قصص وروايات

حماتي كانت وماما عرفت

تم الصلح الكبير في صالتنا، وشرب الجميع الشربات، واتفق أعمام حسام على الذهاب فورًا إلى منزل الحاجة فوزية

لـ “تعديل سلوكها” ومواجهتها بالحقائق، وضع حد للفتن.

بعد انصراف الجميع وخروج أمي وأهلنا مرفوعي الرأس، دخل حسام إلى غرفتي، وأمسك بيدي ونظر في عيني بدموع حقيقية وقال: “ندى.. النهاردة بس حسيت إننا بنينا ساس بيتنا على صخر حقيقي. أمك ست عظيمة، وأنتِ صبرتي معايا صبر أيوب.”

ظننا جميعًا أن القصّة انتهت عند هذا الحد، وأن الحق قد انتصر تمامًا.. ولكن، وفي صباح اليوم التالي، وردنا هاتف عاجل!

الحاجة فوزية، بعد مواجهة شديدة مع إخوتها الأعمام وفضح محاولاتها للفتنة، سقطت مغشيًا عليها ونقلت إلى المستشفى إثر أزمة صحية حادة!

وقف حسام في ذهول تام، ونظر إليّ والدموع تتساقط من عينيه: “أمي بتضيع يا ندى.. أمي بتموت!”

أصبحت بين نارين: نار الماضي وما فعلته بنا هذه المرأة، ونار الواجب والإنسانية والموقف الحرج الذي يختبر معادن القلوب الحقيقية…

تحول كل شيء في لحظة إلى سراب؛ الخلافات، العزة، والكبرياء. كان حسام يتخبط في الصالة كالمجنون، يرتدي ملابسه بيدين ترتجفان، والدموع تسيل على خديه بلا توقف.

لم أتردد لثانية واحدة. أمسكت بهاتفي واتصلت فورًا بأمي “الحاجة سناء”. أخبرتها بما حدث بصوت متقطع. ساد الصمت على الطرف الآخر لثوانٍ معدودات، ظننت خلالها أن أمي ستتذكر الماضي أو تشمت، لكن صوت أمي جاء نقيًا، حاسمًا، يقطر بأصل أولاد البلد الحقيقيين:

“أنا جاية حالاً يا ندى.. البسي وانزلي مع جوزك، الوقت ده مش وقت خصام ولا زعل، ده وقت أصول ووقفة رجالة!”

وصلنا إلى المستشفى، وكانت أروقة الطوارئ تشهد حالة توتر. كان أعمام حسام يجلسون على المقاعد بوجوه واجمة. عندما رآنا حسام، ركض نحو العناية المركزة، ووقف خلف الزجاج المزدوج ينظر إلى أمه الممددة بين الأجهزة. لم تعد الحاجة فوزية تلك المرأة القوية؛ كانت مجرد جسد ضعيف يصارع المرض.

وبينما كنا ننتظر الطبيب، أقبلت أمي الحاجة سناء بخطوات واسعة. انقبضت أجساد الأعمام ظنًا منهم أنها جاءت لتعاتب أو تشمت، لكن أمي اتجهت مباشرة إلى حسام، وضعت يدها على كتفه وثبتته وقالت بصوت دافئ:

“شد حيلك يا حسام.. الموت ما فيش فيه شماتة ولا كبر. أمك ست كبيرة، وربنا غفور رحيم.. ادعيلها يا بني.”

التفت الحاج عبد العظيم، عم حسام الأكبر، ونظر إلى أمي بإجلال واحترام شديدين، وقال:

“أصيل يا حاجة سناء.. طول عمرك ست بمليون راجل، والمواقف دي هي اللي بتبين أصل الناس.”

خرج الطبيب من غرفة العناية المركزة، وتحلقنا جميعًا حوله. مسح جبهته وقال بنبرة مجهدة:

“الحالة حرجة.. الأزمة أثرت عليها، لكن قدرنا نسيطر ونستقرر. هي محتاجة هدوء تام ودعواتكم.”

مرت تلك الليلة كأنها دهور. لم أترك حسام لحظة واحدة، كنت أقدم له الماء، وأحاول التخفيف عنه، وأمي تجلس على المقعد تمسك بسبحتها وتدعو للحاجة فوزية بالشفاء. في تلك الليلة، أدركت أن القوة الحقيقية ليست في الانتقام، بل في القدرة على التسامح عندما يكون الخصم مكسورًا.

في صباح اليوم التالي، تحسنت العلامات الحيوية للحاجة فوزية، وأذن الطبيب لدخول شخص واحد لدقائق معدودة بعد أن استعادت وعيها.

نظر حسام إليّ وإلى أمي وقال: “ادخلي معايا يا ندى.. وخلّي الحاجة سناء تدخل، أمي محتاجة تشوف الناس اللي سامحوها.”

دخلنا الغرفة. كانت ملامح الحاجة فوزية متعبة، وعيناها تدوران في الغرفة ببطء. عندما رأت حسام، تحركت شفتها وحاولت النطق، فسالت دمعة حارة من عينها على الوسادة.

اقتربت أمي الحاجة سناء منها ببطء، وجلست على طرف السرير. أمسكت بيد الحاجة فوزية وضعفتها، وبنبرة حنونة مسحت دموعها وقالت:

“حمد الله على سلامتك يا حاجة فوزية.. شدة وتزول إن شاء الله. ما تفكريش في أي حاجة فاتت، اللي فات مات واندفن.. إحنا أهل، وندى بنتك، وحسام ابننا كلنا. ادعي ربنا يقومك بالسلامة لتنوري بيتك.”

اتسعت عينا الحاجة فوزية، وجرت الدموع من عينها الأخرى. نظرت إلى أمي بنظرة انكسار واعتذار أبلغ من ألف كلمة.

ثم التفتت الحاجة فوزية بنظرها إليّ، وضغطت بضعف شديد على يد أمي التي كانت تمسك بيدي، وقالت بصوت خافت:

“سامحيني يا ندى.. أنا آسفة.”

قلت بدموع الفرح والصفاء: “أنا سامحتك من كل قلبي يا ماما فوزية.. ربنا يشفيكي وترجعي تنوري بيتنا.”

أغمضت الحاجة فوزية عينيها بسلام، وكأن ثقلاً جليلاً تزحزح عن صدرها.

مرت الأشهر التالية كرحلة علاج وتأهيل. خرجت الحاجة فوزية من المستشفى، وأصر حسام وأنا وأمي على أن تنتقل للعيش معنا في شقتنا الجديدة خلال فترة العلاج الطبيعي لفترة، لترعاه وتبقي بجانبنا.

تغير كل شيء في بيتنا. تحولت الحاجة فوزية إلى امرأة أخرى؛ امرأة صامتة، طيبة، تنظر إليّ بامتنان كلما قدمت لها الدواء أو الطعام. كانت أمي تزورنا أسبوعيًا، تجلس معها، وتتبادلان الضحكات كأنهما أختان لم تفرقهما الأيام قط.

وفي يوم جمعة مشرق، بينما كنا نجلس جميعًا في صالة الشقة، وحسام يقبل يد أمه ويد أمي، قالت الحاجة فوزية بصوت هادئ:

“تعرفي يا سناء.. أنا زمان كنت فاكرة إن القوة في إن الواحدة تفرض رأيها وتكسر اللي قدامها.. بس لما تعبنا، عرفت إن القوة الحقيقية في الظهر السند، وفي القلب اللي بيعرف يسامح.”

ابتسمت أمي الحاجة سناء بثقة، ونظرت إليّ وقالت:

“عشان كده يا فوزية، الحق ما بيموتش، والكرامة خط أحمر.. والبنت اللي ليها أم بمليون راجل، عمر ما حد يقدر يكسرها، لا بضرب، ولا بكلام، ولا بالزمن!”

تمت بحمد الله.

 

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى