
فأول ما شافني، وشه اتغير.
قرب مني وقال بصوت واطي:
“امشي يا ليلى.”
ابتسمت.
وقلت:
“متقلقش… مش جاية أعمل اللي في دماغك.”
…
الحاجة سعاد عدت من جنبي.
وقفت قدامي.
وقالت وهي بتبتسم:
“كنت عارفة إنك هتيجي.”
قلت:
“ليه؟”
قالت:
“علشان تشوفي إن الدنيا ما بتقفش على حد.”
وسابتني ومشيت.
…
المأذون بدأ يفتح الدفاتر.
المعازيم سكتوا.
وفجأة…
اتحول الهدوء لصريخ.
كل الناس جريت ناحية آخر القاعة.
وأنا فضلت واقفة مكاني.
كنت شايفة أحمد بيجري.
وريم بتعيط.
وحد بيصرخ:
“حد يجيب الإسعاف!”
وفي أقل من خمس دقايق…
وصلت عربية الإسعاف.
لكن كان فات الأوان.
الحاجة سعاد فارقت الحياة.
الصالة كلها اتقلبت.
زغاريد الفرح اتحولت لعويل.
وأول سؤال سأله الظابط لما وصل كان:
“مين آخر واحدة كانت بتتكلم مع المرحومة؟”
كل العيون اتلفتت ناحيتي.
لأن آخر حد شافها واقفة معايا…
كان القاعة كلها.
بصيت حواليّ.
وبعدين رفعت إيدي بهدوء.
وقلت:
“أنا.”
سألني الظابط:
“وفيه حاجة تحبي تقوليها؟”
بصيت لأحمد…
ثم لريم…
وبعدين قلت الجملة اللي غيرت حياة كل واحد فيهم:
“أنا المسؤولة عن موتها.”
وفي اللحظة دي…
ما كنتش أعرف إن اعترافي هيكشف أسرار أخطر بكتير من موت الحاجة سعاد… أسرار هتخلي كل واحد في القاعة متهم، حتى أحمد نفسه.
أول ما خلصت جملتي، ساد صمت غريب.
حتى صوت عياط الستات وقف لثانية.
الظابط بصلي باستغراب وقال:
“إنتِ فاهمة يعني إيه الكلام اللي بتقوليه؟”
هزيت راسي من غير ما أتكلم.
في اللحظة دي، أحمد اندفع ناحيتي وهو بيزعق:
“إنتِ اتجننتي؟! ليلى… بتقولي إيه؟”
بصيتله لأول مرة من غير خوف.
قلت بهدوء:
“سيبني يا أحمد… خلاص.”
مسكني من دراعي بعصبية.
“قولي لهم إنك متوترة… قولي إنك مش قصدك.”
لكن قبل ما أرد، الظابط أمر العسكري:
“خدوا السيدة على العربية.”
وأنا ماشية، سمعت ريم بتبكي بصوت عالي.
لكن بكاءها ما كانش طبيعي.
كان فيه خوف…
خوف أكبر من خوف أي عروسة ماتت حماتها في يوم كتب كتابها.
في قسم الشرطة…
حط الظابط قدامي كوباية مية.
قال:
“احكي من الأول.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
“من الأول طويل.”
قال:
“إحنا عندنا وقت.”
سكت شوية.
وبعدين قلت:
“كل اللي أقدر أقوله… إن الحاجة سعاد دفعت تمن قرار خدته بنفسها.”
رفع الظابط حاجبه.
“تقصدي إيه؟”
هزيت راسي.
“مش هقول أكتر من كده.”
بدأ يقلب في أقوالي.
كل سؤال كان بيسأله…
كنت أرد عليه بإجابة ناقصة.
كأن فيه جزء من الحقيقة، متعمداه يفضل مستخبي.
وده خلاه يقفل الملف قدامه ويقول:
“إنتِ يا إما بتحمي حد… يا إما بتحاولي تعاقبي نفسك.”
لكن ليلى اكتفت بابتسامة صامتة.
في نفس الوقت…
كان أحمد قاعد في طرقة القسم.
وشه شاحب.
إيده بترتعش.
فضل يبص على باب غرفة التحقيق كأنه مستني ليلى تطلع وتقول إن كل اللي حصل سوء تفاهم.
وفجأة…
رن موبايله.
رقم مجهول.
رد بسرعة.
“ألو؟”
جاله صوت راجل خشن:
“لو مراتك فتحت بوقها… كل حاجة هتخلص.”
اتجمد أحمد.
“مين معايا؟”
لكن الخط اتقفل.
فضل يبص للموبايل ثواني.




