
واللي عرفته منها خلاني اتجمدت في مكاني وحسيت رجليا تقلت وبصعوبه قدرت اقوم واسيب البيت فورا من غير ولا حرف
الست ماجدة سكتت لحظة، ونظرة برود شديدة كست وشها، لكن العينين كان فيهم وجع قديم مخبي نفسه بالعافية. اتنهدت تنهيدة طالت كأنها بتطلع نار من قلبها، وقالت وهي بتبص للترابيزة قدامها بصوت واطي بس كل كلمة فيه كانت بتنزل عليا زي المرزبة:
-
ضرتى خلفتها بناتمنذ ساعتين
-
عشر فتياتمنذ ساعتين
-
حسن الكوري للكاتب/ أحمد محمود شرقاويمنذ ساعتين
-
تظاهري بانك زوجتي حكايات محمد نورمنذ ساعتين
”أنت شايف الست اللي قدامك دي يا سيف؟ أنا أم اتحرق قلبها على بنتها الوحيدة من سنين طويلة ومحدش حاسس بالنار اللي جوايا.. نور لما كانت بنت 12 سنة، حصلها حادثة عربية بشعة وهي راجعة من المدرسه. نزفت كتير، ودخلت العمليات بين الحياة .
. الدكاترة وقتها عشان ينقذوا حياتها ويكتموا النزيف اللي كان في دقائق، كشفوا عن الواقع المرير.. النزيف كان ممرمد منطقة الحوض والرحم تماماً، وما كانش قدامهم أي خيار تاني عشان تفضل عايشة إلا إنهم يشيلوا الرحم بالكامل!”
أنا في اللحظة دي حاسس إن السقف بيقع عليا. عينيا اتسعت وجسمي كله اقشعر.. الست كملت وصوتها بدأ يترعش بالدموع، بس ما نزلتمش:
”نور كبرت وبقت عروسة زي ما أنت شايف، بس جواها وجع مالوش دواء.. بنتي مش هتحمل، مش هاتجيب أطفال، محرومة من غريزة الأمومة للأبد.. وأنا عارف الدنيا وعارف الرجالة كويس أوي يا بني! أنت دلوقتي داخل بكام بكيلو حب وشغف، شايف جمالها وأدبها ومبهور بيها.. هتتجوزها سنة، سنتين، ثلاثة.. وبعدين؟ غريزة الأبوة هتحركك، أهلك هيزنوا عليك، أصحابك هيسألوك: ‘ما مفيش عيل جاي في السكة؟’.. ساعتها الحب ده هيدوب، وهتبدأ تبص لها على إنها ناقصة، وهتروح تطلب الجواز من واحدة تانية عشان تخلف منها.. ساعتها نور هتحس إنها اتكسرت، وإن جوازتك منها كانت شفقة أو غلطة، وست تانية هتدخل حياتك تاخد منك الأبوة وتكسر قلب بنتي اللي ملوش ذنب في اللي حصاد.”
مسحت دمعة فرت منها بسرعة وتابعت وهي بتبص في عيني بمنتهى الحسم:
“علشان كده أنا قطعت الطريق من أوله.. اللي هيتجوز بنتي لازم يكون متجوز أصلًا، وعنده أولاده ومكتفي، أو يتجوز واحدة تخلف له الأول وبعدين ييجي لنور.. يبقى عارف إنه داخل على ست مش هتخلف، وميكونش عندها هي الحجة إنه يتجوز عليها بعدها عشان الخلفية ويكسرها! يبقى الجوازة من أولها واضحة، وهو جاي لها وهو شبعان خلفة مش هييجي يوم ويقولها ‘أنا عايز عيل’ فتنكسر.. ده شرطي اللي مش هتراجع عنه لحد ما أموت، عشان أحمي قلب بنتي من كسرة الستات!”
الكلام نزل عليا كأنه صاعقة. اتجمّدت في مكاني، وعقلي اتوقف عن التفكير. بصيت على باب المطبخ، ولقيت نور واقفة ورا الستارة، دموعها نازلة على خدودها في صمت رهيب.. عينيها جات في عيني، وكان فيها كمية رجاء ووجع وانكسار تقطم الضهر.. كانت بتترجاني بعينيها أفهم، وتعتذر لي عن السر المكتوم اللي شايلينه طول السنين دي.
حسيت إن الهوا اتسحب من الروم.. رجليا تقلت ومبقتش شايلاني. بصيت للأم بصة عجز وتوهة، وقمت بالراحة من غير ما أنطق ولا حرف.. مشيت خطوتين بالعافية للباب، فتحته وخرجت، وطلعت السلم لشقتي وأنا حاسس إن العالم كله اتقلب فوق رأسي.
قعدت في شقتي في الضلمة للصبح.. الفكرة كانت بتاكل في دماغي. أنا بحب نور.. والله العظيم حبيتها بجد! جمالها وأدبها ورقتها، وكل حاجة فيها كانت بتشدني.. بس كلام أمها كان زي السكينة.
أنا شاب في بداية حياتي، مهندس لي مستقبلي، وأنا الابن الوحيد لأهلي.. أهلي اللي بيحلموا باليوم اللي يشوفوا فيه عيالي، ويتمنوا يشيلوا أولاد ابنهم. هل أقدر أضحي بأملي في إنه يكون ليا عيل من صلبي يادي اسمي ويعيش معايا؟ هل أقدر أواجه أهلي وأقولهم إني هتجوز بنت مش بتخلف وعارف من الأول؟
ولا الحل إني أروح أتجوز واحدة تانية الأول عشان أرضي شرط أمها وأرجع أتجوز نور؟! طب وإيه ذنب البنت الأولى اللي هاتجوزها مجرد ‘وسيلة’ عشان أفوز بنور؟ أظلمها معايا ليه وهي مالهاش ذنب؟ وأعيش في دوشة البيتين والمشاكل والعدل اللي يهد الجبال؟
الأفكار كانت بتطحن في عقلي طحن.. عدي أسبوع وأنا مابنامش. بشوف نور على السلم، النظرة بيننا بقت كلها ألم وتلميح بالوداع.. هي عارفة إن حلمنا انتهى قبل ما يبدأ، وأنا شايف في عينيها قلة الحيلة والرضا بقضاء الله.
في الآخر، حسمت أمري.. الحقيقة كانت مارة وقاسية، بس كبرت عقلي وقدرت الواقع. أنا مش هقدر أظلم نفسي، ولا أظلم أهلي معايا، ولا أظلم بنت ناس تانية أتجوزها كوبري عشان أوصل لنور.. وفي نفس الوقت، مش هقدر أوعد نور بحاجة وأرجع أكسرها بعد سنين لما حلم الأطفال يلح عليا.
لميت هدومي، وطلبت من الشركة نقل رجوع لفرع المحافظة بتاعتي جنب أهلي.. سلمت للمالك، وفي أخر يوم ليا، نزلت خبطت على .
فتحتلي أمها، بصيت لها بحزن وقالتلي: “فهمت يا بني؟”








