
وبعدين أخفاه بسرعة أول ما شاف ريم داخلة عليه.
قعدت قدامه وهي .
قالت بصوت مهزوز:
“ليلى اعترفت ليه؟”
رد من غير ما يبصلها:
“مش عارف.”
قالت:
“إنت متأكد إنها ما تعرفش…”
وقفها بإشارة من إيده.
“اسكتي.”
الجملة خرجت بعنف خلاها تسكت فورًا.
بعد ساعة…
دخل الظابط على الطبيب الشرعي اللي كان لسه راجع من المعاينة.
سأله:
“فيه حاجة غريبة؟”
رد الطبيب:
“فيه أكتر من حاجة.”
“زي إيه؟”
فتح ملف صغير.
وقال:
“أولها… إن كل الموجودين افترضوا إن الوفاة حصلت وقت كتب الكتاب.”
“ومش ده اللي حصل؟”
بص الطبيب في الورق وقال بهدوء:
“لا… المؤشرات الأولية بتقول إن توقيت الوفاة مختلف عن اللي الكل فاكره.”
خرج الظابط من المكتب وهو حاسس إن القض/ية بدأت تتقلب.
رجع بص من شباك غرفة التحقيق.
لقى ليلى قاعدة بهدوء، وكأنها كانت عارفة من البداية إن الحقيقة لسه ما ظهرتش.
ابتسم لنفسه وقال:
“واضح إن اللي اعترف… مش بالضرورة يكون هو صاحب الحقيقة.
خرج الرائد كريم من مكتب الطبيب الشرعي، والملف اللي في إيده بقى أتقل من الأول.
كل دقيقة كانت بتعدي، كانت بتأكد له إن الق/ضية دي مش شبه أي قض/ية اشتغل عليها قبل كده.
دخل غرفة التحقيق مرة تانية.
ليلى كانت قاعدة في نفس مكانها.
وشها هادي بصورة مستفزة.
لا عياط…
ولا انهيار…
ولا حتى طلبت تشوف أولادها.
قعد قدامها وقال:
“أنا عندي سؤال واحد.”
بصتله.
“اتفضل.”
“ليه اعترفتي بسرعة؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
“علشان كنت عارفة إنكم هتتهموني.”
“بس فيه فرق بين الاتهام والاعتراف.”
سكتت شوية…
وبعدين قالت:
“يمكن كنت تعبت.”
رد بسرعة:
“أو يمكن بتحمي حد.”
أول مرة ملامحها اتغيرت.
بس رجعت هدوءها في ثانية.
وقالت:
“قلتلك كل اللي عندي.”
في الوقت نفسه…
كان أحمد راجع الفيلا.
البيت اللي من ساعات كان مليان زغاريد…
بقى مليان كراسي مقلوبة، وورد مداس عليه، وفستان ريم الأبيض مرمي على الكنبة.
ريم كانت قاعدة في الصالة، وعينيها حمرا من العياط.
أول ما شافته وقفت.
“هنعمل إيه دلوقتي؟”
رد ببرود:
“كل واحد يروح بيته.”
“يعني إيه؟”
“يعني الجواز انتهى.”
شهقت.
“إنت هتسيبني؟”
بصلها لأول مرة.
“أمي ماتت… ومراتي في القسم… وإنتِ بتسأليني هنكمل الجواز؟”
سكتت.
لكن جواها كان فيه خوف أكبر من فشل الجوازة.
كانت خايفة من حاجة تانية…
حاجة محدش يعرفها.
تاني يوم الصبح…
الرائد كريم طلب يشوف كاميرات الفيلا.
قعد هو وأمين الشرطة يتفرجوا.
المعازيم داخلين…
والمعازيم خارجين…
كل حاجة كانت طبيعية.
لحد ما وقف الصورة فجأة.
قال:
“رجع اللقطة دي.”
رجعوها.
ظهرت ليلى وهي داخلة.
وبعدها بدقيقة…
ظهر شخص لابس كاب أسود، وكمامة، دخل من الباب الجانبي.
أمين الشرطة قال باستغراب:
“ده مين؟”
الرائد رد:
“الغريب إنه دخل…”
وقلب في اللقطات بسرعة.
“…لكن مخرجش.”
الاتنين بصوا لبعض.
وساد صمت طويل.
بعد ساعات…
وصل تقرير أولي جديد.
فتح الرائد الظرف.
وقبل ما يقرأ، دخل العسكري وقال:
“يا فندم… فيه واحدة برا مصممة تقابلك.”
“مين؟”
“اسمها نهى.”
“تعرف المرحومة؟”
العسكري هز راسه.
“بتقول إنها كانت شغالة عند الحاجة سعاد من خمس عشرة سنة… وعندها سر لو اتقال، القض/ية كلها هتتقلب.”
الرائد طلب تدخل فورًا.
دخلت ست في الخمسينات.
وشها مرهق.
وقبل حتى ما تقعد، قالت:
“مدام ليلى بريئة.”
الرائد اتفاجئ.
“إزاي؟”
ردت وهي بتطلع ظرف قديم من شنطتها.
“لأن الحاجة سعاد كانت مخبية عن الكل سر عمره أكتر من تلاتين سنة… والسر ده هو السبب الحقيقي اللي خلى كل الليلة دي تتحول لكارثة.”
وسابت الظرف على المكتب…
من غير ما تضيف كلمة واحدة.
فضل الرائد كريم يبص للظرف القديم ثواني، قبل ما يمد إيده ويفتحه بحذر.
كان جواه صورة باهتة، وشهادة ميلاد قديمة، وجواب مكتوب بخط إيد.
رفع الصورة.
ظهر فيها شاب في العشرينات واقف جنب الحاجة سعاد وهي أصغر بسنين، وشايلة طفل رضيع.
قلب الصورة على ضهرها.
كان مكتوب:
“أول صورة لابني… سامح.”
عقد الرائد حاجبيه.
بص لنهى وقال:
“مين سامح؟”
تنهدت نهى وهي تمسح دموعها.
“الابن الكبير للحاجة سعاد.”
اتسع نظر الرائد.
“لكن أحمد هو ابنها الوحيد.”
هزت نهى رأسها بالنفي.
“ده اللي كل الناس تعرفه… لكن الحقيقة غير كده.”
جلس الرائد في مكانه.
“احكي.”
قالت نهى بصوت مهزوز:
“من أكتر من تلاتين سنة، الحاجة سعاد خلفت ولد قبل أحمد. الولد ده اختفى وهو عنده سنتين بعد كبيرة في العيلة. ومن يومها، محدش جاب سيرته، وكأنه ما اتولدش أصلًا.”
سألها الرائد:
“واختفى إزاي؟”
تنهدت.
“محدش يعرف الحقيقة كاملة… لكن الحاجة سعاد فضلت طول عمرها تدور عليه.”
أخرجت الجواب وسلمته للرائد.
قرأ أول سطر بصوت منخفض:
“لو الرسالة دي وصلت لحد بعد موتي، يبقى فيه حقيقة لازم تتقال…”
سكت لحظة، ثم أكمل القراءة بعينيه.
كل ما كان بيقرأ، كانت ملامحه بتتغير.
نهى قالت:
“هي كتبت الجواب من سنة تقريبًا، بعد ما حد رجع يهددها بالماضي.”
في نفس الوقت…
كان أحمد قاعد في أوضة أمه.
فتح الدولاب لأول مرة من سنين.
كان بيدور على أي حاجة تخص مراسم العزاء.
لكن وهو بيطلع صندوق خشب صغير، وقع منه مفتاح قديم.
استغرب.
المفتاح كان مربوط بورقة صغيرة مكتوب عليها:
“الأمانة… في المخزن القديم.”
وقف مكانه.
همس:
“أمانة إيه؟”
في القسم…
دخل العسكري بسرعة.
“يا فندم… فيه خبر.”
رفع الرائد عينه.
“اتفضل.”
“فيه حد حاول يدخل بيت المرحومة بعد ما اتشمع بالشمع الأحمر.”
“مين؟”
“هرب قبل ما الأمن يمسكه.”
الرائد قام واقف.
“كان بيدور على حاجة.”
رد العسكري:
“واضح كده.”
بص الرائد للظرف الموجود قدامه، ثم قال:
“واضح إن فيه حد مرعوب من الحقيقة أكتر من خوفه من التحقيق.”
في آخر الليل…
كانت ليلى قاعدة لوحدها في الحجز.
سمعت صوت خطوات بتقرب.
وقفت أمينة الشرطة قدام الباب.
وقالت:
“فيه واحد طالب يشوفك.”
استغربت ليلى.
“مين؟”
ردت الأمينة:
“محامٍ… بيقول إن المرحومة الحاجة سعاد هي اللي وكلته قبل وفاتها، وقالت له لو حصل لها أي مكروه، يسلمك جواب بإيده.”
شهقت ليلى.
“أنا؟”
هزت الأمينة رأسها.
“أيوه… باسمك إنتِ.”
تجمدت ليلى في مكانها.
ولأول مرة منذ بدأت القض/ية…
ظهر الخوف الحقيقي في عينيها.
يتبع……
بقلم ندى الجمل
أمينة الشرطة فتحت باب الحجز، وقالت بهدوء:
“المحامي مستني.”
خرجت ليلى وهي مش قادرة تستوعب.
من أول ما دخلت القسم، ما كانش في دماغها غير سؤال واحد:
دخلت غرفة صغيرة.
وقف أول ما شافها.
وقال:



