قصص وروايات

مؤامرة حماتي حكايات انجي الخطيب

​أحمد صوته طلع مخنوق وهو بيسأل: “إيه ده؟ وإيه اللي جاب ده في أوضة بنتي؟”

​حماتي وقفت بسرعة، وبدأت تصرخ: “دي.. دي كدابة! دي هي اللي جايباها عشان تلبسني تهمة، دي ست مش طبيعية، دي عايزة تفرق بيني وبين ابني!”

​بصيت لأحمد وقلتله بكل ثبات: “بص في عينها يا أحمد، شوف الخوف اللي فيها.. دي مش نظرة أم مظلومة، دي نظرة حد انكشف ستره. أنا دخلت الأوضة عشان أدور على الدهب، لقيت دي محطوطة تحت بنتنا، نفس المكان اللي كانت هي بتتحرك فيه. إنت صدقت تمثيليتها، بس أنا بنتي أهم من أي حاجة في الدنيا، ولو عشان أحميها لازم أواجه الكل، فأنا مستعدة.”

​أحمد اتلفت لأمه، لأول مرة في حياتي أشوف في عينيه نظرة شك حقيقية، مش ليا، لأ لأمه. كان بيقرب منها بخطوات تقيلة، وصوت دقات قلبي بقى مسموع في كل زاوية في البيت. الصمت كان قاتل، والناس اللي كانت حاضرة السبوع بقوا يتنقلوا بيننا بنظرات مذهولة، الليلة اللي كان مفروض تكون أجمل ليلة في عمري، اتحولت لساحة معركة، كشفت لي إن العدو مش بعيد، العدو كان قاعد بيضحك في وشي، وبياكل من أكلي، وبيخطط لهد بيتي بحرقة قلب، وأنا كنت فاكراها جدة بتحب حفيدتها.

​أحمد وقف قدامها وسألها بصوت مرعوب: “يا أمي.. قوليلي إن ده مش بتاعك.. قوليلي إن مراتي بتتبلى عليكي.. قولي أي حاجة!”

​حماتي بصتلي بصه كلها حقد أسود، وقالت بصوت واطي ومسموع للكل: “ابني.. صدقني.. دي هي اللي باعت نفسها للشيطان عشان تفضل مسيطرة عليك، أنا كنت بفك العمل ده عنها!”

​كذبتها كانت وقحة، لدرجة إن الكل اتصدم، بس أنا مكنتش هسكت، سحبت تليفوني من جيبي، وكنت فاتحة الكاميرا بتسجل كل حاجة من أول ما دخلت الأوضة.. الكاميرا كانت موجهة للشنطة وللأوضة، وسجلت لحظة ما هي كانت بتشيل الحاجة من تحت السرير.. ابتسمت بسخرية وقلت: “يا خسارة.. تمثيليتك المرة دي مش هتكمل، لأني كنت مسجلة كل حركتك.. وده مش بس دهب.. ده إثبات إني كنت عايشة مع عقربة في بيت واحد، والشرطة هي اللي هتقول كلمتها مش أنا.”

……….

الموبايل في إيدي كان بيترعش، بس صوتي كان طالع حديد، والبيت كله اتجمد في مكانه كأنهم بقوا تماثيل. حماتي وشها جاب ألوان، وبدأت تتراجع لورا وعينها مبرقة في الموبايل اللي في إيدي، وفجأة، رمت نفسها على الكنبة وبدأت تصرخ هستيري وتخبط على صدرها: “افتريت عليا! دي شيطانة! عايزة تسجن أمك يا أحمد عشان تاخدك لوحدك!”

​أحمد كان واقف في النص، عيونه تايهة بيني وبين أمه، الغضب اللي كان في عيونه اتحول لحيرة قاتلة، بس قبل ما يفتح بقه، صوت صرخة طفلة هز أركان البيت، كانت بنتي بتصرخ في الأوضة التانية صرخة غريبة، صوت عياط متواصل مش عياط جوع ولا مغص، صوت عياط مكتوم ومفزوع.

​جريت بسرعة على الأوضة، أحمد جري ورايا، ولما دخلنا.. لقيت المنظر اللي خلاني أصرخ أنا كمان: بنتي كانت مرمية على السرير، ووشها أزرق وبتحاول تاخد نفسها بصعوبة، والسرير كله كان عليه بقع سوداء زي الهباب. أحمد اتجمد، النظرة اللي في عينيه اتغيرت تماماً من الشك للرعب، قرب منها وشالها، لقى جسمها تلج، وعينيها بتتقلب.

​بصيت لأمه اللي وقفت عند باب الأوضة وبتردد كلام مش مفهوم، بصيت لها وصرخت: “إنتي عملتي إيه فيها؟ انطقي! إنتي اللي جنيتي على نفسك!”

​أحمد بص لأمه بصة خلتها ترجع لورا، صوت نفسه كان عالي ومخنوق وقال: “إنتي.. إنتي دخلتي هنا تاني؟ بعد ما خرجتي للصالة دخلتي هنا تاني؟”

​حماتي بدأت تترعش وقالت بصوت مكسور: “يا ابني.. أنا.. أنا كنت عايزة أعمل خير، أنا كنت عايزة أبعد عنها النحس، هي اللي جابت البنت دي بفلوسها وشقاها، دي مش طبيعية!”

​أحمد مسمعش باقي كلامها، ساب البنت وخرج من الأوضة زي المجنون، مسك أمه من دراعها، والناس اللي بره بدأت تتجمع عند باب الأوضة والهمس بقى صراخ، أحمد زعق: “تطلعي بره! دلوقتي! البيت ده ملوش مكان فيه لواحدة زيك، حتى لو كانت أمي.. بنتي لو جرالها حاجة أنا مش هعرف هعمل إيه!”

​رجعت الهدوء للبيت، بس الهدوء ده كان مختلف، كان هدوء مرعب. أحمد دخل الأوضة، وقف عند الباب، مكنش قادر يبص في عيني، قعد على الأرض جنب ، بدأت تنزل بصمت. قعدت جنبه، مسكت إيده، مكنتش قادرة أسامح، بس كنت عارفة إن الليلة دي غيرت كل حاجة، إن الثقة اللي دي مش هترجع بسهولة، وإن اللي عشت فيه النهارده كان درس .. إن أحياناً أقرب الناس لينا ممكن يكونوا هما أكتر ناس بيتمنوا يشوفوا حياتنا رماد.

​بصيت لبنتي النايمة في سلام، ومسحت على راسها، وعرفت إن المعركة الحقيقية لسه بتبدأ، مش بس عشان أحميها من حماتي، بس عشان أحمي بيتي من اللي حصل، وأحمي نفسي من نظرات أحمد اللي لسه محتارة بين حبه لأمه وبين الحقيقة المرة اللي شافها بعينه النهارده.

……….

قعدنا فترة طويلة في صمت مريب، مفيش صوت في البيت غير أنفاس بنتي المنتظمة ونفس “أحمد” اللي كان طالع زي المذبوح. فجأة، قام أحمد وقف، مسح وشه بإيده ، ولقيته بيمسك الموبايل بتاعي اللي كنت لسه مسجلة عليه كل حاجة.

​بص لي بنظرة عمري ما شوفتها، نظرة انكسار على حيرة: “أنا مش عارف أقولك إيه.. ولا عارف أعتذر عن إيه. اللي شفته النهارده يخلي الواحد يراجع كل لحظة عاشها مع أمي. بس يا مروة، دي أمي.. أنا مش قادر أستوعب إنها ممكن توصل للشر ده كله.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى