تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

الاعتراف حكايات ندى الجمل

أول ما أحمد شاف الصورة، ملامحه اتبدلت.

لكن بسرعة حاول يخفي ده.

قال:

“لأ.”

الرائد ابتسم ابتسامة خفيفة.

“الغريبة إن الكاميرا صورتك وإنت بتسلم عليه في حفلة الشركة.”

اتوتر أحمد.

وبدأ يفرك إيده.

“كان… كان عميل.”

“اسمه؟”

سكت.

ثانية…

واتنين…

وثلاثة…

لحد ما قال:

“مش فاكر.”

الرائد قفل الملف.

وقال بهدوء:

“واضح إنك فاكر أكتر مما بتقول.”

في المساء…

رجعت نهى، الخادمة القديمة، للقسم مرة تانية.

كانت ماسكة صندوق خشب صغير.

قالت:

“لقيته في المخزن اللي الحاجة سعاد كانت كاتبة عنه.”

فتح الرائد الصندوق.

كان جواه مذكرات قديمة.

وعدة صور.

وشريط كاسيت قديم.

وفي آخر الصندوق…

مفتاح عليه ورقة صغيرة.

مكتوب عليها:

“افتحوا الخزنة… وهتعرفوا الحقيقة.”

سألها الرائد:

“الخزنة فين؟”

ردت:

“في مكتب الحاجة سعاد… بس الغريب إننا دورنا عليها النهارده.”

“ولقيتوها؟”

هزت رأسها بالنفي.

“الخزنة نفسها… اختفت.”

ساد الصمت.

حد سبقهم مرة تانية.

وكل خطوة كانوا بيقربوا فيها من الحقيقة…

كان شخص مجهول بيسبقهم بخطوة.

وفي آخر الليل…

كانت ليلى قاعدة في الحجز، بتحاول تسترجع كل اللي حصل يوم كتب الكتاب.

وفجأة افتكرت حاجة.

مش كلمة…

ولا وش…

لكن صوت.

صوت الحاجة سعاد قبل دقائق من وفاتها.

كانت بتبص لليلى، وبتقول بصوت واطي جدًا:

“سامح… رجع.”

انتفضت ليلى من مكانها.

خبطت على باب الحجز وهي بتنادي أمينة الشرطة.

“لازم أقابل الرائد كريم حالًا.”

دخل الرائد بعد دقائق.

قال:

“خير؟”

بصتله ليلى وعينيها مليانة خوف.

وقالت:

“افتكرت آخر كلمة قالتها الحاجة سعاد… وكانت اسم.”

“اسم مين؟”

همست:

“سامح.”

تجمد الرائد في مكانه.

لأن الاسم نفسه…

كان مكتوب في الصورة القديمة، وفي الرسالة، وفي المذكرات.

ولأول مرة…

بدأ يحس إن القض/ية كلها كانت بتلف حول شخص واحد…

شخص يعتقد الجميع أنه اختفى من أكثر من ثلاثين سنة.

ظل الرائد كريم يردد الاسم في عقله وهو خارج من غرفة الحجز.

سامح…

الاسم نفسه اتكرر في الصورة القديمة، وفي رسالة الحاجة سعاد، وعلى لسان ليلى.

مصادفة؟

ولا مفتاح الق/ضية كلها؟

أول قرار أخده الرائد كان إعادة استجواب كل الموجودين في يوم كتب الكتاب.

بدأ بأحمد.

دخل أحمد المكتب، وشكله مرهق أكتر من أي وقت فات.

قال الرائد وهو بيحط الصورة قدامه:

“بص كويس.”

بص أحمد للصورة، ثم أبعد عينه بسرعة.

“شوفتها قبل كده.”

“مين الراجل اللي واقف جنبك؟”

تنهد أحمد.

“كنت فاكره موظف جديد في الشركة.”

“اسمه؟”

“اتعرف علينا باسم سامر.”

“يعني مش سامح؟”

سكت أحمد.

ثم قال:

“أنا معرفش اسمه الحقيقي.”

الرائد لاحظ ارتباكه، لكنه ما ضغطش عليه.

كان حاسس إن أحمد بيخبي حاجة… لكن مش هي اللي بيدور عليها.

في الوقت نفسه…

وصل خبر جديد قلب التحقيق.

اتوجدت ريم.

لكن مش في بيتها.

ولا عند أهلها.

كانت قاعدة في استراحة صغيرة على طريق الساحل.

“أنا ما .”

الرائد سألها:

“أمال اختفيتي ليه؟”

قالت وهي بتبص في الأرض:

“لأن فيه واحد بعتلي رسالة.”

“مضمونها إيه؟”

طلعت موبايلها وسلمته.

كانت الرسالة قصيرة جدًا.

“لو بتحبي تعيشي… ابعدي عن أحمد.”

رفع الرائد عينه.

“مين بعتها؟”

هزت رأسها.

“رقم مجهول.”

بعد ساعات…

رجعت الشرطة تفتش مكتب الحاجة سعاد للمرة الثالثة.

وأثناء رفع إحدى السجاد القديم، لفت نظر أحد الأمناء لوح خشب شكله مختلف عن باقي الأرضية.

نادى الرائد.

ولما رفعوا اللوح…

لقوا تجويفًا صغيرًا.

جواه علبة معدنية.

فتحها الرائد بحذر.

كانت فاضية…

إلا من مفتاح صغير جدًا، وصورة لطفلين.

أحدهما أحمد.

أما الطفل الآخر…

فكان مكتوب خلف صورته:

“أخويا… مهما بعدت الأيام.”

وقف الرائد مكانه.

همس:

“يعني سامح مش شخص غريب…”

“ده أخو أحمد.”

في نفس اللحظة…

كان أحمد واقف في  بيته، يبص للشارع.

سمع جرس الباب.

فتح.

ملقاش حد.

لكن على الأرض كان فيه ظرف أبيض.

فتحه بسرعة.

جواه صورة قديمة له وهو طفل.

وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط واضح:

“لسه فاكر اليوم اللي ضاع فيه أخوك؟”

وقع الظرف من إيده.

ولأول مرة منذ بداية …

انهار أحمد وبكى.

لأنه أدرك أن الماضي الذي أخفته والدته طوال ثلاثين سنة…

عاد ليطالبه بالحقيقة.

كانت الساعة قربت على اتنين بعد منتصف الليل.

الرائد كريم كان قاعد لوحده في مكتبه، قدامه كل ملفات مفتوحة.

صورة الحاجة سعاد…

رسالتها…الصورة اللي فيها سامح…

وورقة اللي ليلى.

بص في الورق وقال لنفسه:

“كل واحد فيهم كدب… لكن كل واحد كدب في حتة مختلفة.”

وفجأة…

رن تليفونه.

رقم خاص.

رد بسرعة.

جاله صوت راجل هادي:

“لو عايز الحقيقة… تعالى المخزن القديم.”

وقبل ما يسأله أي سؤال…

الخط اتقفل.

بعد نص ساعة…

وصل الرائد للمخزن.

المكان كان .

وبمجرد ما دخل، سمع صوت بيقول:

“اتأخرت.”

لف بسرعة.

كان أحمد واقف في آخر المخزن.

وشكله كان مرهق جدًا.

قال الرائد:

“إنت اللي اتصلت؟”

هز أحمد رأسه.

“أنا خلاص تعبت.”

قرب منه.

“فيه حاجة لازم تعرفها.”

“سامح؟”

أحمد نزل لأول مرة.

“سامح أخويا… لكنه ما اختفاش زي ما أمي قالت.”

“أمال حصل له إيه؟”

قعد أحمد على كرسي قديم وقال:

“أمي عاشت عمرها كله وهي خايفة من الحقيقة… وكل اللي عملته بعد كده كان علشان ده ما .”

الرائد سكت.

كان مستني يكمل.

لكن أحمد قال:

“باقي الحقيقة مش عندي.”

“عند مين؟”

بص ناحية الباب.

وفي اللحظة دي…

دخلت ليلى.

الرائد اتفاجئ.

“إنتِ خرجتي إزاي؟”

قالت بهدوء:

“النيابة أخلت سبيلي… لأن مفيش دليل يثبت اعترافي.”

قربت منهم.

وبصت لأحمد.

وقالت:

“قول الحقيقة كلها.”

أحمد هز رأسه.

“مش هقدر.”

ليلى طلعت من شنطتها جهاز تسجيل صغير.

وحطته على الترابيزة.

“الحاجة سعاد سجلت الرسالة دي قبل بأيام.”

ضغطت زر التشغيل.

خرج صوت الحاجة سعاد، :

“لو حد بيسمعني… يبقى أنا مقدرتش أصلح اللي عملته… أحمد مالوش ذنب… وليلى بريئة… واللي حصل من سنين هو السبب في كل …”

وفجأة…

التسجيل وقف.

الرائد حاول تاني.

لكن مفيش فايدة.

آخر دقيقة من التسجيل…

كانت ممسوحة.

وفي نفس اللحظة…

سمعوا صوت عربية بتقف قدام المخزن.

وبعدها خطوات سريعة.

ثم صوت باب بيتفتح.

بص الرائد ناحية الباب وهو ماسك وقال:

“واضح إن صاحب الحقيقة وصل.”

توقفت الخطوات أمام باب المخزن.

رفع الرائد كريم صوته:

“ادخل… إحنا مستنيينك.”

اتفتح الباب ببطء.

دخل رجل في أواخر الأربعينات، ملامحه كانت شبه أحمد بشكل صادم.

بص أحمد فيه للحظات، وكأن الزمن رجع بيه ثلاثين سنة.

همس بصوت مرتعش:

“سامح…”

رد الرجل بهدوء:

“أيوه… أنا سامح.”

ساد صمت طويل.

لا أحمد عرف يجري …

ولا سامح قدر يقرب منه.

كل واحد فيهم كان شايل عمر كامل من الأسئلة.

اقترب الرائد كريم وقال:

“إحنا محتاجين نفهم كل حاجة.”

سامح وجلس على كرسي خشبي قديم.وقال:

“أنا ما رجعتش علشان أنتقم… رجعت علشان الحقيقة.”

بدأ سامح يحكي.

بعد اختفائه وهو طفل، عاش بعيدًا عن العائلة سنوات طويلة، ولم يعرف الحقيقة كاملة إلا بعدما كبر.

ولما عرف أن والدته ما زالت على قيد الحياة، حاول يتواصل معاها أكثر من مرة.

كانت ترفض تقابله.

مش لأنها …

لكن لأنها كانت خايفة ينكشف سر قديم فرّق العيلة كلها.

وفي الأيام الأخيرة قبل ، وافقت أخيرًا تقابله.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى