تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

حماتي بتصورني

طلعت على الكرسي وبصيت في النجفة بتاعة الصالة.. لقيت واحدة تانية متدارية بين البلورات!

جريت على المطبخ.. بصيت فوق التلاجة.. لقيت كاميرا تالتة محطوطة بين علب التوابل وموجهة على رخامة المطبخ وباب !

أنا حياتي كانت متصورة! كل لحظة.. كل حركة.. كل مرة غيرت فيها هدومي أو قعدت براحتي أو اتكلمت في التليفون.. كان فيه عين بتشوفني بتفاصيل التفاصيل!

في اللحظة دي، كل الخيوط اتجمعت في دماغي زي الصدمة الكهربائية..

عرفت هي ليه كانت بتعرف إني لسة صاحية..

عرفت هي ليه كانت بتعرف إن الشاي اتكب على السجادة..

وعرفت الأهم والأبشع.. هي ليه كانت بتستدرج العمال والسباكين للشقة، وليه كانت بتسيبني معاهم وتنزل!

كانت بتصورني!

الدم فار في عروقي، الخوف اتحول لغضب جنوني وصدمة هزت كياني. مسكت الكاميرات في إيدي، وخرجت من باب الشقة وأنا مش شايفه قدامي.. خطوت خطوات سريعة ناحية شقة حماتي.

كان باب شقتها موارب لأن العاملة اللي بتساعدها نزلت تجيب حاجة.

دخلت الشقة من غير ما أخبط.. الصمت كان يعم المكان.

طلعت على الممر.. وبصيت على الأوضة اللي في آخر الممر.. الأوضة اللي من يوم ما اتجوزت وهي مقفولة بالمفتاح، وحماتي دايماً تقول لي:

“دي فيها كراكيب وعفش عمك ابو كريم الله يرحمه ومحدش يدخلها”.

بس المرة دي.. الباب كان مفتاحه فيه.. وموارب فتحة صغيرة جداً.. ونور أزرق خفيف كان طالع من جوة الأوضة!

سحبت نفسي بخطوات خفيفة.. وقربت من الباب.. وزقيته بإيدي ببطء شديد.. ودخلت.

اللي شفته جوة الأوضة دي.. خلاني أحس إن

الأرض بتلف بيا، وإن الكابوس اللي أنا فيه أكبر بكتير من مجرد مراقبة و فضول!

الفصل الثاني: الأرشيف المظلم والمواجهة

وقفت في نص الأوضة مش قادرة أصدق اللي شايفاه. الأوضة مكنش فيها كراكيب ولا عفش قديم زي ما كانت بتقول لي دايماً..

كان فيها مكتب صغير، وعليه شاشة كمبيوتر كبيرة شغال عليها بث مباشر لأركان ! الشاشة متقسمة أربع مربعات: مربع كاشف الصالة بالكامل، مربع للمطبخ، مربع للممر، ومربع للممر اللي قدام باب الحمام. كنت شايفه شقتي من جوة الأوضة المقفولة دي بكل وضوح، وكأني واقفة جواها!

بس الرعب الحقيقي مكنش في البث المباشر.. الرعب كان في المجلدات (الفولدرات) المرصوصة على شاشة الكمبيوتر.

قربت من المكتب وإيدي بتترعش بشكل هستيري. مسكت الماوس وفتحت فولدر منهم، كان متسمي بتاريخ الشهر اللي فات.. فتحت فيديو من الفيديوهات المجمعة، ولما اشتغل، حست إن قلبي اتقطع من مكان.

الفيديو كان متقص ومتجمع بذكاء خبيث يرعب!

مشهد للسباك وهو واقف جنبي في الصالة وأنا بديله العدة، واللقطة اللي بعدها مقصوصة ومدموجة بحيث تبان إن الراجل قريب مني جداً، وبعدها لقطة ثانية وهو خارج من الحمام وبيبتسم لي وأنا بفتح له الباب!

فتحت فيديو تاني.. مشهد عامل صيانة التكييف وهو واقف معايا، مقصوص منه الكلام العادي ومحطوط بتركيب يبين إن فيه “لقاء مشبوه” بيحصل ورا الأبواب المقفولة!

كل المرات اللي كانت بتجيب فيها عمال، وكل المرات اللي كانت بتخلق فيها حجة علشان تسيبني مع الراجل لوحدي وتمشي.. كانت متخطط لها بالملي! كانت بتصنع مشاهد كاملة ومقصوصة علشان توحي بإن فيه حاجة غلط بتحصل في غياب ابنها!

لو

في اللحظة دي، الفكرة وضحت في دماغي زي الشمس.. هي مكنتش بتراقبني بس، هي كانت بتجهز لي “مصيدة” ! كانت بتجمع أرشيف كامل علشان لما تقرر تخلص مني، تحط التسجيلات دي قدام كريم وتقول له:

“شفت مراتك الشريفة بتعمل إيه لما بتسافر؟”

من كتر الصدمة والذهول، الدموع اتجمدت في عينيا.. وصرخة مكتومة كانت محبوسة في زوري.

وفجأة.. سمعت صوت خطوات سريعة ورايا، وباب الأوضة اتزق بقوة واتفتح!

سحبت نفسي لورا وأنا بصرخ، ولفيت عشان ألاقي “الحاجة صفية” واقفة قدامي .. سادة باب الأوضة بجسمها!

مكنش على وشها أي ملامح مخضوضة ولا ارتباك.. كانت باصة لي بابتسامة متشفية وبرود يرعب، عينيها فيها نظرة انتصار خبيثة.

جمعت كل طاقتي وزعقت بصوت مبحوح والدموع نزل بغزارة:

“إيه ده؟! أنتِ بتعملي فيا كده ليه؟! أنا عملت لك إيه علشان تئذيني بالشكل ده؟! أنتِ بتصوريني في بيتي وبتركبي لي فيديوهات مع رجالة غريبة؟!”

ردت بمنتهى الهدوء، وهي بتمشي نحو المكتب بخطوات ثابته ومستفزة، ومدت إيدها وطفت الشاشة:

=”أنا مكنتش ناوية أأذيكي يا ياسمين يا حبيبتي.. أنا في الأول كنت مستنية امس عليكي غلطة واحدة حقيقية، إهمال، كسل، كلام عليا في التليفون، أي قشة أخلص بيها منك وأرجع لابني حياته.. بس لما طلعتي ‘شاطرة’ زيادة عن اللزوم ومسكتي نفسك، قلت لازم أعمل لك أنا الغلطة اللي تليق بيكي!”

صدمتي لجمت لساني.. كملت هي بثقة وضحكة خبيثة شقت وشها:

=”وعلى فكرة.. الفيديوهات دي مش هنا بس.. لا دي خلاص بقت على تليفون كريم.. وهو زمانه على وصول!”

في اللحظة دي بالظبط.. سمعت صوت تكة المفتاح وهي بتلف في باب الشقة .. كريم وصل!

رجليا ما شالتنيش، وقعت على ركبتي على الأرض. حسيت إن كل حاجة انتهت، إن شرفي وحياتي ومستقبلي اتدمروا في ثانية واحدة.. مين هيصدقني؟ الفيديوهات متصورة جوه بيتي ومقصوصة بذكاء، ومفيش أي دليل معايا يثبت إنها هي اللي كانت بتجيب العمال وهي اللي كانت بتسيبهم وتنزل!

حماتي طلعت تجري على برة وهي بتصوت بتمثيل عالي والدموع نازلة من عينيها:

“تعال يا كريم! تعال شوف مراتك اللي أنت مأمنها على بيتك وشرفك بتعمل إيه في غيابك!”

خرجت وراها وأنا بجر رجليا، شفت كريم واقف في الصالة.. وشه كان أسود زي الليل، ملامحه، عينيه فيها غضب مكتوم يهد جبال، وماسك تليفونه في إيده.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى