فاتورة التضحية بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

على ما ركبت التاكسي اللي كان واقف مستني في الشارع تحت المطر والليل المغرق التجمع، كان هاني قفل الباب في وشي خلاص، من غير ما ينظر ورايا أو يشوف أمه العجوزة هتروح فين في الساعادي والشر برة.
دموعي مانزلتش من كتر الكسرة والذهول والوجع..
جمدت مكانها في عيني ومحجرتش، لأني في اللحظة دي بالذات، حاجة غالية أوي جوايا اتكسرت وللأبد ومستحيل ترجع ولا تتصلح تاني، اللي هاني وشيرين مكنوش يعرفوه ولا ييجي على بالهم وعقلهم البارد وهما راجعين لحياتهم المثالية والفيلا الدافية اللي منورة بالخير والمنظرة..
إن الست الغلبانة الشقيانة اللي طردوها في المطر والبرد دي، هي اللي شايلة السقف اللي فوق راسهم ومأمنة عيشتهم وعزهم بـاسمها وتاريخها ووظيفتها. وفي الليلة دي بالذات.
قررت من جوايا إني هغير كل الحسابات والموازين وهقفل الحنفية دي على الآخر.
طريق الرجوع في التاكسي كان طويل وممل أوي، وعبارة عن أنوار شوارع مبلولة من المطر وزحمة طريق وربكة وتلكيك مابتخلصش في المحاور والتجمع. الدنيا حواليا برة الشباك كانت ماشية عادي والناس رايحة وجاية في دنيتها ومبسوطة ولا حاسة بحاجة، بس في الكرسي الوراني بتاع التاكسي، قلب الأم اللي كان حنين، وبيسامح، وبيغفر،
ويعدي السنين دي كلها عشان المركب تسير وعشان خاطر ضناها، اتقلب في ثانية واتحول لصخر ناشف جلمود مابينكسرش ومبيحنّش للغدر وقلة الأصل والنذالة. وصلت البيت بعد الساعة 9 وشوية بالليل وجسمي متلج ومفيش فيا حتة سليمة ولا قادرة أصلب طولي،
وبواب العمارة الشهم المحترم لما شافني بـأعاني ورجلي مش شيلاني وبتحرك بالزق، جِرِي عليا وشال الشنطة الصغيرة وساعدني أطلع السلم خطوة خطوة بـالعكاز لحد ما دخلت باب الشقة بطلوع الروح.
جوه شقتي الصغيرة كل حاجة كانت زي ما هي وفي مكانها متبدلتش ومفيش فيها أي تغيير من ساعة ما سبتها ونزلت.. مفرش السفرة المطرز القديم، طبق الفاكهة اللي على السفرة، ودقات الساعة التقيلة المألوفة الكئيبة اللي بتملا المكان هدوء ووحشة.
بس أنا مكنتش زي ما كنت، أنا كنت واحدة ثانية خالص ملامحها ونفسيتها اتغيرت وانقلبت في ساعة زمن ومبقاش فيها حتة سليمة. ليلتها مابكيتش ولا نزلت دمعة واحدة، لأن الوجع والقهر لما بيبقى فوق الاحتمال وقاسي وجاي من ضناك ولحمك ودمك اللي كبرته على حساب صحتك، بيموت الإحساس جوة الروح ويخليها باردة ومابتتحركش ولا بتشعر.
الساعة جت 4 الفجر، والدنيا سكتة وصهو بره والكل نايم، ومكنتش عارفة ولا قادرة أغمض عيني ولا أذوق النوم من وجع رجلي اليمين اللي بتنقح عليا من الوقعة والزحلقة، ومن وجع وقهرة قلبي اللي بيه ابني على باب فيلته الشيك.
قمت بصعوبة بالغة وساندة على الكراسي والحيطان بـالزق والوجع بياكل فيا لحد ما وصلت لمكتبي، ولعت النور السهاري الخفيف، وفتحت الدرج وطلعت دفتر قديم ومترب من وسط الأوراق والملفات المركونة.
أنا اشتغلت 27 سنة كاملة مُدرسة أجيال في مدرسة حكومي، وشقيت، وتعبت، وطحنت نفسي وصحتي وعمري في الفصل، والوقفة، والطباشير، وربيت هاني لوحدي تقريباً وشيلت همه وفصلت حياتي ودنيتي عليه بعد وفاة والده حسن الله يرحمه ويحسن إليه ويجعل مثواه الجنة. ولمدة 11 سنة كاملة ورا بعض بعد وفاة حسن..
أنا إديت ابني كل حاجة أملكها في الدنيا دي ومن غير حساب ولا بخل ولا تفكير في بكرة ولا عملت حساب للزمن. بعت بيت العيلة الكبير والورث الصافي اللي كان مأمني وكان يسترني في كبري عشان أساعده ويسدد مقدم فيلته الفاخرة الكبيرة في الكومباوند الشيك اللي بريحة الفلوس، اللي طردني من بابها الليلة دي في البرد والمطر والليل.
سهرت ليالي وعمري وصحتي بيروحوا وأنا بربي معاه ابنه الأول ياسين وأشيله في لحافي وأسهر بيه وهو عيان وسخن عشان يفضى هو لشغله وشركته وتكبر. طبخت، ونضفت، وساعدت وشيلت في كل صغيرة وكبيرة في حياته وبيته وعياله..
ومطلبتش ولا استنيت منه أي حاجة في المقابل غير كلمة حنينة تبل الريق أو قعدة أسبوع أرتاح فيها لحد ما رجلي تخف.
عمرك في حياتك ما تحط حدود للأعطال والتضحية والعطاء مع ولادك،
وعمري في حياتي ما كنت متخيلة ولا ييجي في بالي أو عقلي إني هقول كلمة “لأ” في يوم من الأيام لابني الوحيد اللي من دمي وسهرت عليه الليالي. لكن في الصباح ده، أول ما الشمس طلعت ونورت الأوضة والشبابيك،
قعدت وسألت نفسي سؤالين بكل صراحة وقسوة ووجع:
أنا إديته إيه طول السنين دي؟ وإيه اللي لسه مكتوب ومسجل باسمي أنا وملكيتي القانونية في الدفاتر والبنك؟ والإجابة على السؤالين دول هي اللي غيرت وشقلبت حياتي وحياتهم كلها بعد كدة وفتحت عيني على البلاوي.
فتحت دوسيه أحمر كرتون من وسط الملفات والأوراق القديمة المتربة في مكتبتي، وجوا الدوسيه ده بالذات كانت الحقيقة المُرة الصادمة اللي كنت مغمية عيني عنها وطاوعت قلبي وطيبتي فيها لآخر المدى.
من سبع سنين فاتوا، لما هاني بدأ يفتح شركة الشحن بتاعته وكان لسه بيبدأ على بياض ومش لاقي لقمة ولا اسم في السوق ومحدش يعرفه ولا بيثق فيه، جالي البيت وقعد تحت رجلي واتحايل عليا ودموعه في عينه كأنه عيل صغير،
وطلب مني بـرجاء وضغط أفتح له قرض كبير أوي من البنك بضمان اسمي، وراتبي، وتاريخي، ومكاني ووظيفتي الحكومية الكبيرة الثابتة اللي تشرف وتفتح أي مغلق. كان بيقولي ووعدني وقتها بلسانه الناعم وهو بيبوس إيدي وراسي كل دقيقة:
— “هما 6 شهور بس يا ماما.. 6 شهور بالظبط مش أكتر، لحد بس ما الشركة تقف على رجليها وتشتغل وتتعرف في السوق وأقدر بعد كدة أسحب قروض وتسهيلات باسمي أنا وباسم شركتي الخاصة ونقفل القرض ده وخلاص وتستريحي”.




