قصص وروايات

دخلت المستشفى ببنتها

الفصل التاني الوجوه القديمة والشكوك الجديدة

دخلت لينا أوضة الاستشارة، وقفلت الباب وراها، وقعدت على الكرسي قدام مكتب أدهم الخشبي الكبير. الأوضة كانت زي ما هي متذكرة تماماً نفس الرائحة المختلطة بين المطهر والقهوة السادة، نفس الصور للقلب على الحيطان، نفس الدفتر القديم اللي كان بيحط فيه ملاحظاته في الجامعة، باين على الرف جنب الكتب. قلبها اتقطع، وبدأت تحس إن الأرض بتتحرك تحت رجليها.

أدهم قعد على الكرسي التاني، وقلبه الملف ببطء،

وبعدين رفع عينيه عليها، وابتسم بابتسامة غريبة فيها حيرة، وفيها شبه تعرف، بس مش واصل لليقين بعد الحقيقة يا ست لينا أول ما شفت بنتك بره، حست بشعور غريب أوي. مش عارفة أشرحه، بس عينيها الشكل بتاعها فيه حاجة بتذكرني بحد كان عزيز عليا جداً، واختفى فجأة من سبع سنين.

لينا سكتت، وشدت على حافت الكرسي بقوة لدرجة إن أصابعها بيضت. ما كانتش عارفة تقول إيه هتعترف؟ ؟ هتكمل السكوت لحد ما العملية تخلص، وبعدين تختفي تانية؟ بس هي عارفة إن لو حصل أي حاجة لنور، هي مش هتسامح نفسها أبداً إن خبت عن أبوها الحقيقة.

كمل أدهم، وصوته انخفض شوية، وكأنه بيحكي لنفسه مش للي قدامه كان اسمها إيلينا بنت طيبة جداً، قلبها أبيض، كانت بتشتغل في الكافيه جنب الكلية، كنت بلاقيها كل يوم بعد المحاضرات، نجلس سوا لساعات، ونحكي كل حاجة. كنت

بحبها أوي، وكنت ناوي أتجوزها، مهما كانت العقبات. بس ليلة واحدة اختفت. سابتلي رسالة صغيرة بتقول إنها مش من مستوايا، وإنها سافرت ومش هترجع تاني. بحثت عنها في كل مكان سألت أصحابها، جيرانها، كل المحافظات، حتى اللي سافروا بره ولا أثر ولا خبر. وكل ما كنت بيكبر السن، كنت أتأكد أكتر إن حاجة غريبة حصلت، إنها مش كانت تسيبني كده من غير سبب حقيقي.

سكت شوية، وبص ل لينا بتركيز زيادة، وكأنه أول مرة بيلاحظ التفاصيل الصغيرة وش حضرتك فيه شبه غريب أوي بيها. الچرح الصغير اللي في طرف الحاجب الأيمن إيلينا كانت عندها نفس الچرح، سقطت من الدرج لما كانت صغيرة. وطريقة الكلام، والنبرة بس شعرها كان أطول، وملامحها كانت أرق شوية بسبب الحاډثة اللي سمعت إنها تعرضت لها بعد ما سابتني. صح؟

لينا دمعت عينيها، ومش عارفة تمنع اللي نزلت على خدها. قالت بصوت ضعيف جداً، بالعافية أنا إيلينا يا أدهم أنا هي.

الكلام ده خرج منها بكل ثقل السبع سنين، وبكل الألم والخۏف والندم اللي حبسته جواها كل ده الوقت. أدهم اتجمد مكانه، ووقف فجأة من غير ما يحس، واقترب منها خطوة وراها، وعينيه مفتوحة من الصدمة، مش مصدق اللي سمعه. قال بصوت متقطع إنتِ إنتِ إيلينا؟ كيف؟ ليه؟ ليه عملتي كده؟ ليه ؟ ليه ما قلتليش حاجة؟

لينا حكتله كل حاجة من أول ما حست إنها حامل، لخۏفها من مدام وفاء أمه، لليلة اللي وقفت قدام شقته وسمعت كلامه في التليفون، لما رجعت وسابت الرسالة، ولحاډثة العربية في المطر، ولما فاقت وعرفت إنها خسړت ابنها آدم، وإن نور هي اللي فضلت، وإنها غيرت اسمها وسافرت لمدينة تانية عشان

تحمي بنتها وتعيش بسلام. حكتله كيف كانت پتخاف إن أمه تفرق بينهم، وإنها تاخد نور منها، وإنها مش عايزة تكون عبء عليه في بداية مشواره الطبي.

لما خلصت الكلام، كانت پتبكي بكل قلبها، ووقعت على ركبتيها، وقالت سامحني يا أدهم سامحني لو قدرت. كنت خاېفة أوي، ومكنش عندي حد أسأله ولا أستشيره، كنت وحيدة جداً.

أدهم نزل لمستواها، ومسك إيديها بقوة ورفعها لصدره، نزلت هو كمان أول مرة يبكي من سنين. قال بصوت مهزوز أنا اللي لازم أتسامح يا إيلينا أنا السبب في كل ده. أنا اللي خليتك تحسي إنك وحيدة، وإنك مش كفاية، وإن مفيش حاجة تجمعنا غير لما أنا أقرر. سمعت كلام أمي وصدقتك، وما سألتكش ولا حاولت أفهم وجهة نظرك، وسبتك تواجه كل ده لوحدك. يا ريتني كنت عرفت من زمان يا ريتني كنت جنبك في كل لحظة من السبع سنين دول.

الفصل التالت العدو القديم والحقوق المخبأة

بعد ما هدوا شوية، رجعوا يقعدوا، وبدأ أدهم يفهمها كل حاجة كانت خبيتها عنه. قال الليلة دي اللي سمعتني فيها أمي كانت بتكلمني فعلاً، بس مش اللي كنت فاكراه. كانت بتقولي إنها عرفت إنك حامل، وإنها كانت جاية تطلب مني أتجوزك بسرعة، عشان نحفظ للطفل حقه، وإنها كانت عايزة تتعرف عليكي أكتر وتصالحك. قلت لها عارف وفاهم عشان كنت موافق تماماً على كل كلامها، وكنت ناوي أجيلك تاني يوم الصبح وأقولك كل ده. بس أنتي مش استنيتي وسبتيني أضيع فيك سبع سنين.

لينا فتحت عينيها من الصدمة، وقلوبها اتقطعت من الندم. قالت يعني كل ده كان وهم؟ كل الخۏف اللي عشته كان بسبب فهمي غلط لثلاث كلمات؟

أدهم هز راسه بندم للأسف يا حبيبتي. أمي كانت قاسېة في الطريقة، بس كانت عايزة مصلحتي ومصلحتك ومصلحة الطفل اللي كان جاي. كانت خاېفة أتسرع، بس لما عرفت بالحمل، غيرت رأيها فوراً.

في اللحظة دي، سمعوا دق الباب، ودخلت مدام وفاء. كانت جاية تزور صديقة ليها في المستشفى، وعرفت إن أدهم موجود هنا، فقررت تمر عليه. أول ما شافت لينا، اتجمدت مكانها، وعينيها اتسعت عرفتها فوراً، رغم التغيرات اللي في وشها والاسم الجديد. قالت بصوت متعجب إيلينا؟ صحيح إنتي؟ كنت فين كل ده؟

لينا قامت وقفت، ومش عارفة ترد، بس أدهم تكلم أولها، وقال بصرامة أيوه يا ماما، هي إيلينا. وهي كانت مخبية عنا إن عندنا بنت اسمها نور، وهي اللي جاية نعملها عملية قلب دلوقتي. كل ده بسبب الخۏف اللي زرعته فيها من أول مرة شفتيها، ولما فهمت كلامك غلط واختفت.

مدام وفاء قربت شوية، وبصت ل لينا بدموع في عينيها، وقالت بصوت هادئ مليء بالندم سامحيني يا بنتي سامحيني لو كنت قاسېة معاكي، أو جعلتك تحسي إنك مش مرحوبة بيكي. ما كانش قصدي أأذيكي، كنت بس بختبرك، عشان أعرف إنك قوية وتستاهلي أدهم، وإنك تتحملي مسؤولية البيت والولاد. ولما عرفت إنك حامل، حزنت أوي لما عرفت إنك سافرتي، وكنت بدور عليكي زي أدهم بالظبط. لو كنت عرفت إنك تعبانة ومحتاجة مساعدة، كنت جيتلك بنفسي واخدتك تحت عيني.

بعدين لفتت ل أدهم، وقالت أنا موافقة على كل حاجة يا بني، من أول يوم عرفت إنك بتحبها. والبنت نور دي بنتنا كلنا، وهنعمل كل اللي نقدر عشان تبقى في أحسن حالة.

اتفقوا على كل التفاصيل بسرعة، وقرروا إن لينا تفضل تقعد في الشقة بتاعة أدهم جنب المستشفى، عشان تكون قريبة من نور، ومدام وفاء كانت بتجيلهم كل يوم بأكل وملابس وحاجات البنت، وتقعد معاهم تساعد في أي حاجة محتاجينها.

بس السكوت ما دامش طويل. في اليوم اللي بعده، جالها محامٍ، وقدم لها أوراق تثبت إن أدهم طلب إثبات نسب نور من زمان، وإن كل المصاريف الطبية والمعاشات اللي كانت محتاجة لها كانت محجوزة باسمها وباسم نور، من أول يوم عرف أدهم بوجودها واختفائها. وطلعت كمان أوراق تثبت إن مدام وفاء كانت هي اللي دفعت تكاليف البحث عنها في كل المحافظات، وإنها كانت جهزت كل حاجة لشقة تانية لهم لو رجعوا.

لما شافت الأوراق، لينا عرفت إنها كانت غلطانة من أول الأساس، وإن السبع سنين اللي عاشت فيها وحيدة كانت ممكن تكون أحلى سنين عمرها لو كانت بس سألت أو استنيت شوية.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى