
سحبوني على جوه، في شقة حماتي اللي في الدور الأرضي. رموني على الكنبة، وقفلوا الباب الخشب الكبير بالترباس. إبراهيم طلع تليفونه على طول وضغط على زرار الاتصال، وفتح الاسبيكر.
صوت رنة التليفون كانت بتدق في راسي زي الطبلة، لحد ما الخط فتح وجالي صوت وائل.. صوت خطيبي الحنين اللي كان بيجيبلي ورد! بس المرة دي صوته كان حاد وسريع وفي دوشة عربيات وراه: “إيه يا إبراهيم؟ خلصتوا الليلة؟ البضاعة نزلت؟”
إبراهيم بصلي بنظرة شماتة وغل وقال: “البضاعة تمام وجاهزة يا وائل.. بس البضاعة التانية، العروسة بتاعتك، ندى، قاعدة معانا في الصالة دلوقتي وسامعة كل حاجة من طقطق للسلام عليكم!”
الخط سكت تماماً.. ثواني من الصمت المرعب، مكنش فيه غير صوت أنفاس وائل وهي بتعلو. وبعدين صوته اتقلب تماماً، النبرة السمحة اختفت، وطلع صوته الحقيقي.. صوت مسجل خطر: “ندى عندكوا؟ إيه اللي جابها؟ وشافت إيه؟”
إبراهيم رد: “عرفت كل حاجة.. عرفت إنك في بورسعيد مش بتفتح فرع جديد، وعرفتي إننا شغالين في التهريب، وسامعة أبوك وهو بيقول إنك ليك سوابق ومحبوس مرتين قبل كده!”
سمعت صوت وائل وهو بيخبط بـ إيده على دركسيون العربية في التليفون وبيشتم بأبشع الألفاظ، وبعدين قال لإبراهيم: “اقفلوا عليها الباب.. مفيش مخلوق يعرف مكانها، ولا تليفونها يلقط شبكة. أنا قدامي ساعتين على الطريق وأكون عندكوا.. وأنا اللي هعرف أتصرف معاها ومع أهلها الغلابة دول!”
الخط قطع. وحمايا بص لإبراهيم وقاله: “خد تليفونها وتليفون البت التانية اللي معاها، واقفل عليهم في الأوضة الجوانية.. لحد ما وائل يجي ويشوف هيداري عملته دي ازاي.”
جمعت كل شجاعتي ووقفت، ودموعي مغرقة وشي، وصرخت فيهم: “أنا أبويا مش هيسيبني! وأنا لو غبت ساعة واحدة الحارة كلها هتقلب الدنيا عليا!”
إبراهيم ضحك ضحكة عالية رنت في البيت كله، وقرب مني وشد شنطتي من إيدي بعنف، وقال وهو بيبصلي من فوق لتحت: “أبوكي الأرزقي؟ اللي مش لاقي ياكل؟ ده لو عرف إحنا مين، هيمضي على تنازل عنك عشان يشتري عمره وعمر إخواتك.. اقعدي يا شاطرة ووفري دموعك للقا الغالي.. وائل زمانه على وصول!”
اترشقت في الأوضة الضلمة أنا ومنة، والباب اترزع ورايا، وصوت الترباس وهو بيقفل كان بيعلن إن كابوسي الحقيقي لسه هيبدأ بعد ساعتين لما وائل يوصل..
منة صاحبتي قعدت في ركن الأوضة وضامة رجليها لبطنها وبتعيط بنشيج واطي وهي بترتعش: “يخرب بيتك يا ندى.. ودتيني في داهية معاكي! قولتلك بلاش بلاش، أهو هنروح في شربات الورد بسببك وبسبب خطيبك الحرامي!”.
أنا مكنتش سامعاها أصلا.. كلام إبراهيم عن أبويا كان بيحرق في دمي زي مية النار. أبويا الراجل الشقيان الغلبان اللي معندوش في الدنيا غير شرفه، يتقال عليه هيبيع بنته عشان يشتري عمره؟ دموعي نشفت من كتر الغل، والخوف اتقلب لـ طاقة غريبة خلتني مش شايفة قدامي.
بصيت في الأوضة الضلمة؛ كانت أوضتهم اللي بيخزنوا فيها الكراكيب والهدوم القديمة. قعدت أنبش في الأرض وفي الحيطة زي المجنونة بدور على أي طريقة نخرج بيها. منة بصتلي وقالت: “بتعملي إيه يا مجنونة أنتي؟”
قلتلها بفحيح مكتوم: “مش هقعد هنا مستنية الحرامي ده ييجي يخلص عليا! ساعديني!”
لمحت شباك صغير منور في آخر الأوضة، شباك خشب قديم ومصدي وعلى منور البيت. جريت عليه، وبكل قوتي وبحذر، قعدت أهز في الضلفة لحد ما المسمار القديم فلت في إيدي. الشباك فتح.. المنور كان ضيق ومكركب، بس كان فيه مواسير السباكة نازلة لغاية الأرض، وفي آخره باب حديد صغير بيفتح على الشارع الجانبي لبيت العيلة!




