قصص وروايات

حماتي كانت وماما عرفت

سقطت الدموع المتصنعة من عيني الحاجة فوزية، وقالت بصوت مكسور: “بتبدي عليا مرتك يا حسام؟ ماشي.. بكرة تندم يا ابن فوزية!”

رد حسام بأسى ولكن بثبات: “أنا مش ببدّي حد، أنا باعدل يا أمي. يلا عشان أروحكم بيتك المكرم، والبيت ده يتزار بالإحترام والعزومة، مش بالهجوم!”

أمسك حسام بحقائب والدته وشيماء، ونزل بهما إلى السيارة ليعدهما إلى بيتهما، تاركًا شيماء تحترق بغيظها، والحاجة فوزية تدرك أن ابنها أصبح له بيت وسور متين لا يمكن اختراقه بسهولة.

عندما عاد حسام في المساء، كان يبدو عليه الإرهاق الشديد والتعب النفسي. جلس على الأريكة وأسند رأسه بين يديه. اقتربت منه وضعت له كوبًا من العصير الدافئ، وجلست إلى جواره.

نظر إليّ وقال بنبرة ملؤها التعب: “أنا آسف يا ندى.. أنا عارف إن أمي ما بتبطليش تفكير، بس أنا أثبتلك النهاردة إن بيتك وكرامتك خط أحمر عندي.”

أمسكت يده وقلت له: “أنا مقدرة اللي عملته يا حسام، وده اللي كبرك في نظري ونظر أمي. بس لازم تفهم إن حرب أمك مش معايا أنا.. حربها مع فكرة إنك كبرت وبقيت مستقل.”

لكن ما لم نكن نعلمه في تلك الليلة، هو أن الحاجة فوزية عندما عادت إلى بيتها مكسورة الخاطر ومطرودة بقرار ابنها، لم تستسلم. بل ذهبت إلى أقصى درجات الضغط والانتقام.

في صباح اليوم التالي، وردنا اتصال هاتفي من أحد أقارب حسام، ليخبره بأن والدته الحاجة فوزية قد جمعت كبار العائلة من أعمامه وأخواله، وأعلنت أمام الجميع أن حسام قد تغير عليها وطردها من بيته بإيعاز من زوجته وأمها!

ولم تتوقف عند هذا الحد، بل كانت الخطوة الأكثر خطورة: أعمام حسام، وهم رجال شداد من الصعيد يقدسون الأم والتقاليد الصارمة، أعلنوا أنهم في طريقهم لتأديب حسام وإعادة الهيبة للعائلة وأخذ حق أختهم الحاجة فوزية!

جلس حسام في الصالة والتليفون يسقط من يده، وجهه أصفر كالموت. نظر إليّ وقال برعب: “عمامي جايين يا ندى.. أعمامي مش بتوع كلام فارغ، دول شداد، ولو جوم وشافوا أمي بتعيط، مش هيسمعوا مني ولا كلمة وهتكون كارثة على بيتنا وعلى أمك!”

في تلك اللحظة، رن هاتف الشقة.. وكانت الحاجة سناء على الخط، وصوتها يقطر جدية بعد أن وصلتها الأخبار هي الأخرى: “اسمعي يا ندى.. قفلي باب بيتك كويس، وقولي لحسام يستعد، رجالتي وأولاد عمك في الطريق للبيت عندكم. إحنا هنا أولاد بلد ومش هنفوت حقنا!”

توقف قلبي عن النض.. المعركة لم تعد مجرد مشاكل عائلية، بل تحولت إلى مواجهة قاطعة بين عائلتين، واللقاء الحاسم بات على بُعد ساعات قليلة…

خلال ساعتين فقط، امتلأت المنطقة بأجواء غير عادية. سيارتان توقفتا أسفل البناية، ونزل منهما رجال كبار، يقودهم “الحاج عبد العظيم”، عم حسام الأكبر، رجل ذو هيبة صارمة. وفي ذات الوقت، كانت سيارة أمي “الحاجة سناء” تقف في الجهة المقابلة، ونزل معها شقيقها وأقاربنا الذين يعرفون أصول الجدعنة.

التقى الجميع عند مدخل العمارة. خيم صمت رهيب، وصعد الجميع إلى شقتنا، واحتشدت الصالة بالرجال والوجوه الواجمة.

جلس الحاج عبد العظيم في الصدارة، وإلى جواره بقية الأعمام، بينما جلست أمي بكل ثبات، وقف حسام في المنتصف، ووقفت أنا خلف باب المطبخ أترقب النتيجة.

بدأ الحاج عبد العظيم الحديث بصوت قوي: “إحنا جينا عشان أختنا فوزية اللي اتدانت واتهانت، وعشان ولدنا حسام اللي نسى طاعة أمه وجاب أمه لحد بيتنا تصيح وتبكي وتقول ولد طردني!”

رد خالها الحاج فاروق بكل هدوء ورزانة: “أنعم وأكرم بيك وبأهلك يا حاج عبد العظيم.. بس الأصول بتقول إن اللي يسمع من طرف واحد يبطل حُكمه. إحنا نساءنا ما بيتبلوش، وبناتنا متربيات في بيوت عز، واللي حصل بين حسام وأمه وزوجته كلام يتقال بالحق والشهود، مش بالكلام المسموم.”

انتفض الحاج عبد العظيم: “أختي فوزية مش هتتبلى على ولدها! الولد مطيع طول عمره، ومن يوم ما دخلت الشقة دي رجله، وأمه مضروبة في كرامتها ومطرودة من الشقة إيجار!”

هنا، لم تنتظر أمي الحاجة سناء كي يتكلم أحد نيابة عنها. وقفت بكل طولها وقارها، وقالت بصوت قوي هز الصالة: “يا حاج عبد العظيم.. أنت راجل كبير وعارف الشرع والأصول. أختك الحاجة فوزية جات بيت بنتي وبنتك ودخلت معاها بنت أختها شيماء بالشنط من غير إذن صاحب البيت، وجاية بهدف واحد: تطفش بنتي وتهد بيتها وتفرض شيماء مكانها! وابنك حسام -اللي واقف قدامك ده- لما رفض إن بيته يتهد، وقام بواجب أمه واعتذر لها وروحها بيتها معززة مكرمة، قامت أختك واستغلت طيابتكم وصورتهالكم إنه طردها!”

التفت الحاج عبد العظيم إلى حسام بنظرة حادة: “تكلم يا حسام! الكلام ده حصل؟ أمك جات هنا ومعاها شيماء وكانت عايزه تقعد غصب؟ وأنت اللي روّحتها ولا طردتها؟”

وقف حسام، ولأول مرة في حياته، كان يتحدث بكل صدق وبدون خوف من أحد. نظر إلى عمّه وقال بصوت ثابت: “يا عمي عبد العظيم.. أمي على رأسي من فوق، بس اللي حصل إن أمي وشيماء جوم عشان يضغطوا على ندى ويطفشوها من الشقة. أنا ما طردتش أمي، أنا أخدت الشنط وركبتها عربيتي ووصلتها لحد باب شقتها وبست إيدها.. ندى ما غلطتش في حق أمي، وأمي هي اللي مش قادرة تتقبل إن ليا بيت وحياة مستقلة!”

وقع الكلام على أعمام حسام. صمت الحاج عبد العظيم طويلاً، مسح على لحيته، ثم التفت إلى الحاجة سناء وقال: “والضرب اللي حصل زمان يا حاجة سناء؟ أختي جالت إنك ضربتيها!”

ردت أمي بمنتهى الصراحة والشموخ: “أختك ضربت بنتي الأول في بيتها وهانت أبوها المرحوم، ولما جيت أتكلم معاها بالتي هي أحسن، اتهجمت عليا.. وأنا ست ولد بلد، اللي يمد إيده عليا وعلى بنتي باخد حقي في ساعتها، وما بنكرش ده! بس أختك جات لحد بيتي وتأسفت وصفينا القلوب، والنهاردة جاية تقومكم علينا!”

هنا قام العم الأصغر لحسام، وقال: “والله يا حاج عبد العظيم، أختك فوزية طول عمرها طبعها حامي وتحب المشاكل، والولد كلامه يدخل العقل. إحنا أتكلفنا المشوار ده عشان ننصر الحق، مش عشان ننصر الظلم حتى لو من أختنا!”

تنفس الجميع الصعداء. وقف الحاج عبد العظيم، واقترب من حسام وضغط على كتفه وقال: “أنت راجل يا حسام لأنك حظيت على بيتك ومرتك وما ظلمتش أمك، بس كمان أُمك ليها حق الرعاية.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى