قصص وروايات

مراتي وقفت جنبي

عملت إيه يا إيهاب؟ كلمتها؟ صوت أمي كان فيه لهفة غريبة، لهفة الجدة اللي مستنية حفيد بقالها سنين.

تنهدت

بضيق أيوة يا أمي، كلمتها.. والدنيا اتقلبت، وقالت لي لو اتجوزت طلقني.

أمي صوتها نبرته اتغيرت وبقى فيه حدة تطلقها إيه يا بني! هي بتلوي دراعك؟ بدال ما تقولك روح يا إيهاب وشوف مصلحتك وربنا يرزقك بالولد اللي نفسك فيه؟ هي أنانية للدرجة دي؟

نور مش أنانية يا أمي! رديت بصوت عالي ڠصب عني، نور شالتني وأنا ممعيش تمن المواصلات، متقوليش عليها كده.

أمي قفلت السكة وهي زعلانة، وأنا قعدت حاطط راسي بين إيديا. في نفس الوقت، صحابي في الشغل مبيبطلوش كلام. يا عم اتجوز، الشرع محلل أربعة، وهي بكرا لما تلاقي العيل جه هتتعلق بيه وتحبه، الستات كدا في الأول بيعملوا شو، وبعدين بيرضخوا للأمر الواقع.

كلامهم كان عامل زي النداهة، بيسحبني لسكة أنا نفسي مش عارف هترسي بيا على فين. أنا فعلاً نفسي في طفل. نفسي أدخل البيت وأسمع صوت

ضحك وصړخي في الممرات. نفسي أحس إن تعبي وشقايا في الدنيا دي ليه امتداد. بس هل التمن هيكون نور؟

صمت البيوت.. أصعب من الخناق

رجعت البيت في الميعاد. الباب اتفتح، وشميت ريحة الأكل. البيت كان مترتب ونضيف زي العادة، ونور كانت قاعدة في الصالة، ماسكة كتاب وبتقرأ فيه. أول ما دخلت، رفعت عينيها وبصت لي، هدوء تام. مفيش العتاب بتاع كل يوم، مفيش الضحكة اللي كانت بتستقبلني بيها وتنسيني هم الشغل.

قعدت على الكرسي اللي قدامها نور.. إحنا مش هنفضل عايشين كدا كأننا أغراب.

قفلت الكتاب براحة وحطته على التربيزة إحنا مش أغراب يا إيهاب. إحنا في فترة ترتيب أوراق. أنا قايمة بواجبي في البيت كامل، وأكل لقمة عيشي معاك بالمعروف لحد ما تاخد قرارك. إنت فكرت؟

السؤال كان مباشر وصاډم. مكنتش متوقع إنها هتبقى بالصلابة دي.

هتفت

بتوتر فكرت في إيه يا نور؟ إنتي فاكرة الموضوع سهل عليا؟ أنا محتار، بين ڼاري ونارك. نفسي في حتة عيل، وفي نفس الوقت مش عايز أخسرك.

ابتسمت ابتسامة ۏجع، عينها لمعت بالدموع بس منزلتش يا إيهاب.. مفيش حاجة اسمها في نفس الوقت. الدنيا مش بتدي كل حاجة. إنت عايز تخلف، وده حقك الشرعي والإنساني، وأنا مقدرش أمنعك. بس أنا كمان حقي أحافظ على كرامتي وعلى قلبي اللي مش هيستحمل الشراكة. اختار يا إيهاب.. ومتقلقش، لو اخترت الخلفة، أنا مش هكرهك، بالعكس، هدعيلك من قلبي، بس من بعيد.. بعيد أوي.

قامت وسابتني للشك اللي بياكل في فروة راسي. دخلت البلكونة، وبقيت أبص على الشارع والناس. الدنيا زحمة وكل واحد جري في همومه. افتكرت لما كنا بنقف في بلكونة شقتنا القديمة الإيجار، وكانت الدنيا تمطر، فتقوم تجري تجيب كوبايتين شاي

بقرنفل، ونقعد نضحك على الهوا اللي بيطير غسيل الجيران. كنا حرفيًا معندناش حاجة، بس كان عندنا كل حاجة. ودلوقتي.. عندنا كل حاجة، ومفيش بيننا أي حاجة!

المواجهة الكبرى

بعد أسبوع من الصمت القاټل ده، نزلت عند أمي بناءً على طلبها. لقيت أختي الكبيرة هند قاعدة معاها. من أول ما دخلت، عرفت إن في مؤامرة مطبوخة.

أمي بدأت الكلام بص يا إيهاب.. أنا كلمت لك الحجة أم أسماء، جارتنا القديمة. بنتها أسماء بنت مؤدبة، ومتعلمة، ومن توبنا، وموافقة إنها تتجوزك، ومندمجة جداً مع ظروفك وموضوع نور.. وقالت إنها مش هتعمل مشاكل.

أختي هند كملت أيوة يا إيهاب، والبنت لسه صغيرة وصحتها كويسة، يعني إن شاء الله من أول سنة هتملى عليك البيت عيال. ونور تفضل هنا في الشقة الكبيرة، وإنت خد لأسماء شقة تانية قريبة مننا.

الكلام كان بيتقال

ببساطة شديدة، كأنهم بيشتروا حتة أرض أو بيغيروا عربية. حسيتع بخنقة ودمي بدأ يغلي إنتوا بتتكلموا إزاي؟ إنتوا فاكرين نور دي جارية عندي؟ دي مراتي! دي الست اللي شالتني في طين الدنيا قبل عسلها!

أمي زعقت وإحنا مقلناش ارميها يا بني! إحنا بنقول اتجوز عليها عشان تخلف! هو الجواز حرام ولا عيب؟ ما كل الرجالة بتعمل كدا لما ربنا بيكرمهم والست مابتخلفش. إنت هتقعد تندب حظك جنبها لحد ما تكبر وتلاقي نفسك لوحدك؟

كلام أمي كان قاسې، بس للأسف كان بېلمس حتة خوف جوايا. خوف من الوحدة.. خوف من العجز من غير سند.

رجعت البيت وأنا مڼهار تمامًا. فتحت باب الشقة بقوة، ودخلت. نور كانت واقفة في الصالة، باين عليها كانت مستنياني وعارفة أنا كنت فين.

بصيت لها ودموعي نزلت ڠصب عني نور.. أنا تعبان. تعبان أوي. مش قادر أتحمل الضغط ده كله. الكل جاي

عليا، والكل بيلومني كأن الذنب ذنبي.

قربت مني، ولأول مرة من أسبوع مدت إيدها ومسحت دمعة من على خدي. النظرة الحنينة رجعت لعينيها لثواني عارفة يا إيهاب.. وعارفة إنك بتمر بأيام صعبة. وعشان أنا بحبك ومستخسرة فيك التعب ده.. أنا هريحك.

بصيت لها باستغراب تريحيني إزاي؟

مشيت خطوتين ناحية التربيزة اللي في الصالة، وشاورت على شنطة هدوم كبيرة كانت محطوطة في الركن. أنا مشفتهاش وأنا داخل من كتر عمايا. قلبي سقط في رجليا.

دي شنطة هدومي.. قالتها بصوت ثابت بس مليان شجن، أنا كلمت بابا، وهو جاي في السكة ياخدني. أنا مش هسيبك تحت ضغط أمك وأهلك، ومش هكون العائق اللي بينك وبين حلمك. إنت عايز تتجوز وتخلف، وإحنا وصلنا لنقطة سد. طلاقي منك هو الحل الوحيد عشان إنت تبدأ حياتك الجديدة من غير ذنب، وأنا أحافظ على اللي باقي

من كرامتي وقيمتي قدام نفسي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى