ـ “مراتي مش خدامة يا أمي!.. سوسن اللي شايلاكي في تعبك وشايلة البيت على كتافها وهي مش قادرة تفرد ضهرها، تتقال عليها كلمة زي دي؟!”
وبعدها سمعت صوت حماتي وهي بتصوت وتولول بالطريقة اللي حفظتها:
-
السر الذي تخفيه زوجتيمنذ 20 ساعة
-
هل هو معدة أم علامة من كبدك؟منذ 20 ساعة
-
الطبيب يكشف عرض لهذه الامړاضمنذ 20 ساعة
-
اثنا عشر علامةمنذ 20 ساعة
ـ “يا لمتي يا ناس! بقى بتعلي صوتك عليا عشان خاطر مرأتك؟ أنا قولت إيه يعني؟ دي كلمة وطلعت في وسط الكلام، وهي إيه اللي وقفها تتصنت علينا؟”
الكلام كان بيوصلني مقطع، بس كان كافي يخليني أترعش. دخلت قفلت الشباك عشان مسمعش أكتر، ومشيت في الشقة رايحة جاية.. الشكوك رجعت تاني تلعب في دماغي: “يا ترى أحمد هيثبت على موقفه؟ يا ترى حماتي هتقلب التربيزة عليه وتخليه يحس بالذنب إنه عاق؟ يا ترى أخته لما تيجي وتعرف هتعمل إيه؟”
ساعة كاملة مرت كأنها سنة.. ساعة وأنا على نار، لحد ما سمعت صوت خطوات سريعة وطالعة على السلم.. الخطوات كانت ثقيلة وعنيفة.
المفتاح دار في الباب، وقلبي اتنفض من مكانه.. دخل أحمد، وشه كان أحمر دم، وعروق رقبتو بارزة، ونفسه عالي كأنه كان في معركة حربية. رمى مفاتيحه على الترابيزة وبصلي..
وقفت مكاني مش قادرة أتحرك، وعيني بتسأله من غير ما أنطق: “إيه اللي حصل؟”
قرب عليا، وبدون ولا كلمة، شدني لحضنه جامد.. فضِل حاضني وهو بيتنفس بسرعة، وحسيت بجسمه كله بيترعش من كتر العصبية والكتمان. طبطبت على ضهره بالراحة وقلت بصوت واطي:
ـ أحمد.. إيه اللي حصل تحت؟ أمك قالتلك إيه؟
خرج من حضنه، وبص في عيني، وابتسامة مكسورة بس مليانة تحدي ظهرت على شفايفه وقال:
ـ خلاص يا سوسن.. من النهاردة مفيش تحت تاني، ومفيش كلام مع حد فيهم.. أنا قولت لأمي كل اللي في قلبي، وقولتلهم إن هانم البيوت مكانها فوق في شقتها، واللّي عايز يزعل يزعل.
قعد أحمد على الكنبة وسند راسه لورا وهو مغمض عينيه، كأنه بيحاول يستوعب حجم الكلام اللي قاله واللي سمعه تحت. قعدت جنبه وحطيت إيدي على كتفه، فتح عينيه وبصلي بمرارة وكمل كلامه:
ـ “أنا نزلت لقيتها لسه بتقفل السكة مع أختي، أول ما شافتني وشي متغير سألتني مالك، قولتلها مالي يا أمي؟ مالي وأنا بكتشف إن مراتي الأصيلة اللي شايلاكي وشايلة بيتك في عز تعبها وحملها بقيتوا بتسموها ‘الخدامة أم بلاش’؟
أمي اتخضت في الأول، بس بعدين وشها جمد وقالتلي: ‘وهي سوسن الهانم كانت واقفة تتصنت عليا؟ وبعدين أنا قولت إيه يعني؟ ما هي اللي معودانا على كده، وبعدين دي بتساعد أم جوزها، هو إحنا جايبين غريبة؟’
الكلام استفزني أكتر يا سوسن، حسيت إنها مش شافت إنها غلطانة أصلاً! قولت لها: ‘تساعدك على عيني وراسي، لكن تتهان وتتسمى خدامة عشان بنتك تيجي تقعد هانم؟ لا يا أمي. سوسن من هنا ورايح مش هتعتب الشقة دي، وصحتها وبيتها أولى بيها، واللّي عايز يزعل يزعل، أنا كرامة مراتي من كرامتي’.”
أحمد سكت شوية، وأخد نفس عميق وكمل وهو بيضغط على إيدي:
ـ “أمي بدأت تصوت وتقول إني ببيعها عشان مراتي، وسلفتك لما سمعت الصوت طلعت تتفرج وتقول ‘مش أنا قولتلك يا طنط بلاش تآمني لحد؟’، قولتلهم كلكم اسمعوا.. من النهاردة كل واحد يشيل شيلته، وأنا مراتي هانم في بيتها، ومحدش يطلب منها قشاية.”
بصيت لأحمد والدموع في عيني، بس المرة دي كانت دموع راحة.. دموع إن ربنا نصرني وجوزي مطلعش بايعني ولا مستغلني. سألته بصوت واطي:
ـ “وأنت يا أحمد؟ مش زعلان إنك شديت مع مامتك بسببي؟”
بص في عيني مباشرة وقال بنبرة قاطعة:
ـ “أنا زعلان إني سيبتك توصلي للمرحلة دي من التعب والكسرة بسببي، زعلان إني كنت مخدوع في اللمة الكدابة.. لكن كرامتك وراحتك إنتِ وابننا اللي جاي هما أهم حاجة عندي يا سوسن. انسّي كل اللي فات، وابدأي من النهاردة ركزي في نفسك وفي بيتك وبس.”
في اللحظة دي، حسيت إن جبل انزاح من فوق صدري، وإن “الخدامة أم بلاش” ماتت في الشقة اللي تحت، وفوق في شقتي اتولدت سوسن جديدة، غالية ومكرمة في عين جوزها وفي بيتها.
فاتت كام يوم، والشقة فوق كانت هادية تماماً.. هدوء غريب ومريح ومخيف في نفس الوقت. مكنتش بنزل خالص، ولا حتى بفتح باب الشقة إلا للضرورة. أحمد كان متمسك بكلمته، كل يوم يرجع من شغله شايل في إيده طلبات البيت، وميخلينيش أمد إيدي لحاجة تقيلة.
لكن الهدوء ده مكنش طبيعي.. تحت كان في بركان بيغلي، وأنا عارفة إن حماتي وأخت جوزي وسلفتي مش هيعدوا الموضوع بالساهل.
في يوم، كنت قاعدة في الصالة بجهز حاجة الغدا الخفيفة اللي أحمد طلب مني أعملها من غير مجهود، وسمعت صوت خبط رزين على الباب.. خبطة مش غريبة عليا. قلبي اتنفض، قومت بالراحة وفتحت العين السحرية.. لقيتها حماتي!
وقفت ثواني مش عارفة أعمل إيه.. أفتح ولا أعمل مش سامعة؟ بس قولت لنفسي: “أنا فوق في شقتي، ومعملتش حاجة غلط، والهروب هيبينني ضعيفة”.
أخدت نفس طويل وفتحت الباب.
حماتي كانت واقفة، لافة طرحتها، وملامح وشها مكنتش زي كل مرة فيها العشم الزيادة أو الأمر والنهي.. كانت ملامح جامدة، فيها كبرياء مكسور. بصتلي من فوق لتحت، وعينيها جت على بطني، وبعدين قالت بنبرة ناشفة بس هادية:
ـ “أنا قولت أطلع أشوفك بنفسي يا سوسن.. بدل ما إحنا بقينا عايشين زي الأغراب في بيت واحد، وابني نزل قلب الدنيا عليا بسببك.”





