فاتورة التضحية بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

أنا طبعاً صدقته بـسذاجة وطيبة قلب أم بتعشق ضناها ومستعدة تقيد صوابعها العشرة شمع عشان يشوف النور.. لأن سجلي ومعاملاتي في البنك طول السنين دي كلها كان أبيض، ونضيف،
وزي الفل ومفيش عليا مليم ولا شائبة ولا شيك راجع. ولأنني كنت أمه اللي بتخاف عليه وعلى مستقبله أكتر من نفسها وصحتها وعمرها اللي راح.
ولأني وثقت فيه بجد وبأعمى ومن غير ما أشاور حد من أهلي ولا غريب. بس الست شهور اللي قال عليهم وباس إيدي وعيط وجري ورايا عشانهم ونعم حسه، بقوا سبع سنين كاملين ورا بعض من عمري وشقايا وتوتة حياتي. سبع سنين وهو عايش، ومقضيها في العز والمنظرة على الهادي،
وبيستخدم اسمي أنا.. وتعب سنيني في التدريس والوقفة.. واستقراري المادي وضماني في البنك وحساباتي.. عشان يمول بيهم شغله ويشتري عربياته الكبيرة الشيك بتاعة النقل. عشان يعيش ويكبر في دنيته وشغله على حسابي أنا وشقايا.
على الساعة 10 الصبح، بقلم نرمين عادل همام مسكت تليفوني الأرضي واتصلت بالمحامية وصاحبتي القديمة وعشرة عمري وسنين الشقى، سوزان. سوزان أول ما سمعت صوتي المبحوح والمكسور، وعرفت الحكاية بالملي، سألتني تلات أسئلة بوضوح وبكل حسم قانوني:
— “هل فيه أي عقد بينك وبينه أو ورقة ممضية بيدك بتدي له الحق في التصرف في فلوسك وفي القرض ده؟”
رديت بنبرة قاطعة: “لأ، مفيش.” سألتني السؤال التاني:
“هل إنتي لسه صاحبة الحساب الأساسية في البنك باسمك ورقم بطاقتك؟” قلت لها: “أيوه، أنا صاحبة الحساب.” سألتني السؤال الثالث والأخير: “هل إنتي مدياله أي تفويض رسمي موثق في الشهر العقاري بالاستخدام المفتوح للحساب والقروض؟” قلت لها: “لأ، عمري ما عملت كدة.”
سوزان قالت لي من غير تردد ولا تفكير، وبصوت هزني وصحاني: “طيب اسمعي مني الكلمة دي يا هناء، وقفي كل حاجة.. فوراً.. النهارده قبل بكرة وماتستنيش ثانية واحدة.”….تابع للجزء الثاني والاخير
تاني يوم الصبح علطول، نزلت من بيتي وأنا ساندة على عكازي، وكنت واقفة في البنك. رجلي اليمين كانت لسه بتوجعني وبتنقح عليا من أثر الوقعة والبرد، بس عزيمتي وروحي من جوه كانت حديد ومابتتنيش.
قعدت قدام موظف البنك، وبإمضاء واحدة بس وبشخط قَلَم من إيدي، كل خطوط الائتمان والتسهيلات اللي كان عايش عليها اتقفلت وضاعت منه. مفيش مليم واحد بعد الثانية دي يقدر يلمسه أو يسحبه من البنك باسمي،
ومفيش أي صلاحيات تانية متبقية ليه. قرار نهائي، وقاطع، ومبيتعكسش ولا فيه رجوع.
الزلزال الكبير والانفجار حصل بعد 48 ساعة بالتمام من خطوة البنك. ليلى حفيدتي حبيبة قلبي كلمتني فيديو على المبايل، وعينيها الصغيرين المكسورين كانوا مليانين حيرة، وخوف، ورعب من اللي شايفاه في الفيلا، وقالت لي بصوت واطي وبيرتعش:
— “تيتة.. هو إنتي عملتي حاجة في البنك وزعلتي بابا؟ بابا من الصبح كان بيزعق أوي في البيت وصوته عالي وكسر كوباية الإزاز في الصالة.. وماما قاعدة بتعيط وبتقول إنك ست وحشة وعايزة تخربي بيتنا وتضيعي مستقبلنا.”
قلبي وجعني وعصرني عليها وعلى براءتها اللي ، بس حاولت أتمالك نفسي وأخلي نبرة صوتي هادية ومطمنة عشان متتخضش، وقلت لها:
— “دي مشاكل كبار يا حبيبتي وماتشغليش بالك بيها خالص، المهم عندي إني بحبك أوي يا ليلى وخليكي شاطرة.”
بعد ما قفلت المكالمة معاها، قعدت على مكتبي وسجلت كل حاجة ووثقتها بالورقة والقلم والتاريخ، لأن الذاكرة ممكن تخون مع السن وتنسى التفاصيل، بس الورق والورق مبيكدبش وبيفضل شايل الحقيقة.
يوم السبت، هاني ظهر فجأة عند شقتي وجاء لحد بابي. كان شكله متبهدل ومتغير تماماً عن كل مرة بشوفه فيها.. لا كان مهندم في لبسه، ولا واثق في نفسه ورافع راسه زي العادة والمنظرة اللي كان بيعملها عليا.
كان باين على وشه وملامحه اليأس، والكسرة، والخراب. بص في عيني وقال وصوته مخنوق ومكتوم من الغيظ:
— “إنتي وقفتي القرض يا ماما وقفلتي الحساب؟” رديت عليه بمنتهى البرود والثبات وأنا بصلة في عينه:
“أيوه، وقفته.”
زعق وقال وعروق وشه بارزة:
“إنتي عارفة إنتي عملتي إيه وعواقب اللي عملتيه ده إيه؟”
— “عارفة بالظبط أنا عملت إيه يا هاني،” رديت بمنتهى البرود والهدوء اللي في الدنيا، وتابعت: “عملت الصح، عملت اللي كان لازم يتعمل ويحصل من سبع سنين فاتوا وأنا مغمية عيني.”
خبط بإيده بكل قوته وعزم الصدمة على التربيزة الخشب اللي في الصالة لحد ما اتهزت، وقال بهستيريا:
— “إنتي عارفة إننا معتمدين اعتماد كلي على الفلوس دي في عيشتنا! القسط الكبير بتاع الفيلا الشيك، ومصاريف مدرسة العيال الإنترناشونال اللي بندفعها.. شيرين مراتي شغلها بسيط جداً ومبيجيبش حاجة وما بيغطيش المظاهر دي! مكنش ينفع تيجي فجأة وفي ليلة ومطر وعايزة تفرضي نفسك علينا وتسكني عندنا وتعملي الحكاية دي!”




