنه.

قال:

«كنت عارف إن اليوم ده هييجي.»

بصيت له.

«إنت قتلت ناس؟»

سكت.

«جاوبني.»

قال:

«أيوه.»

نزلت عيني.

«وأمي؟»

«أمك حاولت توقفني.»

«وسالم؟»

أغمض عينيه.

«سالم خاننا كلنا.»

مقالات ذات صلة

حين طرقت التوأم باب كوخه في العاصفة… حكايات شروق خالد

منذ 6 ساعات

رقصة مع زعيم المافيا تحت تهديد رصاصة حكايات شروق خالد

منذ 18 ساعة

الملياردير الأرمل حكايات شروق خالد

منذ يوم واحد

الفلاشة التي أخفت سر مرضي حكايات شروق خالد

منذ يوم واحد

ياسين تدخل:

«لكن مين اللي حرق الفيلا؟»

أبي نظر إليه.

ثم قال:

«أنا.»

اتجمدت.

«إيه؟»

«أنا اللي حرقت الفيلا.»

صرخت:

«ليه؟!»

قال:

«لأن رجالي كانوا على وشك قتل أمك.»

سكت لحظة.

«ولأنك كنتِ هناك.»

فهمت.

الحريق ما كانش محاولة لقتلي.

كان محاولة لإنقاذي.

لكن الحقيقة ما كانتش كاملة.

لأن أمي قالت:

«أبوك قتل الناس اللي كانوا عايزين يقتلوكي، لكنه ما قدرش يوقف الشبكة كلها.»

بصيت لياسين.

«وعشان كده دخلت حياتي؟»

هز رأسه.

«أنا كنت أراقبك من سنة.»

ضحكت بمرارة.

«يعني حتى شغلي في المطعم كان مراقَب؟»

«أيوه.»

«وكل ده عشان إيه؟»

قال:

«عشان أضمن إنك تفضلي عايشة.»

ثم مد لي ملفًا.

فتحته.

كانت فيه أسماء.

حسابات.

صور.

تواريخ.

كل رجال الشبكة اللي شاركوا في تجارة الآثار وتزوير المستندات وعمليات القتل.

وأمام آخر اسم…

كان اسم صابر البدري.

نظرت لياسين.

«خلصت؟»

قال:

«تقريبًا.»

بعدها بأيام، بدأت الاعتقالات.

صابر اعترف.

مراد نجا من الرصاصة، وبعد ما عرف إن سالم هو اللي دبّر الهجوم، قرر يشهد ضده.

أما سالم…

فهرب.

لكن بعد شهر، وصلتني رسالة واحدة.

جملة قصيرة باللهجة القديمة:

«الدم عمره ما بينسى.»

حطيت الرسالة في النار.

ولأول مرة، ما خفتش.

بعد ستة أشهر، أغلقت مطعم «الهدوء».

لم أعد أحتاج للاختفاء.

بدأت حياة جديدة.

حياة باسمي الحقيقي.

كاترينا البدرية.

لكنني احتفظت باسم أمي أيضًا.

كاترينا سامح.

أما ياسين…

فلم يعد ذلك الرجل الغامض الذي كنت أخشاه.

بقى الرجل اللي عرف حقيقتي كاملة، ومع ذلك اختار يفضل واقف جنبي.

وفي ليلة هادئة، وقفنا على كوبري النيل.

قال:

«لسه بتخافي من الماضي؟»

بصيت للمياه.

«الماضي ما يخوفنيش.»

«أمال إيه؟»

ابتسمت.

«إنّي أرجع أعيش وأنا خايفة منه.»

مد إيده.

مسكتها.

وفهمت أخيرًا إن الاختفاء أنقذ حياتي مرة…

لكن الحقيقة هي اللي أعطتني حياتي من جديد.

ومن يومها، كل ما سمعت لهجة صعيدية قديمة في الشارع، ما كنتش أرتبك.

كنت أبتسم.

لأنها ما عادتش لغة الدم.

بقت مجرد لغة من الماضي.

ماضي انتهى.

وأنا…

لأول مرة…

كنت حرة.

سخروا منها بلغة لا يعرفون أنها تفهمها

حكايات شروق خالد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى