
يومها ليلى سكتت، وبعدها بفترة لقيتها هي اللي بتسرحه وبترسم خصلاتها بكل فخر، وبقت هي اللي بترد على أي حد يتنمر عليها بذكاء وهدوء، كأنها ورثت مني القوة اللي اكتسبتها من التجربة دي.
أحمد بقى مبيفوتش فرصة إلا ويقولي فيها إنه فخور بيا وبليلى، وإن حياته قبلنا كانت “أبيض وأسود” ودلوقتي بقت ملونة. حتى عم صبري، اللي كان بيجي يزورنا كل فين وفين، اتغير تماماً؛ بقى بيشوف ليلى بيشوف فيها “الروح” اللي كانت مفتقداها عيلته، وبقى بيعتذر لي عن كل كلمة قاسية اتقالت في حقي، وأنا كنت بقابله بابتسامة، لأن الغل مكنش مكانه قلبي أبداً.
-
اختبار حملمنذ 6 أيام
-
حماتي كانت وماما عرفتمنذ 6 أيام
-
اعتنيت بأطفال اختىمنذ 6 أيام
ساعات لما بنقعد أنا وأحمد ونبص لليلى وهي بتذاكر أو بتلعب، بنبتسم لبعض، نظرة مليانة حكايات. الوجع اللي كان في بدايتنا خلانا نقدر قيمة “الستر” وقيمة “الحب الحقيقي” اللي مش مشروط بمركز أو مظهر.
بنتي ليلى، اللي كان حد عايز يغير ملامحها عشان تليق بمقاييسه المريضة، كبرت وبقت أجمل طفلة في الدنيا، مش بس بملامحها، لا، بروحها اللي متعلمتش تكره، وبقلبها اللي بقى حصن لأي حد بيحبها. وأنا مريم، اللي كانت “بنت منطقة شعبية” في نظرهم، بقيت بطلة حكاية نفسي، عرفت إن الكرامة مش بتداس، وإن اللي بيمد إيده على طفلة عشان يغيرها، هو اللي في الآخر بيطلع خسران، خسران أثمن حاجة في الدنيا.. العيلة، والحب، والقبول.
الحكاية خلصت، بس كل يوم بنصحى فيه، بنحمد ربنا على النعمة اللي إحنا فيها، نعمة إننا أحرار، نعمة إننا “إحنا”، وبس.
………
السنين بتمر زي لمح البصر، وكأنها كانت اختبار لقوة الروابط اللي بينا. ليلى دلوقتي بقت صبية في الجامعة، طول بعرض، وجمالها بقى جمال طبيعي من غير أي رتوش، شعرها الكيرلي سابته على طبيعته، وبقت بتلبس اللي يليق عليها مش اللي الناس عايزاه. بقت دكتورة واعدة، حلمها مش بس النجاح، حلمها كانت رسالة بتوصلها لكل أم ولكل طفلة قابلتها في رحلتها: “انتي جميلة زي ما أنتي”.
في يوم من الأيام، وأنا قاعدة بقلب في ألبوم صور قديم، لقيت صورة لليلى وهي لسه رضيعة، بملامحها البريئة. أحمد جه وقعد جنبي، حط إيده على كتفي وبص للصورة بابتسامة هادية. “كنتي خايفة عليها أوي اليوم ده يا مريم، خايفة أكتر من أي حاجة في الدنيا.” رديت عليه وأنا بمسح على شعره اللي بدأ يغزوه الشيب: “كنت خايفة لأن دي كانت معركتي الأولى عشان أحمي كرامتنا يا أحمد. لولا التجربة دي، يمكن كنا فضلنا عايشين في دايرة تانية.”
فجأة، جرس الباب رن. كانت ليلى داخلة، جاية من كليتها، وشها منور بالضحكة اللي بتملا البيت دفء. وقفت قدامنا وقالت: “يا جماعة، مش هتصدقوا مين قابلته النهاردة في المستشفى.” استنيت، قلبي دق دقة غريبة. ليلى كملت بهدوء: “قابلت جدتي نادية.”
البيت سكت تماماً. أحمد بص لي، وأنا بصيت لليلى. كملت هي: “كانت مريضة جداً، ومحدش جنبها. لما عرفت مين أنا، بصتلي بصة غريبة أوي، مش بصة كره، ولا حتى حقد.. كانت بصة انكسار وشوق. طلبت مني أسامحها، وقالت لي إنها طول عمرها كانت بتدور على السعادة في المظاهر، وطلعت هي أكتر واحدة كانت محتاجة للحب اللي أنا وأمي لقيناه في بعض.”
أحمد قام وقف، وشاف ليلى وقالت لها: “وانتي يا ليلى؟” ليلى ابتسمت ابتسامة الواثق: “أنا سامحتها يا بابا، مش عشانها، عشان قلبي ميشيلش تقل لغيري. وسامحتها عشان أثبت لنفسي إن الوجع اللي عشته وأنا طفلة، علمني أكبر درس: إن الغفران هو اللي بيخلينا أحلى، وإن الحقد مش بيعمل غير عجز.”
نادية ماتت بعد الواقعة دي بفترة قصيرة، سابت وراها دروس كتيرة لينا كلنا. مش بس دروس عن المظاهر، لكن دروس عن قيمة كل لحظة بنقضيها مع اللي بنحبهم.
النهاردة، وأنا قاعدة في البلكونة وببص على الشارع، بشوف ليلى وهي نازلة، واثقة في خطوتها، رافعة راسها للسما، عرفت إن اللي بنيته مكنش بيت ولا عيلة، كان “بنيان” لروح بنتي. مريم، البنت اللي كانت “مش من مستواهم”، قدرت تخلق مستوى جديد خالص: مستوى الكرامة، والحب غير المشروط، والأمان اللي ملوش تمن.
الحكاية انتهت بجد المرة دي، والبيت اللي كان دايماً خايف، دلوقتي بيتنفس حب. وأنا عرفت أخيراً، إن “الجمال” الحقيقي هو اللي بيطلع من قلب حقيقي، مش من قزازة صبغة أو نظرة عيون مريضة.
تمت
حكايات انجى الخطيب
“تنويه: هذه القصة هي عمل أدبي خيالي، جميع الأحداث والشخصيات من نسج خيال الكاتب، وأي تشابه مع الواقع هو محض صدفة.”







