تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحمقصص ورواياتمنوعات

فاتورة التضحية بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

همام وقولت له بلهجة قاطعة: — “وأنا كمان مش الخطة البديلة بتاعتك يا هاني، ولا أنا الاستبن اللي بترجع له لما تزنق.. اسمي، وتاريخي، وراتبي، وشقا الـ 27 سنة مابقوش شبكة الأمان الكدابة اللي بتحميك وبتحمي مظاهرك من الوقوع والخسارة.”

وهنا.. هاني عدا وتخطى كل الخطوط الحمراء اللي ممكن ابن يتخطاها مع أمه اللي ولدته وشقيت عليه. بص لي بجفاء وقسوة كاملة، وقال ببرود تام ملوش مثيل:

— “لو الأمور بيننا ساءت أكتر من كدة وشركتي اتأثرت.. يبقى الأحسن والأنظف إنك ماتشوفيش العيال ولا يدخلوا بيتك لفترة طويلة.” وكمل كلامه وجرحه بكل نذالة:

“شيرين شايفة إن وجودك وسط العيال وقعدتك معاهم بيأثر على نفسيتهم وعلى برستيجهم بالسلب، وبلاش منها.”

في اللحظة دي بالذات.. حسيت إن دمي اتجمد تماماً في عروقي من كتر البجاعة وقلة الأصل. قمت وقفت من على الكرسي براحة أوي وسندت على عكازي بثبات، ومطيت إيدي وسحبت الدوسيه الأحمر الكرتون، وحطيته بكل قوة وقدامه على التربيزة في نص الصالة.

— “سبع سنين كاملين من كشوف الحسابات الموثقة،” قلت له وأنا باصة في عينه بكل جمود وثبات، وتابعت: “كل تحويل بنكي عملته وسحبته..

كل مليم صرفته وهربته من ورايا ومن ورا ظهري.. وكل كلمة تهديد ولقاحة قلتها من الليلة السودا اللي طردتني فيها في المطر والبرد، كله بالملي متسجل ومحفوظ هنا في الدوسيه ده، والمحامية سوزان معاها في مكتبها نسخ تانية من كل الأوراق دي وجاهزة.”

بصيت له بنظرة حاسمة مفيهاش أي تراجع وقلت:

— “لو فاكر في عقلك البجح إنك ممكن تستخدم أحفادي وياسين وليلى ورقة ضغط عشان تلوِي بيها دراعي وتخليني أرجع في كلامي.. تبقى غلطان أوي وعبيط يا هاني، الباب ده اتقفل خلاص.”

ما نطقش ولا كلمة واحدة، ولا حتى كلف نفسه يزعق أو يدافع عن نفسه زي العادة. أخد ديله في سنانه، ولم ليلته، ولف ضهري ومشي وخرج من شقتي بسرعة، لأنه ولأول مرة في حياته كلها من يوم ما شب..

فهم وعرف واتأكد إنه مابقاش هو اللي سايق الليلة، وإن اللجام مابقاش في إيده.

بعد أسبوع بالتمام والكمال من القعدة دي، وأنا بقلب في حساباتي القديمة على الكمبيوتر، لقيت الضربة القاضية اللي تخلص على أي أمل ليه؛ إيميل قديم ومكتوب من هاني بنفسه باعتُه لي على الإيميل الشخصي بتاعي من سبع سنين، بيقول فيه بالنص:

“ده موضوع مؤقت يا ماما عشان أمشي دنيتي.. 6 شهور بالكتير أوي وهنقفل الحساب ده ونلغي القرض”.

هما فعلاً في كلامه وكدبه كانوا 6 شهور بس، بس في الحقيقة والواقع بقوا سبع سنين مغفلة فيهم. أخدت الإيميل ده وطبعته وبعته فوراً لسوزان المحامية،

وفي نفس اليوم بالليل اتبعت له على بيته وعلى شركته إنذار قضائي رسمي على يد محضر يهد حيله. بقلم نرمين عادل همام

وبعد شهرين ، كل حاجة في حياتهم وعيشتهم اتغيرت وانقلبت 180 درجة.

من غير اسمي، وتاريخي النضيف في البنك، شركته وتصنيفه التجاري اتقلب وبقت شركته متصنفة في السوق إنها شركة عالية المخاطر ومفيش حد بيمولها.

كل القروض والتسهيلات الجديدة اللي طلبها وجري وراها في البنوك اترفضت في وشها علطول. واضطر الباشا وهو هيموت من الحسرة إنه يرهن الفيلا الفاخرة الكبيرة بتاعته في التجمع للبنك عشان بس الشركة ما تفلسش وتغرق وتفضل واقفة بالعافية على رجليها في السوق.

وشيرين الهانم، مراته المصونة بتاعة البرستيج والمظاهر، اضطرت غصب عنها تنزل الشارع وتدور على شغل بمرتب ودوام كامل طول اليوم عشان تلاحق على مصاريف البيت ومدرسة العيال.

المنظرة الكدابة، والوهم، والفشخرة اللي كانوا عايشين فيها بريحة الفلوس اتهد وتفرش كله فوق دماغهم وبقوا على البلاطة.

و، حطيت أنا شروطي الصارمة، وبلغت المحامية إنني هحط شرط واحد بس ومفيش غيره عشان ما كملش في الإجراءات القانونية والقضية ضده والمحاكم؛ بشرط إن أحفادي يفضلوا في حضني، وأشوفهم،

وييجوا يقعدوا معايا في الوقت اللي أحبه ومن غير أي قيود أو شروط تمليها عليا مراته شيرين. هاني وافق ووقع على الورق وهو مكسور، وعينه في الأرض؛ مكنش قدامه حل تاني ولا مفر ينجد بيه نفسه من الحبس والخراب.

وعلى دخول فصل الربيع والجو الحنين، بدأت أنا حياتي الجديدة النضيفة. نقلت من عماراتي القديمة وشقتي الكئيبة ورحت شقة تانية جديدة، شمسها أحلى ومنورة، وبتدخلها البهجة. دهنت المطبخ بتاعي باللون البيج الفاتح الدافي اللي طول عمري بحبه ونفسي فيه وحرمني منه الاستخسار. ودخلت ورشة خياطة عشان أشغل وقتي باللي ينفعني.

وأخيراً.. حسيت بالسلام النفسي، والراحة، والأمان اللي اتحرمت منهم سنين طويلة وأنا بضحي بالغال والرخيص.

بعد كذا شهر ورا شهر، وفي يوم عيد ميلاد ليلى حفيدتي العاشر، هاني قرب مني في الحفلة ووقف جمبي على انفراد. كان باين عليه إنه كِبر في السن وعجز فجأة، ووشه تعبان، وشايل الهموم جبال فوق كتافه. بص في الأرض وقال بصوت واطي وبحة مكسورة:

— “مكنش ينفع أكلمك بالطريقة دي يا ماما في الليلة دي.. ولا كان ينفع أعمل معاكي كدة واقفل الباب في وشك، سامحيني.”

مكنش اعتذار كامل ولا صافي من قلبه.. بس كان كفاية أوي بالنسبة ليا عشان أفهم وأتأكد إنه استوعب الدرس وعرف قيمتي وقيمة شقايا. بصيت في وشه بكل برود، وقلت بكلمتين اتنين وبس:

— “فعلاً.. مكنش ينفع يا هاني.”

وما خدتوش في حضني زي زمان، ولا طبطبت على كتفه، ولا طيبت خاطره بكلمة حنينة تمسح عنه الهم. سيبته يمشى ويشيل شيلته لوحده بطوله ويواجه نتيجة أفعاله وقسوة قلبه على أمه اللي ملهاش بديل.

لأن الحكاية في الآخر مكنتش حكاية فلوس، ولا فيلا في التجمع وعربيات، ولا مين فينا اللي ليه فضل وخير على التاني. الحكاية كلها بدأت وخلصت في اللحظة الصعبة اللي ابني اللي من دمي ولحمي قالي فيها بـجفاء

“مالكيش مكان هنا برة بيتي”،

وفي اللحظة دي بالذات أنا أخدت قراري.. إني مش هعيش تاني في أي مكان في الدنيا مسموح لي فيه بالوجود والقعدة بس عشان بدفع تمن النور والمصاريف؛

أنا استحق أكون وأعيش في مكان أتحب وأتحط فيه على الراس بجد ومن غير حساب، مش عشان مصلحة أو قرشين بطلعهم من جيبي.

الكاتبة نرمين عادل همام

تمت

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى