تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

حكايات زهره

“وأنا السبب… لو كنت قلتلك الحقيقة من الأول، مكانش ده كله حصل.”

سكت شوية وكمل: “أنا فعلًا كنت مساعد كريم في موضوع الخاتم، وخبيت العلبة عشان المفاجأة متبوظش. ولما لقيتك مسكاها خفت. وبعدها وأنا خارج نسيت العلبة في الجاكت، وأمي واضح إنها لقتها وهي بتدور على المفرش وخدتها على أساس إنها فاضية وهترميها.”

حماتي هزت راسها وقالت: “وده اللي حصل فعلًا.”

بصيت لندى.

قالت بهدوء: “والخاتم اللي في إيدي ده هو الوحيد اللي كريم اشتراهولي.”

كريم مسك إيدها وقال: “وأقسم بالله ما فيش غيره.”

فضلت ساكتة.

كل خيط كان أخيرًا راكب مكانه.

المشكلة كلها بدأت من علبة خاتم فاضية… وسوء تفاهم… ونسيان ياسين لعيد جوازنا.

لكن رغم إن الشك اختفى…

كان في وجع تاني لسه موجود.

بصيت لياسين وقلت بصوت هادي:

“أنا صدقت إن الخاتم مكانش لواحدة تانية… لكن لسه في حاجة مش قادرة أتخطاها.”

قرب مني وقال: “إيه هي؟”

دموعي نزلت لأول مرة من أول الليلة.

“إنك نسيت اليوم اللي أنا فضلت أسبوع كامل أجهزله… اليوم اللي كنت فاكرة إنه مهم عندك زي ما هو مهم عندي.”

وطيت راسه، وماعرفش يرد.

لأن بعض الجروح… الاعتذار لوحده ما بيكفيش عشان يداويها.

ياسين فضل واقف قدامي، عينه في الأرض، ولا عارف يقول كلمة.

المعازيم كانوا بره بيضحكوا، وصوت الأغاني لسه شغال، لكن بالنسبة ليا الحفلة كانت انتهت.

مسحت دموعي وقلت: “اطلع للناس… مش عايزة حد يحس إن في حاجة.”

قالي بهدوء: “طب وإنتِ؟”

ابتسمت ابتسامة مكسورة.

“هغسل وشي واجيلكم.”

خرج هو، وأنا فضلت دقيقة أبص لنفسي في المراية.

كنت مستغربة من نفسي.

إزاي في كام ساعة قدرت أعيش فرحة كبيرة، وبعدها شك، وبعدها خوف، وبعدها ارتياح… وفي الآخر زعل.

خرجت بعد شوية، وحاولت أتصرف طبيعي.

قطعنا التورتة، واتصورنا مع العيلة، وكل واحد رجع بيته وهو فاكر إن الليلة كانت جميلة.

أول ما آخر ضيف نزل، قفلت الباب ولفيت ناحية ياسين.

هو كان واقف مستنيني.

قال: “أنا عارف إن كلمة آسف قليلة.”

قلت: “قليلة فعلًا.”

سكت شوية، وبعدين كمل: “بس والله ما نسيتك لأنك مش مهمة… أنا داخل في مشروع جديد، وبقالي أسبوعين دماغي مشغولة ليل نهار.”

رديت بسرعة: “كل الناس عندها شغل يا ياسين… بس مش كل الناس بتنسى شريك عمرها.”

قعد على الكنبة، وحط راسه بين إيده.

“أنا غلطان.”

قلت: “أيوه.”

ماحاولتش أخفف عنه.

ولا قلتله “ولا يهمك”.

لأنه لو كنت عملت كده، كان هيحس إن الموضوع عدى بسهولة.

بعد شوية قام، دخل أوضة النوم، ورجع وهو ماسك ظرف أبيض.

مدهولي.

استغربت.

“إيه ده؟”

قالي: “كنت مستنيه لما المشروع يخلص عشان أديهولك.”

فتحت الظرف.

كان فيه عقد حجز رحلة لمدة أربع أيام لمدينة دهب، إحنا الاتنين بس، بعد أسبوعين.

وبجواره ورقة صغيرة بخطه.

مكتوب فيها:

“عارف إني مقصر، وعارف إن الشغل خدني منك الفترة اللي فاتت. كنت ناوي أفاجئك بعد ما أخلص كل الضغوط دي، لكن غبائي خلاني أنسى أهم يوم في السنة. لو سامحتيني، أوعدك أرجع أهتم بكل تفصيلة كانت بتفرحنا.”

قفلت الظرف.

بصيتله.

وقلت بهدوء: “أنا مش زعلانة عشان الهدية… ولا عشان الرحلة.”

هز راسه.

“عارف.”

كملت: “أنا زعلانة لأني حسيت للحظة إن مكانتي عندك اتغيرت.”

قرب مني وقال: “عمرك ما هتتغير.”

سألته: “طيب قولي… آخر مرة قعدنا نتعشى سوا من غير ما ترد على مكالمة شغل كانت إمتى؟”

سكت.

“آخر مرة خرجنا لوحدنا كانت إمتى؟”

سكت أكتر.

عرف وقتها إن المشكلة مكانتش في عيد الجواز.

المشكلة كانت إن الشغل أخد كل المساحة بينا واحدة واحدة، وإحنا ماخدناش بالنا.

قعد جنبي وقال: “من النهارده… كل يوم جمعة هيبقى لينا إحنا بس. لا شغل، ولا موبايل، ولا أي حد.”

ابتسمت لأول مرة من قلبي.

“الوعد سهل… التنفيذ هو اللي صعب.”

مد إيده وقال: “جربي.”

بصيت لإيده ثواني… وبعدين مسكتها.

مش لأن كل حاجة بقت تمام.

لكن لأن أي جواز بيعدي عليه لحظات صعبة، والفرق الحقيقي بين أي اتنين هو: هل هيعرفوا يصلحوا اللي  قبل ما يتحول لشرخ كبير… ولا هيسيبوه يكبر لحد ما يهدم كل حاجة بينهم؟

عدى أسبوع.

وياسين كان ملتزم بكل كلمة قالها.

يرجع من الشغل بدري، يقفل اللابتوب، ويحط الموبايل على الصامت أول ما يدخل البيت.

كان بيحاول بكل الطرق يعوضني.

وأنا؟ كنت مقدرة ده… لكن جوايا لسه فيه حاجة مكسورة.

الثقة لما بتتهز، حتى لو بسبب سوء فهم، بتاخد وقت عشان ترجع زي الأول.

في يوم الجمعة، وإحنا بنجهز نسافر دهب، تليفون ياسين رن.

بص للشاشة، وتنهد.

قلتله: “مش هترد؟”

قال وهو بيقفل الموبايل: “لأ… النهارده وعد.”

ابتسمت.

لكن بعد أقل من دقيقة، الموبايل رن تاني… وتالت… ورابع.

لحد ما بعتتله رسالة.

لمحت اسم المرسل بالصدفة.

“مجوهرات الزمرد.”

بصيتله باستغراب.

“محل الدهب؟”

وشه اتغير.

فتح الرسالة بسرعة، وقراها، وبعدها فضل ساكت.

قلبي انقبض تاني.

قلت: “في إيه؟”

قال: “المحل بيقول إن في قطعة متأجلة باسمنا، ولازم تتستلم خلال 48 ساعة.”

اتعصبت.

“إيه قطعة؟”

قال بسرعة: “والله معرفش.”

قلت: “إزاي متعرفش؟”

قال: “يمكن خاصة بكريم.”

في اللحظة دي، رنيت على كريم قدامه.

رد بسرعة.

“أيوه يا مرات أخويا.”

قلتله: “إنت حاجز أي حاجة تانية من محل الزمرد؟”

رد من غير تردد: “لأ.”

بصيت لياسين.

هو كمان بدأ يقلق.

قال: “هات الرقم.”

اتصل بالمحل على السماعة.

رد موظف باحترام.

“أستاذ ياسين؟”

“أيوه.”

“حضرتك لسه ما استلمتش الطلب التاني.”

ياسين قال باستغراب: “طلب تاني إيه؟”

الموظف رد: “الدبلة الحريمي اللي طلبت نقشها من الداخل بتاريخ عيد جواز حضرتك.”

أنا حسيت إن قلبي وقف.

بصيت لياسين.

هو ابتسم لأول مرة من ساعة المكالمة.

وقال: “أنا كنت عاملها من شهر.”

الموظف كمل: “حضرتك طلبت نكتب جواها: سبع سنين… ولسه باختارك كل يوم.”

دموعي نزلت من غير ما أحس.

الموظف اعتذر وقال: “حصل تأخير في النقش، وعشان كده اتأجل التسليم، وبعتنالك النهارده.”

قفل ياسين المكالمة، وبصلي.

“دي كانت الهدية الحقيقية.”

أنا افتكرت العلبة اللي لقيتها في الجاكت.

افتكرت توتره.

افتكرت شكي.

وافتكرت إنه فعلًا كان ناسي عيد الجواز يوم الحفلة.

قلتله بهدوء: “بس إنت برضه نسيته.”

ضحك بحزن.

“نسيت أستلم الهدية… لكن عمري ما نسيت إني بحبك.”

سكت شوية، وأضاف:

“أوقات الضغط بيخلينا نغلط في حق أقرب الناس لينا… وده غلط ملوش مبرر. بس الحمد لله إن الحقيقة ظهرت قبل ما نخسر بعض بسبب شك.”

حضنته وأنا بضحك وسط دموعي.

وقلت: “شكل عيد جوازنا السابع ده… عمرنا ما هننساه.”

ابتسم وقال: “ولا الثامن… لأن من دلوقتي هسجل كل المناسبات في خمس أماكن مختلفة.”

ضحكت لأول مرة من قلبي…

وأخيرًا حسيت إن الليلة اللي بدأت بخاتم سبب الشك…

انتهت بخاتم رجع الطمأنينة بينا.

تمت

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى