
بصيت لمنة وقلت لها: “ده طريقنا الوحيد.. يا إما هنستني وائل ييجي يدفننا هنا.”
منة بلعت ريقها وبصت للمنور برعب، بس مكنش فيه خيار تاني. سحبتها من إيدها، وبدأنا نتسحب من الشباك الضيق واحد ورا التانية. رجلي لمست ماسورة السباكة، وكنت بتشبت بضوافري في الحيطة عشان مقعش وأعمل صوت. نزلنا خطوة ورا خطوة، والتراب بيعفر وشنا، لحد ما رجلينا لمست أرضية المنور.
مشيت بحذر لغاية الباب الحديد القديم، زقيت الترباس المصدي بكل عزمي.. الباب عمل تزييق واطي، واتفتح على زقاق ضيق وضلمة.
أول ما رجلينا لمست الأسفلت، جرينا.. جرينا كأن عزرائيل ورايا، مكنتش حاسة بنفَسي ولا برجلي وهي بتخبط في الأرض. ومكنش معايا تليفون ولا مليم واحد في جيبي لأن إبراهيم أخد الشنطة. استخبينا ورا عربية نقل مركونة على أول الشارع الرئيسي، وكنت برتعش والوقت بيجري.. الساعتين بتوع وائل قربوا يخلصوا!
وفجأة، لمحت عربية وائل الكيا السيراتو السودا داخلة الشارع بسرعة جنونية، وفرملت قدام بيت عيلته بقوة خلت الكاوتش يصرخ على الأسفلت. الباب اتفتح، ونزل منه وائل.. بس مكنش وائل اللي أنا عارفاها. كان لابس قميص أسود، وشه عابس، وفي عينه نظرة إجرام حقيقية، وفي إيده حتة حديدة (مطواة) مخبيها ورا ضهره!
دخل البيت وعيونه بتلف في الشارع كأنه بيدور على أي حركة غريبة.
منة شدايتني من طرحتي وهي بتموت من الرعب: “أهو جه.. أهو جه يا ندى! لو شافنا هيدبحنا!”
مسكت نفسي بالعافية، وبصيت حواليا.. إحنا على أول الشارع الرئيسي، وفي كشك سجاير صاحبه راجل كبير يعرف أبويا. جريت عليه وأنا بنهج ودموعي نازلة: “عم محمد! أرجوك.. اتصل بأبويا علطول قوله ندى في مصيبة ومحجوزة على أول الشارع ومحدش ييجي لوحده!”
الراجل اتخض من منظري المبهدل والتراب اللي عليا، ومسك التليفون علطول وبدأ يتصل..
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت زعيق وهبد عالي جاي من بيت العيلة.. صوت إبراهيم ووائل وهم بيكتشفوا إن الشباك مكسور، وإننا هربنا! ثواني ولقينا وائل وإبراهيم خارجين من بوابة البيت، وعيونهم غضب وهم بيلفتوا في كل اتجاه في الشارع يدوروا علينا.. ووائل عينيه جت على الكشك اللي إحنا مستخبيين وراه!
وائل شاف خيالنا ورا الكشك، وعينيه طاير منها الشرار. صرخ بصوت هز الشارع: “أهو م هناك يا إبراهيم! هاتهم!” وجري علينا والمطواة بتلمع في إيده. منة صرخت وصوتها انقطع من الرعب، وأنا حسيت إن دي النهاية.. رجلي اتسمرت في الأرض والمسافة بيننا وبينه بقت خطوات.
وفجأة، الشارع كله اتقلب.. صوت كلاكسات وعربيات وسواطير بتخبط في بعضها! عربيتين ربع نقل دخلوا الشارع وبيرموا تراب، ونزل منهم رجالة الحارة بتاعتنا.. شباب ورجال أرزقية، وفي مقدمتهم أبويا.. الراجل الغلبان اللي طأطأ راسه زمان، كان داخل وعينيه فيها غضب يهد جبال، وفي إيده شومة كبيرة!
عم محمد بتاع الكشك كان لقط الإشارة ولحق أبويا في ثانية. أبويا صرخ بصوت زلزل المكان: “ورب العزة اللي هيقرب من بنتي لـ أفرمه تحت رجلي! يا وائل يا حرامي يا سوابق!”
وائل وإبراهيم اتسمروا مكانهم لما لقوا حارة بحالها واقفة سد منيع. وائل وشه جاب مية لون، وحاول يخبي المطواة ورا ضهره وبدأ يتلعثم: “يا عم الحج.. افهم بس.. دي بنتك دخلت بيتنا وسرقت ورق..”
أبويا مقلوش كمل الكلمة.. نزل بالشومة على إيده خلاه يصرخ والمطواة تقع من إيده، والرجالة التفت حوليهم وكتفوهم في ثواني. في نفس اللحظة، صوت سرينة البوليس رن في الشارع، وكانت عزة المحامية صاحبة عم محمد لقطت الحكاية وبلغت القسم، البوكس جه ولم وائل وإبراهيم وأبوهم، والكلبشات اتفلت في إيديهم بتهمة التهريب واحتجاز مواطنين بدون وجه حق.. وانكشف المستور قدام المنطقة كلها.
أبويا جالي، خدني في حضنه وقال وهو بينهج: “طول ما فيا نفس يا ندى، محدش يقدر يكسرك ولا يدوس ليكي على طرف.. الفلوس بتروح وتيجي، بس الشرف والضهر هما السند.”
**الحكمة من القصة:**
> “البيوت أسرار، والوشوش السمحة مش دايما وراها قلوب نظيفة. الطمع بيعمي النفوس، والراجل اللي تلاقيه بيمثل الحنية قدامك وهو بره بيته ، اهربي منه وأنتي على البر. والأهم من كل ده.. أوعي تستهوني بأهلك الغلابة أو تفتكري إن قلة الفلوس قلة حيلة؛ الغلبان في رزقه بيكون أسد في شرفه وضهره بيسند بلد!”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




