تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

جوزي نسي

ولا أكمل ورا كريم وأعرف هو رايح فين؟

بعد ثواني، شغلت العربية وقررت أرجع.

لو فعلًا فيه حاجة مخبية من تسع

سنين، أكيد هتبقى أهم من أي مكان رايح له دلوقتي.

وصلت البيت بسرعة، وطلعت السلم وأنا حاسة إن دقات قلبي مسموعة في العمارة كلها.

دخلت الشقة، وقفلت الباب.

الأوضة كانت هادية بشكل غريب.

ركعت قدام السرير، وسحبت الدرج اللي الست قالت عليه.

كان مليان ملايات شتوية وصندوق خشب صغير.

الصندوق كان قديم، وعليه طبقة تراب خفيفة.

استغربت…

أنا عمري ما شوفته قبل كده.

فتحته ببطء.

كان جواه مجموعة صور قديمة، وبعض الإيصالات، ومفكرة جلد بني.

فتحت أول صفحة.

كان مكتوب بخط كريم

لو سارة فتحت الدفتر ده قبل ما أحكيلها بنفسي، يبقى الظروف سبقتني.

شهقت من غير ما أحس.

قلبت الصفحة اللي بعدها.

كانت مليانة تواريخ.

وأمام كل تاريخ مبلغ مالي.

وفي آخر كل سطر اسم شخص مختلف.

مش فاهمة أي حاجة.

فضلت أقلب لحد ما لقيت صفحة مكتوب فيها بخط كبير

مشروع يوم الأمل.

وتحتها عشرات الأسماء.

بعضها عليه علامة صح، وبعضها لأ.

وفجأة… لقيت ظرف صغير واقع بين الصفحات.

كان مكتوب عليه

لسه بدري.

لسه همد إيدي أفتحه…

سمعت صوت مفتاح باب الشقة بيلف في الكالون.

بصيت في الساعة.

كريم رجع بدري جدًا…

وده عمره ما حصل.

قفلت الدفتر بسرعة، لكن الظرف الصغير وقع على الأرض.

وفي نفس اللحظة…

باب الشقة اتفتح، وسمعت صوت خطواته بتقرب من أوضة النوم.

وقفت مكاني، والصندوق لسه مفتوح قدامي…

ولأول مرة، حسيت إن اللحظة اللي كنت بخاف منها خلاص وصلت وقفت قدام السرير، وعيني على الظرف الأبيض.

إيدي اتحركت ناحيته أكتر من مرة…

لكن كل مرة كنت أفتكر آخر جملة قالها

لو بتثقي فيا… استنيني.

رجعت إيدي.

قعدت على طرف السرير، والدقايق كانت بتمشي أبطأ من أي وقت.

عدت ساعة…

وبعدين ساعة تانية.

ولا اتصال.

ولا رسالة.

بدأ القلق ياكلني من جوا.

وفجأة، موبايلي رن.

كان كريم.

رديت بسرعة

أنت كويس؟

سمعت صوته مرهق، لكنه مطمن

أنا بخير… بس هتأخر شوية.

قبل ما أسأله أي حاجة، قال

سارة… متفتحيش الظرف.

بصيت للظرف اللي قدامي.

وسألته

ليه؟

سكت لحظة، وقال

لأن فيه حاجة لازم تشوفيها الأول.

وقبل ما يكمل…

الخط اتقطع.

فضلت أحاول أكلمه، لكن مفيش شبكة.

بعد حوالي نص ساعة، سمعت صوت عربية وقفت تحت البيت.

جريت للبلكونة.

كانت عربية كريم.

نزل منها هو… ومعاه نفس الشاب اللي جه يناديه.

لكن الغريب…

كانوا شايلين صندوق خشب كبير.

نزلت بسرعة أفتح لهم الباب.

أول ما دخلوا، كريم كان تعبان جدًا، ووشه كله سخام كأنه كان وسط دخان.

حط الصندوق في الصالة، وقعد ياخد نفسه.

أنا بصيت للصندوق.

كان قديم جدًا.

وعليه لوحة نحاس صغيرة مكتوب عليها

مشروع يوم الأمل الدفعة الأولى.

الكلمة دي رجعت تاني.

نفس الاسم اللي كان مكتوب في المفكرة.

بصيت لكريم، ولسه هسأله…

لكن هو سبقني وقال

قبل ما أشرح أي حاجة… افتحي الصندوق.

ركعت قدامه.

كان مقفول بقفل معدني صغير.

كريم طلع مفتاح من سلسلة مفاتيحه، واداهولي.

إيدي كانت بتترعش وأنا بحط المفتاح.

لفيته ببطء…

وصوت القفل وهو بيفتح ملأ المكان.

رفعت الغطا…

واتسمرت مكاني من اللي شفته جواه.

رفعت عيني بسرعة ناحية كريم…

وهو أول ما شاف رد فعلي، عرف إني فهمت جزءًا من الحقيقة… لكن لسه الجزء الأكبر ما اتقالش فضلت باصة جوه الصندوق وأنا مش مستوعبة.

كان مليان كراسات قديمة، ورسومات أطفال، وخطابات مكتوبة بإيد صغيرة.

كل خطاب عليه اسم طفل وتاريخ مختلف.

مديت إيدي وخدت أول واحد.

فتحته بهدوء.

كان مكتوب فيه

شكرًا يا عمو كريم… أنا أول مرة حد يجيبلي شنطة مدرسة جديدة.

حسيت بغصة في حلقي.

فتحت التاني.

أنا نجحت، وهفضل فاكر إنك وعدتني لو جبت امتياز هتجيبلي عجلة.

والتالت…

ماما بتقول إنك أنقذتنا يوم ما بابا تعب.

رفعت عيني ناحية كريم.

قلت بصوت واطي

إيه كل ده؟

ابتسم ابتسامة هادية، لكن قبل ما يرد، لفت نظري حاجة في آخر الصندوق.

إطار صورة كبير ملفوف بقماش أبيض.

شيلته ببطء.

أول ما كشفت عنه…

لقيت صورة جماعية.

كريم واقف في النص.

وحواليه عشرات الأطفال، وكلهم بيضحكوا.

وخلفهم لافتة كبيرة مكتوب عليها

يوم الأمل السنوي.

قلبت الصورة.

على ضهرها كان مكتوب

أول يوم وعدتنا إنك مش هتسيبنا لوحدنا.

اتنفست ببطء، ولسه هسأله عن الوعد…

لكن موبايله رن.

بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.

رد بسرعة

أيوه يا أستاذ سامي… حصل إيه؟

سكت يسمع.

وفجأة وقف من مكانه.

قال بصدمة

إيه؟! إزاي اختفى؟

أنا بصيتله بخضة.

قفل المكالمة، وأخد مفاتيحه.

قلت بسرعة

في إيه بصلي لحظة، وكأنه محتار يقول ولا لأ.

ثم قال

واحد من الملفات المهمة مش موجود.

سألته

ملفات إيه؟

هز راسه وقال

كل حاجة هتبوظ لو الملف ده وقع في إيد الشخص الغلط.

وقبل ما أستوعب كلامه…

بص فجأة على اتغير لون وشه.

وقرب بسرعة، وبدأ يقلب في الكراسات والخطابات بعصبية.

سألته

بتدور على إيه؟

رد وهو بيقلب الصندوق

كان فيه ظرف بني صغير هنا…

طيب… ليه مخبيتش عليا؟

تنهد وقال

لأنني كنت عايز أول ما تعرفي، تعرفي وإحنا واقفين على حاجة كاملة، مش مجرد حلم. كنت عايز أفاجئك يوم تسجيل الجمعية رسمي، وأقولك إنها باسمنا إحنا الاتنين.

سكت لحظة، ثم ابتسم

أما الرسالة اللي شوفتيها على الساعة…

طلع موبايله، وفتح .

كانت من أحد المدرسين المتطوعين.

ونصها الكامل كان

امبارح كان أحلى يوم للأطفال… أول مرة كلهم يخرجوا مبسوطين بالشكل ده. ربنا يجازيك خير.

الجزء اللي ظهر على الساعة كان أول سطر بس…

أما الباقي، فما ظهرش في الإشعار.

ضحكت وسط دموعي.

كل الشكوك اللي عشتها من الصبح كانت بسبب نصف جملة.

قرب كريم مني، وقال وهو ماسك إيدي

الثقة مش معناها إننا منخبيش المفاجآت… لكنها معناها إننا منخليش الشك يكسر اللي بينا.

بعد أسبوع…

كان افتتاح جمعية يوم الأمل.

عم حسن كان أول الحضور.

والأطفال وقفوا يستقبلونا بالورود والضحك.

وفي نهاية اليوم، علّقوا على الحائط صورة كبيرة لينا إحنا الاتنين، وتحتها عبارة بسيطة

فيه ناس بتسيب فلوس… وناس بتسيب أثر. والأثر هو اللي بيفضل.

تمت.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى