تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

حماتي بتصورني

الفصل الأول: أنفاس في العتمة

فيه إحساس كدة صعب توصفه لأي حد، إحساس إنك متراقب.. إن فيه عين مش شايفها باصة عليك طول الوقت، بتعد عليك أنفاسك، بتشوفك وأنت بتشرب، وأنت بتنام، وأنت بتفكر مع نفسك. الإحساس ده كان ملازمني من أول يوم دخلت فيه  بعد الجواز.

أنا اسمي ياسمين، اتجوزت “كريم” بعد قصة حب. كريم مهندس بترول، طبيعة شغله صعبة جداً.. بيقضي أسبوعين في الشغل في الصحرا أو الموقع، وأسبوعين في البيت.  اللي اتجوزنا فيها كانت في بيت عيلته، وتحديداً في الدور الثالث، قصاد شقة أمه بالظبط.. يعني تفتح باب شقتك تلقائياً تلاقي باب  حماتي في وشك.

حماتي، “الحاجة صفية”، كانت ست شكلها يدي على طيبة وشياكة أول ما تشوفها. كلامها هادي، وابتسامتها مش بتفارق وشها، وخصوصاً لما يكون كريم موجود. كانت دايماً تطبطب عليا وتقولي قدامه:

“دي ياسمين دي بنتي اللي ربنا رزقني بيها، دي في عينيا يا كريم ومتشيلش همها خالص وأنت مسافر”.

كريم كان بيطمن جداً لما يسمع الكلام ده ، وكان بيسافر وهو مرتاح البال إن مراته في امان.

بس أول ما كريم يركب عربيته و يطلع على المطار، الوش الثاني كان بيظهر.. مش شر أو زعيق، لا.. كان بيظهر في شكل “اهتمام زيادة عن الحد” لدرجة تخنق.

كان كريم يسافر من هنا، وتبدأ تفاصيل مريبة جداً تحصل. تلاقيني صاحية الصبح بدري، لسة بفتح عيني وبقوم من السرير، أسمع خبط هادي على باب الشقة اقوم أفتح ألاقي حماتي واقفة شايلة صينية فيها فطار، و تقولي بابتسامة غريبة :

“صباح الخير يا حبيبتي .. إيه ده؟ أنتِ لسة صاحية حالا ولا إيه؟ و شك باين عليه النوم! أصل أنا قلت ألحقك قبل ما تدخلي المطبخ تعملي الفطار”.

كنت أقف مكاني مذهولة.. هي عرفت منين إني لسة صاحية حالا؟  مفيهاش صوت، وأنا حتى مالحقتش أفتح الشباك ولا أشغل التكييف.

تكرر المواقف دي بشكل يجنن. في يوم، كنت قاعدة في الصالة بتفرج على التلفزيون، وحطيت كوباية الشاي على حرف الترابيزة، فبإيدي خبطتها بالغلط كبت نقطتين على السجادة. قمت فوراً جبت فوطة ومسحتها ومفيش دقيقتين الموضوع انتهى. بعدها بساعتين، تجيلي حماتي بحجة إنها بتدور على مفتاح السطوح، وأول ما تدخل الصالة، تبص على المكان اللي اتكب فيه الشاي بالظبط وتقول لي:

“خلي بالك يا ياسمين، السجادة دي لونها فاتح وبتبقع بسرعة لو الشاي ولا حاجة وقع عليها هتبقى مشكلة، اتعاملي بحرص”.

أنا ساعتها جسمي قشعر! هي عرفت منين إن الشاي وقع هنا اصلاً؟ أنا غسلت الفوطة ومسحت الأثر وماحكيتش لأي مخلوق! لما كنت ألمّح لكريم في التليفون وأقوله:

“يا كريم طنط بتعرف حاجات غريبة عني وأنا لوحدي”.

كان يضحك ويقول لي:

“يا حبيبتي يعني هتكون بتعرف منين اكيد صدفة ، وبعدين دي بتعتبرك زي بنتها وبتابعك علشان ماتحسيش بالوحدة وأنا مسافر، كبري دماغك”.

كنت أقول لنفسي: يمكن أنا اللي مجنونة؟ يمكن بتهيئلي؟ يمكن بتسمع الصوت من الهدوء لأن الدور فاضي؟ وسكت.. وحاولت أتأقلم.

بعد أسبوع من سفر كريم في واحدة من المأموريات الطويلة، بدأت حاجات ثانية أشد غرابة تحصل.

السباكة في الحمام بدأت تنقط. جيت أصلح الحنفية لقتها مقطوعة. طلعت قلت لحماتي بحسن نية:

“يا طنط الحنفية بتاعة الحمام بتخر، تعرفي سباك كويس يجيب جلدة ويصلحها؟”

لقيت وشها نوّر بابتسامة مش مفهومة وقالت لي بسرعة:

“يا سلام من عينيا يا حبيبتي! أنا أعرف سباك شاطر أوي ومحترم، هكلمه يجيلك حالاً”.

فعلاً، بعد نص ساعة، السباك خبط. حماتي طلعت فتحت له معايا، ودخلته الحمام، ووقفت أنا عند باب الحمام بديله الخرطوم. ومفيش دقيقتين بالظبط، ولقيت حماتي  على صدرها وتقول:

“يا لهوي! نسيت المية بتغلي تحت على البوتاجاز! هروح اشوفها بسرعة و هجيب حاجة من الشقة وراجعالك يا ياسمين يا حبيبتي، تابعي السباك لو احتاج حاجة”

و طلعت جري.. وسابتني لوحدي مع الراجل!

أنا اتكسفت جداً، ووقفت بعيد في الصالة، وبقيت بكلم الراجل من على بعد:

“خلصت يا اسطى؟”

والراجل يخلص ويمشي.

شغل كريم طول لشهر .. و لتاني مرة يحصل ظرف و الكهرباء قطعت في المطبخ بسبب قفلة. أطلع أقول لها.. تتصل هي بالكهربائي، أول ما يوصل الشقة، تتعمد تفتكر حاجة تحت في شقتها وتستأذن وتمشي وتسيبني معاه!

تكرر الموضوع ده مع مندوب شركة الغاز لما جه يقرا العداد.. نفس اللعبة ونفس المشهد!

هي اللي تطلبهم، وهي اللي تطلع معاهم، وفي نص القعدة تتعمد تخلق أي حجة فارغة علشان تسيبني لوحدي في  مع الراجل الغريب وتنزل!

أنا بدأت أحس بضيق وتوجس.. ليه بتعمل كدة؟ ليه بتسيبني مع عمال غراب وأنا جوزي مسافر؟ كنت بتفادى القعدة، وأقف جنب باب الشقة المفتوح لحد ما الراجل يخلص ويمشي، وأنا مش فاهمة إيه المغزى من التصرفات دي.

لحد ما جه اليوم الموعود.. اليوم اللي حياتي كلها اتغيرت فيه.

كان يوم خميس، وكريم كان فاضل له يومين ويرجع من السفر. قررت أعمل تنضيفة شاملة  علشان أستقبله. بدأت بالصالة، مسحت الخشب، ونضفت الشبابيك، ووصلت عند المكتبة الخشب الكبيرة اللي حاطين عليها التلفزيون والكتب.

سحبت المكتبة شوية لبرة علشان أمسح التراب اللي وراها.

وأنا بمد إيدي بالفوطة ورا الرف الفوقاني، إيدي خبطت في حاجة صغيرة … افتكرت إنها أسلاك التلفزيون أو الريسيفر، بس لما جيت أشد الفوطة، حسيت بحاجة ناشفة متثبتة بشريط لاصق قوي في قاع الرف من تحت.

وطيت برأسي وبصيت..

لقيت قطعة بلاستيك سودا صغيرة جداً، في حجم زرار القميص ورا المكتبة. وفي نص القطعة دي.. كان فيه عدسة زجاجية صغيرة أوي بتلمع مع ضوء اللمبة!

قلبي سقط في رجلي.. أطرافي اتجمدت واب من وشي.

سحبت القطعة دي بقوة.. شلت الشريط اللاصق.. مسكتها في إيدي وأنا جسمي كله بيترعش.

دي.. دي كاميرا مخفية! كاميرا متثبتة بذكاء شديد موجهة على الصالة كلها، كاشفة الكنبة، كاشفة الممر، وكاشفة باب الحمام!

صرخة مكتومة طلعت من حلقي.. بقيت حاطة إيدي على بقي ومش مصدقة.

جريت زي المجنونة على بقية أجزاء .. بقيت أفتش في كل حتة

بهستيريا.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى