
دخلت المستشفى زي المجنونة، شايلة ليلى في حضني وهي بتصرخ صرخة مكتومة، جسمها كله بيترعش بين إيديا. أحمد كان ورايا بيجري، وشه أصفر وشايفه الرعب في عينه لأول مرة. أول ما الممرضين شافوا منظر ليلى، الدنيا اتقلبت في الطوارئ، خدوا البنت مني بسرعة ودخلوها أوضة الكشف، وأنا وقعت على الأرض مش قادرة أقف، صوت عياطي كان مالي المكان.
قعدت على الكرسي قدام أوضة الكشف، مش حاسة بالدنيا، كل اللي فاكراه ريحة الكيماويات اللي كانت طالعة من راس بنتي، وشكل . أحمد كان رايح جاي في الطرقة، تليفونه في إيده ومبيفصلش، بيكلم حد، بيرجع يكلم تاني، صوته عالي ومخنوق، وفجأة شفته بيبصلي بصه كسرت قلبي، بصة حد عرف الحقيقة كاملة.. قرب مني وقعد جنبي، إيده بتترعش وهو بيحاول يمسك إيدي، صوته كان مكسور: “مريم.. الدكتور بيقول إن الصبغة اللي حطتها دي من الأنواع الرخيصة جداً وبتركيز عالي، .. ليلى محتاجة تتحجز في العناية، الجلد محتاج عناية خاصة عشان ميبقاش فيه أثر دائم”.
-
اختبار حملمنذ 6 أيام
-
حماتي كانت وماما عرفتمنذ 6 أيام
-
اعتنيت بأطفال اختىمنذ 6 أيام
حسيت بطلقة في قلبي.. بنتي، اللي عندها 6 شهور، بنتي اللي مكنتش بتعرف تقول غير “أه” و “أوه”، دلوقتي في عناية مركزة بسبب حقد واحدة مريضة! قمت مرت السنين، وليلى دلوقتي عندها خمس سنين، بقت طفلة زي الوردة، عيونها الملونة بتنور وشها القمحي، وشعرها الكيرلي بقى تاجها اللي بتفتخر بيه. دخلت مدرسة انترناشونال، وشخصيتها قوية، محدش يقدر يقلل منها ولا يكسر ثقتها في نفسها.
أحمد بقى أب مثالي، شغله كبر وبقى ليه كيانه المستقل بعيد عن تجارة أبوه، وبقى بيعاملني بتقدير وحب بيعوضني عن كل ثانية وجع عشتها. بقينا أنا وهو فريق واحد، ليلى في وسطينا هي النور اللي بيوجهنا، علمناها إن الجمال مش “أبيض ولا أسود”، الجمال هو إننا نكون “حقيقيين”.
في يوم، كنت ماشية في المول أنا وليلى، وفجأة شفت ست كبيرة، وشها مليان تجاعيد، ماشية ببطء، ملامحها مألوفة جداً.. “نادية”. وقفت متسمرة في مكاني، كانت بتدور بعينيها على حاجة، وفجأة عينيها وقعت علينا. ليلى كانت لابسة فستان أبيض، وشعرها الكيرلي متسرح بطريقة تخطف القلب، كانت ملاك ماشي على الأرض.
نادية وقفت، ملامحها اتغيرت، للحظة شفت في عينيها ندم، للحظة تانية شفت انكسار، كانت بتبص لليلى وكأنها بتشوف معجزة ضيعتها بإيديها. ليلى بصتلي وقالت ببراءة: “ماما، الست دي بتبصلي ليه كدة؟ هي عايزة حاجة؟”
بصيت لنادية، لا لقيت كره، ولا غل، ولا حتى رغبة في الانتقام، لقيت بس شفقة. ابتسمت لليلى وقلت لها: “لا يا حبيبتي، هي بس معجبة بجمالك المميز.”
نادية حاولت تقرب، إيدها كانت بتترعش، بس قبل ما تاخد خطوة، أحمد ظهر من ورايا، مسك إيدي وبص لنادية نظرة باردة، نظرة غريب، وكأنها مش أمه، وسحبني أنا وليلى وكملنا طريقنا.
ما التفتش لورا، ولا فكرت في اللي حصل، لأن اللي فات ، والوجع اللي كان في راس ليلى وهي صغيرة، بقى مجرد ذكرى بتفكرني أنا ليه بحب بنتي وبحميها.
الدرس اللي اتعلمته في حياتي، واللي دايماً بقوله لليلى، إننا مش محتاجين نغير ملامحنا ولا أصولنا عشان نرضي حد، لأن اللي بيحبنا بجد، هيشوف فينا الجمال اللي غيرنا بيحاول يداريه بصبغة أو بمظاهر كدابة.
نادية كملت طريقها، وأنا كملت حياتي، ومعايا أغلى ما أملك، أحمد وليلى، بطلة قصتي اللي رغم كل شيء، طلعت أقوى وأجمل بكتير من كل التوقعات. انتهت الحكاية، بس الحقيقة اللي طلعت بيها إن “البيت مش حيطان ولا عيلة كبيرة، البيت هو المكان اللي بتلاقي فيه نفسك.. وأمانك.”
……..
بعد ما نادية اختفت من حياتنا تماماً ومبقتش حتى مجرد طيف بيطاردني في أحلامي، الحياة خدت شكل تاني خالص، شكل فيه سكي..نة حقيقية. بيت صغير، فرش بسيط بس دافي، ريحة أكلنا اللي بنحبه، وضحكة ليلى اللي بقت تملى كل ركن في الشقة.
ليلى دخلت المدرسة وبدأت تكون شخصيتها، وأجمل حاجة فيها إنها طالعة واثقة في نفسها. في مرة، وهي عندها 8 سنين، رجعت من المدرسة عينيها مدمعة، سألتها في إيه، قالتلي: “يا ماما، في واحدة في الفصل قالتلي شعرك ده غريب ومختلف، ليه مش زي البنات اللي في التلفزيون؟”
قلبي وجعني للحظة، افتكرت كلام حماتي وسمومها، بس مسكت نفسي وبصيت في عينيها الملونة اللي بتنور الدنيا، وخدتها في حضني وقلتلها: “يا ليلى يا حبيبتي، الناس أنواع، والجمال مش نسخة واحدة مكررة. لو كل الناس شبه بعض، الدنيا هتبقى مملة جداً. شعرك ده زي التاج، مفيش حد عنده زيه، ده خصلات متميزة زيك بالظبط.”







