تكملة باقي قصة السيدة العجوز واللحم

يوم فرحي

……..

أبويا وقف متجمد، والحاجة اللي في إيده ارتجفت، ونظرة الوحش اللي كانت في عينيه اتحولت لنظرة ان مهين. سالم كان واقف زي القاضي اللي بيوزع أ، وموبايله في إيده زي االمسلط على رقبتنا كلنا. بصيت لأبويا، كان نفسه طالع ونازل بصعوبة، كأنه بيحاول ياخد نفس في أوضة مقفولة.

قلتها بصوت مخنوق وأنا بقرب منه، أخدت منه الحديدة اللي في إيده ورميتها على الأرض. رميتها وأنا حاسة إني برمي معاها كل ذكرياتي الحلوة عنه، كل صورة كنت راسمها لأبويا الشهم الجدع. بصيت لسالم اللي كان بيبتسم ابتسامة النصر، وقلت له بثبات استغربته أنا شخصياً:

أنت فاكر إنك كسبت؟ أنت فاكر إنك لما تذلنا وتلوي دراعنا بالماضي، هتقدر تتحكم فينا؟ أنت يا سالم واحد حقير استغل سر عشان يعيش سنين، بس نسيت حاجة واحدة.. الميت اللي مات عشان الحقيقة، ساب وراه أخت مش هتسكت على دم أخوها.

سالم ضحك بس الضحكة المرة دي كانت ناقصة، بدأ يقلق من ثباتي. كملت وأنا بقرب منه خطوة:

جوزي طلقني عشان صدق كذبتك، وده معناه إن مفيش حاجة تانية أخاف عليها. لا سمعة، ولا جوز، ولا حياة هادية.. أنا بقيت في الشارع من كل ده، يعني مفيش حاجة تانية تخسرها يا سالم.

سحبت الموبايل من إيده بحركة سريعة ومباغتة، سالم اتفاجئ وحاول يشدني من دراعي، بس أنا جريت ناحية الباب، ووقفت بصلته وبصيت لأبويا وقلت:

الموبايل ده عليه كل حاجة، صح؟ لو هو ده مفتاحك، يبقى هو ده اللي هيوديك في داهية.

قبل ما سالم ي حكايات انجى الخطيب

بصيت لأبويا وهو منهار على الأرض، ودموعي اللي كانت محبوسة بدأت تنزل زي الشلال. مكنتش عارفة أواسي مين؟ قلبي المكسور ولا الراجل اللي كان سندي وطلع هو اللي هادد كياني؟ قربت منه، قعدت جنبه على الأرض الباردة، ومسكت كتفه، وبصوت مبحوح قلتله:

يا بابا، لو الكلام ده بجد، لو فعلاً أنت السبب في اللي حصل لأخويا.. يبقى لازم ننهي المهزلة دي بنفسنا. مش هنستنى سالم يهد البيت فوق دماغنا، ولا هنستنى حد يدوس علينا أكتر من كدة.

أبويا رفع راسه، كانت عيونه في دوامة من الندم والكسرة، مسك إيدي وباسها، صوته كان طالع زي فحيح التعبان:

يا بنتي، أنا مش خايف على نفسي، أنا خايف عليكي.. سالم ده شيطان، عنده وسايل يخلي اللي مش حقيقي يبان كأنه واقع، وأنا كنت غبي لما سمحتله يمسك عليا الحتة دي. هو مش بس معاه تسجيلات، هو معاه “أوراق” وقرارات أمضيتها وأنا مش حاسس، أوراق لو طلعت للنور، أنا مش بس اللي هروح في داهية، العيلة دي كلها هتتشرّد.

وقفت فجأة، مسحت دموعي بإيدي، وبصيت للمكان من حوالينا. المخزن ده مكنش مجرد مخزن غلال، ده كان مخزن “أسرارهم”. بصيت في ركن بعيد، لمحت صندوق خشبي قديم عليه قفل صدّي، افتكرت كلام أخويا الله يرحمه قبل ما يموت بأيام، لما قالي: “لو حصل لي حاجة يا أختي، الحقيقة كلها في الصندوق اللي في المخزن، مفتاحه في جيب الجاكيت اللي أبويا دفنه يوم ما اتخانق مع عمي”.

مشيت ناحية الصندوق، ولقيت أبويا بيبصلي بذهول، كأنه عرف أنا بدور على إيه. حاولت أكسر القفل بالحجر اللي كان جنب الباب، مرة واتنين، لحد ما القفل اتفتح بـ “طرقعة” خلت قلبي ينط من مكانه. فتحت الصندوق، مكنش فيه دهب ولا فلوس.. كان فيه “دفتريين” صغيرين، وشوية صور قديمة، وشرايط كاسيت، وورقة مكتوب عليها بخط إيد أخويا: “للي هيقرا الكلام ده، أنا عارف إن نهايتي قربت، وده كل اللي قدرت أجمعه عن شركاء الدم”.

قلبت في الدفتر، ولقيت أسماء، تواريخ، وحسابات بنكية، وتفاصيل لعمليات غير مشروعة مش بس تخص أبويا وعم “سالم”، دي تخص ناس تقيلة في البلد!

بصيت لأبويا وقلتله بابتسامة باهتة ومرعبة في نفس الوقت:

يا بابا، سالم فاكر إنه ماسك علينا “خيط”، بس هو ميعرفش إننا قاعدين على” موقوتة.. لو ولعت،  سالم، وهتحرقنا معاه،  كل اللي شارك في دمنا.

أبويا بص للدفاتر واتنفس بعمق، لأول مرة شفت في عينيه لمعة تحدي وسط الضعف. قالي:

أنتي ناوية على إيه يا بنتي؟

بصيت لبعيد، للشارع اللي هيمشي فيه سالم بكرة وهو فاكر إنه ملك العالم، وقلت:

ناوية أخلص من الشيطان بسلا..ح الشيطان نفسه.. بكرة، سالم هيعرف إن اللي استضعفها، هي اللي هتحط نهايته بإيدها.

……

طلعت الدفاتر من الصندوق وحطيتها في شنطتي، وخرجت مع أبويا من المخزن، السكون في الشارع كان بيخنق، والليل كان ساترنا بظلمته. ركبنا العربية وأنا ملامحي اتحجرت، مفيش دموع تاني، مفيش خوف، جوّاي بركان بيغلي ومحتاج يطلع في الوقت الصح.

وصلنا البيت، لقيت أمي قاعدة في الصالة، وشها زي ، لما شافتني داخلة بالشنطة دي وبصت لأبويا اللي كان ماشي ورايا وراسه مرفوعة لأول مرة من سنين، قامت وقفت بخوف:

عملتوا إيه؟ سالم سابكم في حالكم؟

بصيت لأمي، لملامحها اللي شالت هموم سنين، ولقيتني بقولها بصوت واطي بس حازم:

سالم مش هيسيبنا في حالنا يا أمي، سالم فاكر إنه صياد، بس الليلة دي عرفت إنه كان بيصطاد في مية عكرة، وأنا قررت أكشف المية دي للكل.. ادعيلي، لأن اللي جاي معناه يا نعيش بكرامة، يا نموت والحقيقة معانا.

دخلت أوضتي، قعدت على مكتبي، وفتحت الدفاتر. بدأت أقرأ التفاصيل، كان كل اسم مذكور في الدفاتر دي وراه كوارث. اكتشفت إن سالم مش بس بيهددنا، ده كان “الذراع اليمين” لشبكة فساد كبيرة في المحافظة، وأبويا مكنش مجرد شريك، كان “مغسلة” لفلوسهم الحرام. أخويا الله يرحمه كان بيجمع ده كله عشان يفك قيودنا، بس دفع حياته تمن للصدق.

مسكت الموبايل، وفتحت صفحة التواصل الاجتماعي، كنت عارفة إنها الوسيلة الوحيدة اللي صوته مش هيقدر يداريها. كتبت كل حاجة.. الحقيقة كاملة، الأسماء، التواريخ، وحتى التسجيل اللي سالم كان بيهددنا بيه، بس بطريقتي أنا، وبصياغة تخلي الرأي العام كله هو اللي يحمينا.

صوابعي كانت بتترعش فوق الشاشة، لحظة التردد الأخيرة جت: “لو دوست ‘نشر’، حياتي القديمة بكل ما فيها هتتمسح، وعيلتي هتدخل في دوامة مفيش منها خروج”.

سمعت خبط خفيف على باب أوضتي، كان أبويا. دخل وبص لي وبص للابتوب اللي قدامي، قعد جنبي ومسك إيدي وقال بصوت واثق:

دوسي يا بنتي.. لو دي الطريقة الوحيدة اللي نكفر بيها عن ذنبنا، يبقى خليها تكون. أنا مش عايز أموت وأنا حاسس إني مديون لروح أخوكي.

غمضت عيني، ودوست “نشر”.

ثواني وبدأ الموبايل ينهال بالرسائل، التنبيهات مكنتش بتبطل، كأن  فعلاً في العالم الافتراضي. في أقل من ساعة، المنشور بقى حديث البلد.

سمعت صوت عربيات شرطة في آخر الشارع، وصوت صريخ سالم اللي كان واضح إنه وصل للبيت عشان يواجهنا، بس المرة دي، كان متأخر. أنا فتحت باب البيت ووقفت في البلكونة، شفت سالم وهو بيجري ناحية باب بيتنا، وشه كان عبارة عن كتلة من الرعب لما شاف عربيات البوليس اللي كانت محاصرة بيته هو مش بيتنا..

بص لي سالم وهو بيترعش، وبص للموبايل في إيده اللي كان فيه كل حاجة، بس دلوقتي، كل أوراقه بقت مكشوفة للجهات اللي مكنش يتخيل إنها توصلها.

ابتسمت له ابتسامة باردة، وقلت لنفسي: “الورقة اللي رميتها لي في الفرح، كانت هي تذكرة خروجي من جحيمك، بس أنت اللي كتبت نهايتك فيها”.

الدنيا تحت بيتنا بقت ساحة معركة، والناس بدأت تتجمع، والحقيقة اللي كانت مدفونة خمس سنين طلعت للنور في ليلة واحدة. قفلت اللابتوب، قعدت علىولأول مرة من يوم الفرح، حسيت إن روحي بدأت تتنفس.. الحرب بدأت، بس المرة دي، أنا اللي ماسكة زمام الأمور.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى