تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

اتجوزت امبارح

الأيام الأولى من الشهر مرت بطيئة وثقيلة كأنها سنين. كنت قاعدة في بيت أبوي، سامح كان بيحاول يثبتلي كل ساعة إنه اتغير بجد. كل يوم يبعتلي رسالة طويلة، ويجي تحت البيت يستناني بالساعات من غير ما يطلع لحد ما أطل عليه وأديه إشارة بإنه يمشي. كان بيجيب لأمي وأبويا هدايا، وكان دايماً بيحاول يكلمني ويعتذر بكل الطرق الممكنة.

لكن في المقابل، الحاجة هدى ونوران لم ترحما قط.

في يوم، كنت قاعدة في الصالة مع أمي، وفجأة سمعنا صوت خبط على الباب. فتحت أمي الباب، وفوجئنا بنوران بنت أختها واقفة على العتبة، ووشها ماليان بابتسامة صفراء مليانة سم.

— “أهلاً يا مريم.. أومال فين عريس الهنا؟ سمعت إنه قاعد مقضيها أيام عزوبية هنا عندكم في بيت أبوكي!” نوران قالتها بصوت عالي وهي بتدخل الصالة كأنها صاحبة بيت.

بصتلها بثبات ووقفت مكاني: — “خير يا نوران؟ جاية لحد عندي لحد هنا وعايزة إيه؟ لسه مكفكيش المطبخ اللي عمتك حفرتهولي؟”

نوران ضحكت بتهكم وقربت خطوة: — “مطبخ مين يا حبيبتي؟! فوقي لنفسك بقى! عمتي هدى مكسورة الخاطر منك ومن طريقتك مع ابنها، وفاكرة إنك بالشو اللي عملتيه هتاخدي سامح ليكي لوحدك؟ سامح ده بتاعي ومن زمان، وعمتي مستحيل تسيب البيت لبت زيك!”

— “اللي زيني شريفة وعفيفة ومرفوعة الرأس، مش زي اللي بتجري ورا راجل متجوز وراسمة على ممتلكاته!” رديت عليها بكل قسوة وقربت منها لحد ما خلتها ترجع لورا خطوة من قوة نظرتي، “اطلعي بره بيتي، وبدل ما أطلب البوليس يطردك، اعتبري نفسك لو خطيتِ خطوة كمان هنا هتندمي أشد الندم!”

في اللحظة دي، الباب اتفتح وفجأة دخل سامح. كان جاي عشان يطمن عليا كعادته كل يوم، وشاف نوران وهي واقفة وبتتطاول في الكلام.

عين سامح اتحولت للون الدم من الغضب. جري عليها ومسكها من دراعها بقسوة وزقها لحد بره الشقة:

— “أنتِ إيه اللي جابك هنا يا حقيرة؟! مين إذنك تدخلي بيت مراتي؟!”

نوران اتصدمت من طريقة سامح ومن قوته، وقالت وهي بتصطنع الدموع: — “أنا جاية أطمن عليك يا سامح، وعمتي مهدورة حقها…”

— “عمتك ولت وانتهت، وأنتِ لو شفت وشك في الشارع ده تاني، قسماً بالله ما هتساهل معاكي! ابعدي عن حياتي وحياة مراتي، واختفي من وشنا للأبد!” صرخ في وشها وهي هربت جري على السلم وهي بتبرطم بغضب.

سامح قفل الباب وراها، وجه نحوي وعيونه بتلمع بالندم والحب، ووقع على ركبه قدامي زي ما عمل أول مرة، بس المرة دي بدون توسل رخيص، بل برجولة وإصرار صادق:

— “مريم.. أنا آسف إنهم لسه بيحاولوا يأذوكي، بس أقسم بالله العظيم أنا قطعت علاقتي بيها وبكل اللي تبعها. أنا شريتكم كلكم وما يهمنيش حد في الدنيا دي غيرك.”

بصيت لعيونه، ولقيت فيها الصدق اللي كنت بتناه طوال الشهر ده. مدت إيدي، ورفعت رأسه بهدوء، وقلت:

— “الشهر خلص يا سامح.. وأنا شوفت فعلاً إنك بقيت راجل يقدر يحمي مراته.”

سامح ابتسم بدموع فرح، وقال: — “يعني هنرجع بيتنا يا مريم؟”

— “هرجع معاك بيتنا.. بس بشروطنا الجديدة، عشان اللي يفتح باب للشر تاني، يعرف إن جزاءه القطع.”

رجعت لبيتي وانا مرفوعة الرأس، ونسيت كابوس ليلة الدخلة، وبدأنا صفحة جديدة أساسها الحب، الاحترام، والكرامة اللي لا يمكن تتهان تاني ابداً.

**الجزء السادس (قبل الأخير)**

بعد مرور أسابيع هادئة ومستقرة، رجعت فيها حياتي مع سامح لمسارها الصحيح، وبدأت أحس بالأمان والدفء اللي حرمت منهم أول جوازنا، حصلت حاجة مكنتش على البال ولا على الخاطر.

في يوم، كنت لوحدي في الشقة، وسامح كان في الشغل. سمعت خبط على الباب. فتحت، فلقيت مندوب توصيل ماسك في إيده ظرف كبير وعليه اسمي.

— “مدام مريم؟” المندوب سألني.

— “أيوه، أنا هي. خير؟”

— “حضرتك الورق ده وصل لعنوان بيت أهلك، ووالدك بعته ليا عشان أوصلهولك هنا فوراً لأن الموضوع فيه ورث وقضايا تخصك من عائلة والدتك الله يرحمها.”

قلبي قبض. مسكت الظرف بإيد بتترعش، ووقعت إمضاء الاستلام، وقفلت الباب بسرعة. قعدت على ترابيزة الصالة وفتحت الظرف. جوه كان فيه أوراق رسمية، ومستندات، وخط بخط إيد أمي الله يرحمها، وكمان شهادات ومراسلات قديمة. بس اللى جمد الدم في عروقي ورقة قانونية تخص قطعة أرض كبيرة جداً باسم أمي، وكان مكتوب بخط كبير إن فيه شخص محدد باع الأرض دي بتوكيل مزور وبصمة مزورة من شهور قليلة!

والشخص اللي باع الأرض ونقل ملكيتها لنفسه.. هو “أخو الحاجة هدى” (خال سامح)!

قعدت أقرأ الأوراق وأنا مش مصدق عيني. أمي كانت سايبة لي ميراث كبير، وعيلة سامح، وتحديداً عمتي هدى وخال سامح، كانوا عارفين بالموضوع ده من زمان. هما كانوا فاكرين إن أمي ما سابتش ورق رسمي، وإن الميراث ده ضاع أو محدش هيسأل فيه، عشان كده الحاجة هدى كانت رافضة جوازي من سامح أصلًا من البداية، مش عشان نوران ولا عشان كرامة الصعيد، بل عشان خافت إن الحقيقة تظهر وإن سامح يعرف إن عيلته هي اللي سارقة حقوقي أنا وأهلي!

كل قطعة من اللغز بدأت تترص قدامي بوضوح مرعب.  اللي عملوها يوم الفرح، والحنة، والرسائل، وتدبير الانفصال.. مكنش لمجرد إن نوران تتجوز سامح وبس، دي كانت خطة جهنمية عشان يبعدوني، ويشوهوا سمعتي، ويخلوني أنا وأهلي ننشغل بمشاكلنا وكرامتنا، وننسى نهائي أي حقوق أو ميراث!

في اللحظة دي، دخل سامح الشقة وهو بيفك كرافتة قميصه وتعبان من الشغل. أول ما شافني قاعدة ووشي أبيض زي الكفن والورق مفرود قدامي، جرى عليا بخضة:

— “مريم! مالك يا حبيبتي؟! في إيه؟ إيه الورق ده؟!”

رفعت عيني الباكية وبصيت لسامح، ومديت له الورق بصوت مرعش:

— “اقرأ يا سامح.. اقرأ اللي أهلك عملوه فيا وفي أهلي.”

سامح خد الورق، وبدأ يقرأ. وكل سطر كان بيقراه، وشّه كان بيتحول للون الأسود من الصدمة والغضب العارم. عروقه بارت، وعيونه وسعت من الهول وهو شايف اسم خاله مكتوب بوضوح كصاحب توقيع مزور سارق ميراث أمي!

— “إيه.. إيه ده؟!” سامح صرخ بصوت هز جطعان الشقة، وقام وقف من صدمته، “خالي؟! خالي هو اللي سارق أرض أمك بتوكيل مزور؟! وعمتي كانت عارفة وكل ده كان متعمد؟!”

— “أهلك مش بس كرهوني عشان أنا مش على مزاجهم يا سامح..” قلتها وأنا بعيط بمرارة، “أهلك حفرولي حفرة الموت عشان يغطوا على سرقتهم ليا! كانوا عايزين يخلصوا مني ويطردوني وانا مكسورة، عشان أنسى حقي وما حدش يسأل في حاجة!”

سامح قعد على ركبه قدامي، ودموعه نزلت لأول مرة من القهر والخزي من أفعال عيلته. مسك إيدي وباسها بقوة وهو بيترعش:

— “حقك.. والله العظيم أرجعه لكي، ولو كان في رقبتي ورقبهم كلهم! أنا مش هسكت، ومش هخلي حد يظلمك على أصل إنه من رحمي!”

تاني يوم الصبح، كانت الصدمة أكبر لما عرفنا إن الحاجة هدى وخال سامح وصلهم الخبر إن الورق وصلني، وإننا كشفنا لعبتهم القذرة كلها. وفجأة، جالنا اتصال مرعب يقلب الدنيا فوق حماها!

**الجزء السابع والأخير**

التليفون رن بصوت مزعج وحاد في وقت متأخر بالليل. سامح مد إيده بسرعة وجاب التليفون، وكان المتصل هو عمه الكبير في العيلة، وصوته كان ماليان هلع وخضة:

— “لحقونا يا سامح! الحجارة انقلبت على ساحبها.. خالك والحاجة هدى، أمك، اتمسكوا في كمين الشرطة وهما هاربين ومعاهم عقود وشنطة فيها فلوس ومستندات أرض مراتك، البوليس قبض عليهم وهما بيحاولوا يهربوا برا البلد!”

الصدمة نزلت علينا كالصاعقة. سامح بصلي وعيونه مكسورة، وقال بصوت خافت: “أمك.. أمي وخالي اتقبض عليهم.”

لم ترد في قلبي أي شماتة، بل حسيت بوجع كبير عشان سامح وعشان اللي آلت ليه العيلة بسبب الطمع والشر. في نفس التانية، سامح أخد قراره النهائي والرجولي. ما دافعش عن الغلط، وما حاولش يستر على الج/ريمة. بالعكس، نزل معانا وراح للنيابة وقدم كل المستندات والأدلة اللي تثبت حقّي الكامل، وشهد بالحق ضد خاله وضد أمه كمان، وأكد للجهات الرسمية إن القانون هو الفيصل وإن محدش فوق القانون مهما كانت صلة القرابة.

المحاكم أخدت مجراها، وخال سامح أخد جزاؤه العادل على التزوير والسرقة، وأما الحاجة هدى فخرجت بكفالة بس بعد ما كرامتها وانكسار شوكتها وصل للكل، وندمت ندماً شديداً لما عرفت إنها خسرت ابنها الوحيد بسبب طمعها وغلها. الأرض رجعتلي كاملة، وبقت في اسمي وبحكم القضاء.

بعد أشهر طويلة من المحاكم والمشاكل، هديت الدنيا ورجعت الحياة لطبيعتها. سامح أثبتلي طوال الفترة دي أنه راجل بجد، وقف جنبي وضد أهله عشان الحق، ومعملش اعتبار لقرابة  قصاد العدل والكرامة. أنا سامحته وعاشنا مع بعض حياة جديدة هادئة، مليانة حب واحترام متبادل، ومحدش قدر تاني يدخل بيننا أو يهدم بيتنا اللي بنيناه على الصدق والصبر.

**الحكمة من القصة:**

1. **الظلم ظلمات:** مهما طال الزمن أو زادت حيل الظالمين، ربنا سبحانه وتعالى بيظهر الحق، وكل حفرة حفرها الإنسان لغيره هيلقي نفسه واقع فيها في النهاية.

2. **الكرامة خط أحمر:** الكرامة والاحترام المتبادل هما أساس أي بيت ناجح، والست اللي بتعرف تحفظ كرامتها من البداية وتفرض احترامها، بتعيش عزيزة وسط الكل.

3. **الراجل الحق:** مش بالضرورة الراجل يكون ظالم أو أعمى بياخد صف أهله ظالمين أو مظلومين، الراجل الحقيقي هو اللي بيعرف يقف مع الحق حتى لو كان ضد أقرب الناس ليه، زي ما سامح عمل في الآخر.

4. **التسرع فأل سيء:** الشك والغيرة العمياء والتسرع في الحكم على الناس من غير تأكد، بيكاد يهدد أجمل العلاقات ويضيع أثمن الفرص

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى