تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

حكايات بسمه

أخذت الورقة بيدي اللي كانت ترتعش، وفردّتها ببطء، وبدأت أقراها سطر بسطر، وكل كلمة كانت كالسهم يصيب قلبي ويزيده ألماً. أول سطر فيها كان أوضة الأطفال لأولاد بنتي فقط أما بنات مرات ابني، يتعودوا من دلوقتي إن الدنيا مش هتديهم كل حاجة، وإن مكانهم يبقى حيث يرتاح غيرهم، وإن الصبر يكون لهم زاداً في حياتهم. كملت قراءة باقي الورقة، ووجدت فيها الكلام يوضح كل شيء حماتها كانت ترى إن بناتها هم وريثو البيت والمال والمكانة، وبنتاتي مجرد ضيوف، ومكانهم يكون حيث ما يُسمح لهم، وحقوقهم تُعطى بكرم منها لا بواجبهم. وإن السرير الفاضي ده كان محفوظ لما ممكن ييجي أولاد بنتها في زيارة مفاجئة، وحتى لو ما جوش لسنوات، فهو لهم، ولا يحقّ لأحدٍ آخر أن يضع عليه رأسه ولو لليلة.

وقفت الورقة من يديّ وشعرت بدموعي تنهمر بلا صوت، وكل اللي صار من سنين اتضح لي في لحظة. ما كانش فرق في العادات، ولا حبّ للولاد بس، ولا شيء من اللي كنت أقوله لنفسي عشان أبرّر لها. كانت عمداً، كانت بتخطط من زمان، بتعلّم بناتي الصبر على الحرمان، وتعوّدهم على قلّة القيمة، عشان يبقوا تحت أمرها، وعشان يعرفوا إن في بيتها هم الأقلّ دائماً.

مقالات ذات صلة

نظرت لجوزي اللي كان واقفاً مكتوف اليدين، ووجهه يعبر عن خزي وندم ما شفتِه عليه من قبل. قال لي بصوت متهدّج ما كنت أعرف صدّقيني ما كنت أتخيل إنها تصل لهذا الحدّ من القسوة والتحكّم. كنت أظنّها مجرد طبع قديم وميل للولاد، ما توقّعتش إن قلبها يقسى لهذا الحدّ على أبناء ابنه. قلت له وأنا أمسح دموعي وأشدّ ظهري بكل قوة المشكلة مش فيها يا فلاح. المشكلة فينا، فيّ وفيك. أنا صبرت سنين وقلت بيتغير، وأنتِ صدّقتها وقلت عادات قديمة. ونسينا إن البنات بتتعلم منّا الكرامة قبل الصبر. لو كنا وقفنا من أول يوم، ما كانش قلب بنتي اتوجع ولا دموعها نزلت في ليلة البارحة.

سكت قليلاً ثم أكملت بكل هدوء وثبات القرار بيدك طبعاً. أنا مش همنعك تزور أمّك، ولا هتكلّمك في كلامها. لكن أنا وبناتي مش هنرجع هناك تاني. مش هدخل بيتاً بناتي فيه أقلّ من غيرهم. مش هأدخل مكاناً يعلّمهم إن حقوقهم مرهونة برضا أحد غير ربّهم. ولا تقلق، هبرّر لها الأمر بأي سبب، وهحافظ على الود بيننا وبينها بقدر الإمكان. لكن هذا خطّ أحمر لا أنا أتخطّاه، ولا أنت تطلبه منّي.

مرّت الأيام وتلتها أسابيع، وجوزي كان يزور أمّه بمفرده، وكل مرة كان يرجع ويحكي لي كلامها وعتابها، وكيف كانت تسأل عنّي وعن البنات، وأنا كنت أردّ بكل أدب وأرسل لها التحايا والهدايا من غير ما أذهب. لكنني كنت واضحة مع نفسي ومعه العتب واصل، والود قائم، لكن العودة لبيتها مستحيلة.

ذات يوم جاءني جوزي وفي عينيه حيرة، وقال لي أمي بتطلب إنك تروحي لها، بتقول عايزة تتفاهم معاكِ، وإن عندها كلام تبي تقوله لكِ. ربما تكون ندمت، أو حابة تصلح ما انكسر. فكرت في الأمر طويلاً، وقلت سأروح بس بمفردي. والبنات سيبقين في بيتنا. ولن أطيل الجلوس.

ذهبت إليها، ودخلت بيتها الذي لم أعد أشعر فيه بالأمان. جلست معها في الصالة، وكان المفتاح القديم والورقة موضوعين على الطاولة بيننا. نظرت إليّ بترقّب، ثم قالت بصوت خافت خالٍ من تلك القسوة التي عهدتها قرأتِ ما كتبت؟. قلت بهدوء قرأتِ. وفهمتِ كل شيء. تنهدت بعمق وقالت كتبتِ ذلك من سنين، حين كنتِ أرى الدنيا بعينين أخريين. كنتِ أظنّ أنّ حقّ ابنتي وأولادها فوق كلّ حقّ، وأنّ على بنات ابني أن يتعلّموا كيف يصبرن ويقبلن نصيبهنّ مهما كان. لم أدرك أنّني كنتُ أزرع في قلوبهنّ جرحاً لا يندمل، وأعلمهنّ أنّ قيمتهنّ تقلّ عمّن سواهنّ.

سكتت قليلاً ثم مسحت دمعة فرّت من عينها وقالت لمّا قرأتُ ما كتبتُ بعد سنين، شعرتُ بمرارةٍ لا تُوصف. ورأيتُ خطئي جليّاً. لكن الكبرياء منعني أن أعتذر. حتى جاءت ليلتكِ تلك، وخرجتِ وأنتِ تجرين خلفكِ بناتكِ، رأيتُ في عينيكِ ما لم أره من قبل رأيتِ الكرامة التي لا تُساوم. وعرفتُ حينها أنّني خسرتُكِ وخسرتُ قلبكِ الطيّب.

مدّت إليّ المفتاح وقالت هذا مفتاح تلك الغرفة. أصبحت لبناتكِ وحدهنّ. سريرُهنّ فيه دائماً، ومكانُهنّ دائماً فوق مكان غيرهنّ. إن قبلتِ العودة، فأهلاً بكِ وببناتكِ في بيتٍ لا فرقَ فيه بين أحد. وإن أبَيْتِ، فهذا حقّكِ، وسأظلّ ألتمس لكِ العذر، وأنتظر أن يلين قلبكِ يوماً.

نظرتُ للمفتاح في يدها، ثم نظرتُ إليها وقلت بكلّ صدقٍ وهدوء يا حاجة الجرحُ عميق، والسنونَ مرّت. الكرامةُ التي تحدّثتِ عنها لا تُستردّ بمفتاحٍ يُعطى بعدما يُؤخذ حقّكِ سنين. أنا أقبلُ اعتذاركِ وأشكرُ ندمكِ. وأنا سأزوركِ دائماً وأرسلُ لكِ بناتي ليزرنكِ لكن في نهارٍ، لا في ليلٍ. في زيارةٍ نخرجُ منها حين نشاء، لا نبيتُ فيها حيثُ يُسمحُ لنا. فبناتي تعلّمنَ بالفعل أنّ الصبرَ جميل لكنّ الكرامةَ أجمل، وأنّ راحتهنّ لا يمنحها أحدٌ لهنّ، بل هي حقٌّ وُجدنَ به.

لم تردّ عليّ بكلمةٍ، لكنّ دموعَها كانت جواباً يكفي. خرجتُ من بيتها وأنا أحملُ المفتاح في يدي، لا لأعودَ للنومَ هناك، بل تذكرةً لي ولأولادي أنّ الحقوقَ لا تُطلبُ بدموعِ الأطفالِ، بل تُحفظُ بصلابةِ الكبارِ، وأنّه مهما كانَ المكانُ دافئاً ومُهيّأً، فلا دفءَ يُضاهي دفءَ بيتٍ تُحترمُ فيه كرامتُكَ، ولا راحةَ تُشبهُ راحةَ قلبٍ ينامُ على حقّهِ لا على صبره.

وبقيتُ على عهدي لبناتي كلُّ سريرٍ يُفرشُ لهنّ يكونُ باختيارهنّ، وكلُّ مكانٍ يذهبنَ إليه يكونُ فيهِ مكانُهنّ مساوياً لمكانِ كلِّ مَنْ سواهنّ. وعلّمتُهنّ أنّ أوّلَ حقوقِ اللهِ على العبدِ أنْ يحفظَ كرامتَهُ، وأنْ لا يقبلَ لنفسهِ ولا لمن يعولُهُ أنْ يكونوا في مرتبةٍ أدنى لمجرّد أنّ الناسَ اعتادوا ذلك.

وظلّ المفتاحُ في درجِ ملابسي، كلّما نظرتُ إليهِ تذكّرتُ تلكَ الليلةَ، وتذكّرتُ أنّ خيرَ ما ورّثناهُ لأبنائنا ليسَ مالاً ولا بيتاً، بل شعورٌ راسخٌ بأنّهم أهلٌ للكرامةِ حيثُما حلّوا، وأنّهُ لا شيءَ في الدنيا يستحقّ أنْ يُضحّى لأجلهِ بدمعةِ طفلٍ أو شعورِهِ بالنقصِ. فالسريرُ الفاضيُّ يُعوّضُ أمّا الكرامةُ التي تُهانُ فلا تُعوّضُ أبداً.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى