تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

ضرتى خلفتها بنات

​ساعتها أنا حسيت إن الدنيا ضحكت لي خلاص! الست اللي كانت مشاركاني في جوزي غارت، والبيت بقى بتاعي، وأنا أم الولاد والست الوحيدة في حياة خالد.

​بس يا فرحة ما تمت…

​من تاني يوم طلاق صفاء، خالد اتغير تماماً.. بس مش التغيير اللي أنا كنت حاطاه في بالي!

خالد ما بقاش يبتسم، بقاش يقعد معايا، كان يرجع من شغله يدخل أوضة بناته يقعد معاهم، يذاكر لهم ويحضنهم ويشيل عيالي الصغيرين برود غريب، كأنه بيأدي واجب وبس. معاملته معايا بقت جافة وزي الغريب، حتى حماتي لما كانت تحاول تفتخ معاه سيرة جواز أو فراشة البيت، كان يزعق ويمشي.

​مرت ست شهور،

 

وأنا حاسة إني اتجوزت خيال مآتة. كل ما أحاول أقرب منه، يتهرب. كل ما ألبس ولا أتدلع، يبص لي بنظرة فاضية ويقولي: “أنا تعبان وعايز أنام.”

​وفي يوم، الولدين عيوا فجأة وسخنوا جداً. الحرارة وصلت 40، وأنا اتجلبت وبقيت أصرخ ومش عارفة أعمل إيه. خالد مكانش في البيت، وحماتي كانت عند أختها.

​طلبت الدكتورة تجيلي البيت بسرعة لأن العيال كانوا بيفرفروا. الدكتورة جت وفحصت الولاد، وأدتهم حقنة حرارة، وقعدت جنبي تطمنهم.

وهي بتكتب الروشتة، بصت لي وقالتلي: “يا مدام زهرة، التعب ده عادي نزلات برد، بس خلي بالك قوي من الأدوية اللي في البيت.. الأطفال في السن ده أي جرعة غلط من أدوية الكبار ممكن تسبب لهم شلل أو وفاة فوراً، زي الدواء اللي لقيتيه في السبوع ده.. فاكراه؟”

​أنا اتلخبطت لانها كانت صاحبة صفاء و كانت بتتكلم بشك وقلت لها بارتباك: “اه اه.. فاكراه، ربنا ستر.”

​الدكتورة بصت لي باتهام وقالت: “بس الغريبة يا زهرة، الدواء ده أصلاً ناقص من السوق بقاله سنة وما بينزلش غير بروشتة خاصة جداً ومن مستشفيات معينة خاصه بالاورام.. صفاء جابته منين ساعتها عشان ؟”

​أنا اتسمرت في مكاني..ووشي اتخطف .

​في اللحظة دي بالذات، الباب اتفتح وخالد كان واقف على الباب! سمع جملة الدكتورة الأخيرة كلها!

​خالد دخل بخطوات بطيئة جداً، وشه كان اسود زي الليل. مشى الدكتورة ووقف قدامي بعد ما قفل الباب.

البيت كان ساكت سكون يرعب.. عيالي كانوا نايمين من أثر الحقنة.

​خالد قرب مني بصوت واطي : “الدكتورة بتقول إيه يا زهرة؟ الدواء ده ناقص من السوق وما بيصرفش غير بروشتة خاصة؟”

​أنا بلعت ريقي بالعافية ورجعت لورا: “أاا.. أنا مش عارفة يا خالد، هي بتقول أي كلام.. أنا إيش عرفني طليقتك جابته ازاي؟”

​خالد مسك إيدي بجمود وضغط عليها لدرجة حست عظامي هتتكسر: “أنتِ أختك شغال ممرضة في مستشفى الأورام الكبيرة يا زهرة…. صح؟”

​أنا ركبي خبطت في بعضها ولساني اتعقد: “خالد.. أنت بتشُك فيا؟! أنا أم عيالك!”

​خالد صرخ في وشي بصوت هز جدران الشقة، صوت طالع من قعر قلبه المكسور: “انطقييييي! أنتِ اللي جبتي العلبه وحطيتيها في جيب صفاء؟! أنتِ اللي رميتي بلاكِ عليا وعلى وحياتها عشان غيرتك الصفرا?!”

​انهرت من الخوف، وبكيت بهستيريا: “سيب إيدي يا خالد! أنا عملت كده عشان بحبك! عشان كنت شايفها هي كل حاجة وأنا ولا حاجة! عشان كنت عايزاك ليا أنا وعيالي بس!”

​خالد ساب إيدي فجأة، ورجع خطوتين لورا وهو يبص لي بقرف واشمئزاز عمري ما شفته في عيون إنسان. مسك دماغه بإيديه الاثنين وقعد على الكرسي وهو بيصرخ وبيبكي زي الأطفال:

“يا زايغ العقل.. أنا ظلمت أصون ست في الدنيا؟ أنا طردت اللي شالتني وشالت بناتي وحمت بيتي عشان واحدة مجرمة زيك؟! أنا بعت الجوهرة عشان حتة زجاج مكسورة؟!”

​في نفس الليلة، خالد نزل زي المجنون. راح لبيت أهل صفاء، قعد تحت رجلين أبوها وبكى قدام عيلتها كلها، اعترف بذنبه وقالهم إن مراته التانية هي اللي بلت عليها وتآمرت ضدها.

صفاء كانت واقفة تبص له بدموع، وبمنتهى الكبرياء والعزة قالت له: “أنا سامحتك يا خالد على ظلمك ليا لأنك كنت مخدوع.. بس أنا مش هرجع لك تاني. اللي بيتكسر ما بيتصلحش، والبيت اللي دخلته الشكوك والافتراءات ما ينفعش أعيش فيه.”

​حاول معاها ليل نهار، دخل كبار العيلة وساسها بكل الطرق، بس صفاء كانت حاطة شرط واحد: بناتها يرجعوا في حضنها وهو يدفع نفقتهم، وهو ملوش أي مكان في حياتها تاني غير إنه أب للبنات.

​أما أنا؟

​خالد رجع البيت الفجر، كان وشه ناشف وخالي من أي مشاعر. مسكني من شعري ورماني برة الشقة بشنطة هدومي من غير ولادي.

وقال لي كلمة واحدة قدام حماتي اللي كانت واقفة تبص لي بقرّف بعد ما عرفت الحقيقة:

“أنتِ طالق بالتلاتة يا زهرة.. ولادي هيعيشوا تحت إيدي وتحت رعاية صفاء لو قبلت تربيهم، وأنتِ مش هتشوفيهم غير بأمر محكمة وفي مكان عام، عشان أم مجرمة زيك ما تستاهلش تتربى على إيدها رجالة.”

​خرجت من البيت وأنا مكسورة، ضيعت كل حاجة بإيدي. الغيرة والحقد طيروا مني جوزي، وعيالي، وكرامتي. صفاء خرجت مرفوعة الراس وحقها رجع لها أمام ربنا والناس، وأنا قعدت في بيت أهلي لا لي زوج ولا عيال، أكل في نفسي وحسرتي.. وعرفت إن الظلم فعلاً ظلمات، وأن تدبير الشر ما بيلفش غير ويرجع لرقبة صاحبه.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى