
رديت وأنا بحاول أرسم ابتسامة هادية على وشي: “أهلاً يا جميلة، معلش جيت على غفلة.. أصل منة صاحبتي فاضية النهاردة بس، وقولت نيجي نرفع مقاسات شبابيك شقتي عشان الستائر قبل ما الزحمة تاخدنا.”
دخلنا الشقة، والمكان كان هادي زيادة عن اللزوم. نزلت شقتي اللي بتتوضب، وجميلة نزلت معانا وهي بتفرك في إيدها وكل شوية تبص من الشباك كأنها مستنية مصيبة تقع. منة بدأت تقيس وأنا عيني كانت بتفتش في كل ركن.. بدور على أي حاجة تؤكد كلام جميلة، أو تنفيه.
وإحنا واقفين، سمعنا صوت دبة رجلين تقيلة على السلم، وصوت زعيق وخناق بره بيزلزل جدران البيت. جميلة لقطت النفس ووشها اتقلب أصفر زي الليمونة، وقالت بصوت مرعوب: “يا لهوي.. إبراهيم رجع هو وأبوه.. الحقي استخبي في البلكونة يا ندى متوريهمش وشك دلوقتي!”
وقفت مكاني ومتحركتش، الفضول والخوف شلوا حركتي. الباب البراني لبيت العيلة اتهبد، ودخل إبراهيم—جوز جميلة—وكان باين عليه الغضب وعينه حمرا زي الدم، ووراه حمايا الكبير، الراجل اللي كنت فاكراه شيخ وقور. إبراهيم كان ماسك في إيده كيس أسود غريب، وبيتكلم بنبرة كلها غل وهو بيوجه كلامه لأبوه: “الواد وائل لسه مكلمني من بورسعيد، بيقولي البضاعة الجديدة اللي نزلت المينا لازم تتصرف الليلة، الزبون واقف على الإستلام، والبوليس مكثف الكمائن على الطريق!”
حمايا رد بصوت غليظ وهو بيبصق على الأرض: “وائل طول عمره دماغه سم، بيعرف يخلص من الحتت الضيقة.. بس قولي، الحرمية الصغار اللي شغالين تحت إيده أمنوا المخزن ولا هنتمسك زي المرة اللي فاتت؟ أنا مش حمل تانية في العيلة دي!”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. “بورسعيد؟ مخزن؟تانية؟” يعني وائل مكنش بيكدب لما قال إنه في بورسعيد، بس مكنش بيفتح فرع شغل حلال.. ده كان بيدير شبكة! وتأكيد حمايا على “المرة اللي فاتت” خلاني أربط الخيوط ببعضها.. وائل فعلاً سوابق وله في السجون!
في اللحظة دي، إبراهيم التفت وشافني واقفة في صالة الشقة اللي تحت، وعينه جت في عيني. نظرة الوش السمح اللي كنت بشوفها في العيلة دي اختفت تماماً، وحل مكانها نظرة تخوف بلد.
قرب مني بخطوات سريعة وعينه بتطق شرار، وبص لجميلة وقال بزئير: “مين دي يا جميلة؟ وإيه اللي جابها هنا دلوقتي؟ والبت دي سمعت إيه؟!”
جميلة انكمشت في مكانها وبدأت تعيط وتقول: “دي ندى يا إبراهيم.. ندى خطيبة وائل.. جيت قفشة والله مكنتش أعرف!”
حمايا قرب هو كمان، وبصلي بنظرة خلت ركبي تخبط في بعضها، وقال ببرود مرعب: “يا مرحب يا عروسة ابننا.. جيتي في وقتك والله، شكلك كده عرفتي سر الطبخة بدري.. تعالي بقا اقعدي معانا عشان نتفاهموا، ومفيش خروج من البيت ده لغاية ما وائل يرجع بالسلامة ونشوف هنعمل معاكي إيه!”
منة صاحبتي الخياطة شافت المنظر من هنا، وجات لها حالة ذهول، والمازورة وقعت من إيدها، ولقيتها بتنسحب لورا وهي بتبصلي بنظرة رعب كأنها بتقولي: “الله يرحمك يا ندى.. أنا ماليش دعوة بالمعمعة دي!”.
حمايا قرب مني خطوتين، وعينه كانت مليانة غدر وعمره ما كان هو الراجل الطيب اللي جالي البيت وطأطأ راسه لأبويا. مد إيده الناشفة ومسكني من كتفي بقوة وجعاني، وقال بصوت فحيح زي التعبان: “ادخلي جوه يا بت.. البيت ده اللي بيدخله ويسمع اللي ملوش فيه، مبيرجعش لبيت أهله بالسهولة دي.”
جميلة كانت واقفة ورا إبراهيم جوزها، بتلطم على خدودها من غير صوت، ودموعها نازلة، وعينها بتقولي: “أنا مش قولتلك الحقي نفسك وأنتي على البر؟!”




